عملت دول مجلس التعاون الخليجي ودول الاتحاد الأوروبي على دعم أوجه التعاون فيما بينها في ضوء الأهمية السياسية والاستراتيجية والاقتصادية التي يتمتع بها كل جانب.. وكانت أولى الخطوات الفعلية عام 1988 ، الذي شهد توقيع معاهدة تعاون بين الطرفين إثر ظهور بعض الخلافات التجارية، لاسيما بين المملكة العربية السعودية والدول الأعضاء في السوق الأوروبية المشتركة. غير أن إحساس دول مجلس التعاون الخليجي بتحمل خسائر اقتصادية فادحة من جراء بعض الممارسات التجارية ضد صادراتها إلى الأسواق الأوروبية قد دفع هذه الدول إلى المطالبة بإبرام اتفاقية تبادل تجاري حر بهدف الحد من الخسائر والتخلص منها في الوقت نفسه الذي تحقق فيه دول الاتحاد الأوروبي مصالحها في المنطقة.. الأمر الذي يعني في النهاية تحقيق نوع من المصالح والمنافع المتبادلة. في مواجهة المطلب الخليجي أصرت الدول الأوروبية على بعض الشروط اللازمة لإبرام الاتفاقية المطلوبة مثل مناقشة قضية حقوق الإنسان وإنشاء اتحاد جمركي خليجي، ورغم أن دول مجلس التعاون الخليجي قد أبدت نوعًا من الجدية التي تجلت في التجاوب مع هذه الشروط فإن الدول الأوروبية قد أبدت تباطؤًا واضحًا في هذا الشأن. ويسعى هذا التقرير إلى تقييم مسيرة التعاون بين الجانبين الخليجي والأوروبي من خلال رصد حسابات المكسب والخسارة لدى كل طرف، مع محاولة استشفاف الأسباب الحقيقية وراء الخسائر التي لحقت بأي من الطرفين، مع الإشارة كذلك إلى مستقبل العلاقات بين الجانبين. ظهرت العلاقات الخليجية الأوروبية بشكل قوي على السطح إثر قرار الاتحاد الأوروبي في عام 1983 يفرض تعريفة جمركية عالية على صادرات المنتجات البتروكيماوية من أقطار الخليج العربية الست إليه.. وبخاصة صادرات المملكة العربية السعودية من مادة الميثانول «بلغت التعريفة الجمركية آنذاك على هذا المنتج 13.5%» الأمر الذي دفع هذه الأقطار وبخاصة السعودية للعمل بشكل دؤوب خلال الثمانينيات على تخفيض تلك التعريفة، حيث لجأت الرياض إلى مجلس التعاون الخليجي الذي أنشأ بدوره لجنة خاصة داخل الأمانة العامة للمجلس لمتابعة موضوع التعاون الاقتصادي الثنائي مع الاتحاد الأوروبي. وتطورت تلك الجهود في اتجاه إبرام الطرفين اتفاقية تعاون ثنائي في 15يونيو عام 1988 دخلت حيز التنفيذ بداية عام 1990، وكانت الاتفاقية ذات شطرين أحدهما اقتصادي حدد الإطار الرسمي للتعامل وأُسس التبادل التجاري بين الطرفين وكذلك حدد المعالم العامة لاتفاق تبادل تجاري حر، والآخر سياسي تم بمقتضاه إنشاء مجلس مشترك على مستوى وزراء الخارجية يجتمع بصورة دورية كل عام وتكون رئاسته بالتبادل بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، وبصفة عامة يمكن القول بأن الهدف من اتفاقية التعاون الموقعة بين الجانبين هو تسهيل العلاقات التجارية والدخول إلى الأسواق والمساهمة في تعزيز الاستقرار في منطقة الخليج الاستراتيجية البالغة الأهمية من الناحية الاقتصادية. ولا شك أن هناك أسبابًا متبادلة دفعت كل طرف إلى التعاون مع الآخر.. فبالنسبة للجانب الأوروبي فإن هناك بعض الأهداف والمصالح المراد تحقيقها من وراء ذلك التعاون.. فمنطقة الخليج العربي تعد من أهم أقاليم العالم على الإطلاق فيما يتعلق بموارد الطاقة وخاصة النفط الخام والغاز الطبيعي، حيث يحتضن باطن الأرض في الخليج أكثر من 700مليار برميل من النفط الخام كاحتياطيات مؤكدة «65.8% من إجمالي الاحتياطي في العالم»، كما تؤكد الدراسات أن المستقبل النفطي لا يزال مزدهرًا وسوف يبقى في صدارة الطاقة واستخداماتها الصناعية والتجارية طوال القرن الواحد والعشرين، كذلك أشارت بعض التقارير إلى أن الاحتياطي النفطي يرتفع باطراد كما أن الطلب العالمي على النفط في زيادة مستمرة، وفضلاً عما سبق تجمع الدراسات على أن منطقة الخليج ستظل المنبع الأول لتلبية احتياجات الطاقة في العالم. بالإضافة إلى النفط الذي أرادت الدول الأوروبية تأمين وصوله إليها فإن هناك مصالح أخرى لدول الاتحاد الأوروبي في الإقليم، فقد تزامن توقيع اتفاقية التعاون بين الجانبين عام 1988 مع وجود أكثر من 400شركة أوروبية في دول الخليج الست، كما بلغ عدد الأوروبيين المقيمين آنذاك في هذه الدول أكثر من 250 ألف شخص، هذا بالإضافة إلى مصالح تجارية أخرى، حيث يعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون في الوقت الذي يمثل فيه السوق الخليجي المرتبة الخامسة للسلع والمنتجات الأوروبية. إلى جانب ذلك فقد رغبت دول الاتحاد الأوروبي في تعميق الحوار والتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي خشية تكرار الغزو العراقي لدولة الكويت وما نجم عنه من توتر عسكري إقليمي.. حيث تنظر دول الاتحاد إلى مجلس التعاون الخليجي بوصفه أحد أهم المفاتيح لتجنب التوتر وما يمكن أن ينتج عنه من عمليات حشد عسكري غربي - أمريكي واسع النطاق، كما ترى هذه الدول أن نجاح سياسة «الدبلوماسية الوقائية» يعتمد على دور إقليمي عربي لاسيما دور مجلس التعاون، المنظمة الوحيدة التي صمدت في وجه الأحداث بعد هزات الثمانينيات والتسعينيات. أما على الجانب الخليجي فقد سعت هذه الدول نحو التعاون مع أوروبا من أجل تخفيف الإجراءات والقيود الحمائية التي تفرضها دول الاتحاد الأوروبي على صادراتها خاصة من البتروكيماويات والألومنيوم، هذا فضلاً عن رغبة دول الخليج الست في تحقيق مكاسب أخرى سياسية أبرزها كسب الموقف الأوروبي فيما يتعلق بالقضايا الشائكة في إقليم الخليج والشرق الأوسط. حسابات المكسب والخسارة لاشك أن أي علاقة تعاونية تقوم بين طرفين يكون الهدف منها تحقيق أكبر قدر من المصالح والمنافع المتبادلة، ورغم عدم القدرة على إنكار أن دول مجلس التعاون الخليجي قد حققت بعض المكاسب من وراء تعاونها مع الاتحاد الأوروبي فإنه ينبغي التأكيد أن هذه الدول قد منيت بخسائر تجارية فادحة أبرزتها أرقام وبيانات العجز التجاري المتصاعد لصالح دول الاتحاد الأوروبي، أما بالنسبة للجانب الأوروبي فقد حقق الاتحاد الأوروبي مكاسب تجارية هائلة استمرت في التصاعد والزيادة طوال عقد التسعينيات، وتبدو تلك الحقائق واضحة تمامًا في ضوء العرض التالي. أ ـ الجانب الأوروبي حققت دول الاتحاد الأوروبي مكاسب هائلة من وراء تعاونها مع دول مجلس التعاون الخليجي، فعلى المستوى السياسي فقد تدعمت العلاقات السياسية بين الطرفين وحصل الاتحاد الأوروبي على تعهد خليجي بالحصول على كل ما يحتاجه من نفط وطاقة، وبالنسبة للعلاقات التجارية يحتل الاتحاد الأوروبي مركزًا مهمًا من ناحية التبادل التجاري مع دول الخليج الست وبدا من هذا التبادل أن هناك تصاعدًا مستمرًا في قيمة الصادرات الأوروبية لدول مجلس التعاون في حين لا تشهد الصادرات الخليجية إلى الأسواق الأوربية نفس معدل التصاعد. فقد وصلت نسبة واردات دول الخليج الست من دول الاتحاد الأوروبي إلى 36% من إجمالي وارداتها العالمية في عام 1998، في الوقت الذي استوردت فيه أوروبا ما نسبته 15% من إجمالي وارداتها من دول مجلس التعاون، كما أشارت الأرقام إلى ارتفاع قيمة الصادرات الأوروبية إلى الأسواق الخليجية إلى 29.3مليار يورو عام 2000 وإلى 29.6مليار يورو عام 2001، في حين بلغت الصادرات الخليجية إلى الأسواق الأوروبية 22.3مليار يورو عام 2000 و 22مليار يورو عام 2001 ويعود ارتفاع قيمة تلك الصادرات إلى ارتفاع أسعار النفط. ب ـ الجانب الخليجي رغم تحقيق دول مجلس التعاون الخليجي قدرًا من المكاسب السياسية من وراء تعاونها مع الاتحاد الأوروبي فإنها قد أخفقت في تحقيق القدر نفسه من المكاسب الاقتصادية، بل إن هناك خسائر تجارية قد لحقت بهذه الدول نتيجة الممارسات التجارية الأوروبية ضد الصادرات الخليجية. فعلى المستوى السياسي وعلى ضوء أن الهدف من الحوار والتعاون هو تنسيق المواقف بين الطرفين لاسيما أن هناك ارتباطًا بين أمن واستقرار الخليج وأمن واستقرار أوروبا.. فقد عمل الطرفان على تكوين آراء مشتركة واتخاذ مواقف سياسية موحدة بما يؤدي في النهاية إلى المزيد من الأمن والاستقرار في المنطقة. وفي هذا السياق استطاعت دول مجلس التعاون أن تكسب تأييد أوروبا في كثير من القضايا المتعلقة بالخليج العربي وهو الأمر الذي بدا ظاهرًا في الاجتماعات الوزارية المشتركة في ضوء حالة التطابق بين وجهتي النظر الخليجية والأوروبية إزاء معظم القضايا الإقليمية. ورغم تلك المكاسب فإن الدول الخليجية الست قد أخفقت في دفع الاتحاد الأوروبي إلى ممارسة ضغوط اقتصادية على إسرائيل لإيقاف العنف أو تهدئة الأوضاع، حيث رفضت الدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد تلبية المطلب الخليجي بهذا الخصوص مؤكدة وجود شبه إجماع بعدم ممارسة الضغوط الاقتصادية أو التلويح بالاتفاقيات التجارية أو اتفاق الشراكة ضد إسرائيل، مع التأكيد على أن الاتحاد الأوروبي يدين الممارسات الإسرائيلية والاستخدام المفرط للقوة ضد الفلسطينيين. أما على المستوى الاقتصادي فقد عانت دول مجلس التعاون الخليجي، ومازالت، من وجود مشاكل ومعوقات تحد من قدرتها على تصدير منتجاتها، لاسيما البتروكيماويات والألومنيوم، إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، حيث يقوم الاتحاد بفرض رسوم جمركية عالية على هذه المنتجات الأمر الذي يحد من قدرتها على المنافسة، ومن جهة أخرى هناك مشكلة العجز المتنامي في الميزان التجاري الخليجي لصالح أوروبا، حيث أشارت الإحصائيات إلى أن الحجم التراكمي لهذا العجز قد وصل إلى حوالي 100مليار دولار منذ توقيع اتفاقية التعاون عام 1988، وليس من المتوقع أن ينخفض هذا العجز في ظل الإجراءات الحمائية والقيود الجمركية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على صادرات دول مجلس التعاون، كما سبقت الإشارة، حيث كانت قيمة الصادرات الخليجية إلى أسواق الاتحاد قد بلغت 22.3مليار يورو عام 2000 بعجز قدره 7مليارات يورو لصالح أوروبا، في حين كانت قيمة هذه الصادرات 22مليار يورو عام 2001 بعجز قدره 7.3مليارات يورو لصالح الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. في ضوء ذلك الخلل الواضح في العلاقات التجارية بين الجانبين عملت دول مجلس التعاون الخليجي على إيجاد علاقات أكثر عدلاً وتوازنًا مع شريكها التجاري الأول فسعت هذه الدول إلى تحقيق نوع من الانسياب المنتظم للصادرات الأوروبية إلى أسواقها، في الوقت نفسه الذي عملت فيه على التوسع في زيادة صادراتها لأوروبا لمعالجة العجز التجاري المشار إليه، كذلك سعت هذه الدول للعمل على توسيع تشكيلة المنتجات والاستثمارات الأجنبية، وكان ذلك في ظل المطالبة بإبرام اتفاقية تبادل تجاري حر مع الجانب الأوروبي تضمن إزالة التعريفات الجمركية المفروضة على صادراتها من البتروكيماويات والألومنيوم. تباطؤ أوروبي في مواجهة المطلب الخليجي بإبرام اتفاق تبادل تجاري حر مع الجانب الأوروبي طُرح بشكل غير رسمي مقترحان رئيسيان أولهما أن تُربَط اتفاقية التبادل التجاري الحر الخليجية بمنطقة التجارة الحرة الأوروبية المتوسطية المزمع إقامتها عام 2010، والمقترح الثاني هو توقيع اتفاقية تجارة حرة مستقلة بين الجانبين الخليجي والأوروبي تنص على تقليص العوائق التجارية والتعاون في مجال الاستثمار. وقد تمت الموافقة على الأخذ بالمقترح الثاني، حيث بدأت المباحثات والمفاوضات بين الجانبين بشأن إبرام الاتفاقية المذكورة، ورغم أن دول مجلس التعاون الخليجي قد فتحت أسواقها أمام المنتجات الأوروبية ونفذت شروط الدول الأوروبية على مدى ما يزيد على عشر سنوات بل إن المنتجات الخليجية قد تم صنعها طبقًا للمواصفات الأوروبية - رغم ذلك لم تنجح هذه الدول في إبرام اتفاقية تبادل تجاري حر مع الاتحاد الأوروبي. وقد كان هذا الأمر دافعًا إلى تعبير بعض المسئولين الخليجيين عن رأيهم في توجهات الاتحاد الأوروبي بخصوص اتفاقية التبادل التجاري الحر قائلين إن الموقف الأوروبي يتضمن مظاهر غير جادة في التعاون ويفتقد الروح اللازمة للتوجه المشترك لإنجاز منطقة تبادل تجاري حر مع دول الخليج الست، ومن ذلك، التصريحات التي أطلقها عبد الله الكراز المدير العام لـ «بنك الخليج الدولي» في أواخر عام 2000 حيث قال «إنهم يقصد ـ الأوروبيين ـ يريدون إبقاء القيود على صادراتنا ويفرضون ضرائب على منتجاتنا ويطالبوننا بأن نكون متساهلين مع المنتجات الأوروبية» مضيفًا أن الاتحاد الأوروبي يطالب بتحقيق بعض الشروط كما سيلي الإشارة لاحقًا في حين لم يتطرق إلى ذلك عند حواره مع شركائه المتوسطيين أو دول أوروبا الشرقية. والواقع أن عملية التوقيع على اتفاقية التبادل الحر التي يجري التباحث حولها في كل الاجتماعات الوزارية المشتركة لم تشهد جديدًا إلا في الاجتماع الأخير الذي عقد بين الجانبين في شهر فبراير 2002 بمدينة غرناطة الإسبانية، وقبل ذلك وطيلة ما يزيد على أحد عشر عامًا كان هناك نوع من التباطؤ الأوروبي الواضح إزاء توقيع الاتفاق، في الوقت الذي كانت فيه دول مجلس التعاون تسعى بجدية نحو إبرام الاتفاق. مظاهر التباطؤ الأوروبي هناك عدة مظاهر تدل على التباطؤ الأوروبي إزاء توقيع اتفاقية تبادل حر مع دول مجلس التعاون الخليجي، وأبرز هذه المظاهر، إثارة قضية حقوق الإنسان في دول مجلس التعاون الخليجي والإصرار على إدراجها على جدول أعمال الاجتماعات الوزارية، والإصرار على إنشاء دول مجلس التعاون الخليجي اتحادًا جمركيًا مشتركًا قبل إبرام الاتفاقية، وكذلك عدم تخفيض أي من الرسوم الجمركية الأوروبية على صادرات الدول الخليجية الست إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن بعض المظاهر الأخرى. وقبل الشروع في استعراض تلك المظاهر ينبغي التأكيد أن اتفاقية التبادل التجاري الحر كان من المفروض أن يتم توقيعها جنبًا إلى جنب مع اتفاقية التعاون الموقعة عام 1988 حسب المطلب الخليجي بذلك، حيث طالب مجلس التعاون الخليجي بإبرام اتفاقية التعاون في العام المذكور بالجمع بين هذه الاتفاقية واتفاقية التجارة الحرة أو على الأقل تأجيل دخول اتفاقية التعاون حيز التنفيذ حتى يتم إبرام الاتفاقية التجارية، ولم يتنازل مجلس التعاون عن موقفه هذا أمام إلحاح المجموعة الأوروبية إلا بعد حصوله على التزام أوروبي بالتفاوض بشكل «سريع» حول اتفاقية التبادل التجاري الحر. اتحاد جمركي خليجي ربط الاتحاد الأوروبي إبرام اتفاقية تبادل تجاري حر مع دول مجلس التعاون الخليجي بقيام اتحاد جمركي بين هذه الدول والاتفاق على تعريفة جمركية موحدة داخل المجلس، وذلك حتى يتسنى له تخفيض التعريفة الجمركية التي يفرضها على منتجات دول الخليج الست عند خولها دول الاتحاد الأوروبي. وقد بدا إصرار الاتحاد الأوروبي على هذا الشرط رغم توارد الأنباء عن اتفاق دول مجلس التعاون الخليجي على تحقيق هدف الوحدة الجمركية في عام 2005، فرغم اعتبار الاتحاد أن ذلك «أمر إيجابي يساعد على تقدم المفاوضات»، فإن مصادر أوروبية أكدت أن المفاوضات التجارية بخصوص اتفاق التبادل الحر ستتواصل بنفس وتيرتها «ولا مانع من توقيع اتفاق التبادل التجاري الحر قبل إنجاز الخليجيين وحدتهم الجمركية لكن دخول الاتفاق حيز التنفيذ لن يتم إلا بعد إنجازها الكامل أي بعد عام 2005». ومن الواضح أن الأوروبيين أرادوا إطالة زمن المفاوضات حول إبرام اتفاقية تبادل تجاري حر مع دول الخليج الست لاسيما أن هذه الاتفاقية تعني أن تقوم السلطات الأوروبية بإزالة أو حتى تقليص الرسوم الجمركية على الصادرات الخليجية التي من أهمها البتروكيماويات والألومنيوم، وتبدو صحة هذا الرأي في ضوء وجود لوبي صناعي بتروكيماوي أوروبي يعارض إنشاء مثل تلك الاتفاقيات، وبالتالي كان الخيار الأوروبي الوحيد هو التباطؤ في إبرام الاتفاقية. تضييق على الصادرات رغم تشّدد الاتحاد الأوروبي بشأن ضرورة قيام دول مجلس التعاون الخليجي بإنشاء اتحاد جمركي فإنه لم يعمل على تخفيف الإجراءات الحمائية التي يفرضها على الصادرات الخليجية إليه.. فقد تمسك الأوروبيون بإجراءات الحماية التي يتخذونها ضد صادرات دول مجلس التعاون الخليجي والضرائب والرسوم المرتفعة التي يفرضونها على منتجات البتروكيماويات بنسبة 14% والألومنيوم بنسبة 6% وهي أهم الصادرات الخليجية إلى الأسواق الأوروبية، هذا فضلاً عن أن الاختلاف حول قواعد بيئية قد دفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض ضريبة على إنتاج مادة «الكربون دايوكسايد» الأمر الذي يؤثر على استهلاك النفط وبالتالي على صادرات دول المجلس إلى أوروبا. وبرر الأوروبيون موقفهم بالقول إن البتروكيماويات «سلع حساسة» ويرجع التباطؤ في إعفائها من الضرائب والرسوم إلى ضغط اللوبي البتروكيماوي الأوروبي الذي يعارض اتفاقية تجارة حرة مع دول مجلس التعاون تخوفًا من المنافسة، ولذلك طالب الاتحاد الأوروبي بالتدرج في مناقشة هذه السلع وضرورة تكثيف الاتصالات بشأنها. حقوق الإنسان أصر الجانب الأوروبي على مناقشة أوضاع حقوق الإنسان في دول الخليج الست وإدراج هذا الموضوع على جدول أعمال الاجتماع السنوي لوزراء خارجية الجانبين، وقد أكد مسئولو الاتحاد الأوروبي أن هذا الموضوع «نطرحه ونثيره لدى كل المجموعات التي نوقع معها اتفاقات وهذا ليس بشيء جديد ولم نقحمه فقط في علاقاتنا مع دول مجلس التعاون بل مع كل المجموعات الإقليمية، وهذا لا يعني أننا نمس نظم الحكم في هذه البلدان». وقد اعترض الجانب الخليجي على هذا التوجه الأوروبي الخاص بحقوق الإنسان لاسيما وأن الأوروبيين يستمرون في استخدام هذه القضية كوسيلة «ضغط لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية معينة» وذلك حسبما قال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل خلال الاجتماع المشترك الذي عقد في المنامة في شهر ابريل عام 2001، كما انتقد الأمير في ذلك الوقت بيان الاتحاد الأوروبي في لجنة حقوق الإنسان وفي اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة الذي استمر في التعرض لدول المجلس بشكل غير منصف . من جهة أخرى كان أمين عام مجلس التعاون الخليجي السابق الشيخ أمين الحجيلان قد أكد رفض الدول الخليجية أن يكون موضوع حقوق الإنسان مطروحًا بشكل دائم على جدول أعمال الاجتماعات الوزارية المشتركة، مضيفًا عدم قبول أن يأخذ الموضوع طابعًا ثنائيًا بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، لأن المدخل الملائم لبحثه هو الأمم المتحدة التي تعد هي المظلة الكبرى التي ترعى حقوق الإنسان. إلى جانب ذلك أكد بعض المسئولين الخليجيين ضرورة احترام الخصوصيات بالنسبة لقضية حقوق الإنسان مع العمل في الوقت نفسه على إيجاد الحوار الصريح والمثمر وذلك انطلاقًا من حقيقة أكدت عليها مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ماري روبنسون في أحد تقاريرها الصادرة في عام 1998 مفادها أنه بالرغم من أن حقوق الإنسان قضية عالمية فإن ذلك لا يعني أن هناك نموذجًا اجتماعيًا وسياسيًا أو قانونيًا متماثلاً أو أن المجتمعات كلها متساوية. وفي هذا السياق فإنه لا يمكن البحث في موضوع حقوق الإنسان بمعزل عن الثقافات والخصوصيات المتعلقة بالشعوب المختلفة بما في ذلك العقائد الدينية، وعلى ذلك يجب أن تتفهم الدول الأوروبية خصوصيات دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بقضية حقوق الإنسان. من جهة أخرى أشار بعض الكتاب إلى أن دول مجلس التعاون تؤكد أنه «من العبث أن تُفرض على إنسان حقوق غريبة عن معتقداته أو حقوق ترفضها أو تستنكرها هذه المعتقدات» كما أنه «من غير الملائم أن تنصب حضارة معينة نفسها قيمًا أو حكمًا على سائر الحضارات الإنسانية الأخرى وتطالبها بشهادات حسن سلوك وفقًا لمنظورها ومعاييرها الخاصة». في ظل هذا التباين الواضح بين الجانبين الخليجي والأوروبي حول قضية حقوق الإنسان وإصرار الاتحاد الأوروبي على مناقشتها ضمن أعمال الاجتماعات الوزارية السنوية المشتركة.. ظلت هذه القضية عائقًا أمام إبرام اتفاقية تبادل تجاري حر بين الطرفين. مظاهر تباطؤ أخرى بالإضافة إلى المظاهر الرئيسية التي سبقت الإشارة إليها للتباطؤ الأوروبي فإن هناك عدة مظاهر أخرى ثانوية.. كان أبرزها ما يلي: 1 ـ لجوء الاتحاد الأوروبي إلى تخفيض تمثيله السياسي في اجتماعات المنامة «ابريل 2001» أثناء المباحثات مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بدعوى وجود خلافات لم يتم حلها، وقد كان مقررًا آنذاك حضور رئيس وزراء السويد أو وزير الخارجية لكن تم تخفيض التمثيل إلى نائبة رئيس الوزراء، في حين مثل بلجيكا سكرتير الدولة للشئون الخارجية، وفرنسا أحد المستشارين الدبلوماسيين وبقية الدول كان تمثيلها من خلال سفراء أو سكرتارية الدولة، الأمر الذي اعتبر حينئذ أدنى تمثيل سياسي في تاريخ الاجتماعات الوزارية المشتركة. 2 ـ في أعقاب اجتماعات المنامة «ابريل 2001» كشف باسكال لامي عضو اللجنة الأوروبية في مؤتمر صحافي عن «شروط جديدة لم تتبلور بعد ستضعها الدول الأوروبية» يتعلق بعضها بتصدير الخدمات الأوروبية إضافة إلى بعض السلع الأخرى مثل الخدمات المصرفية والتأمين، في حين يتعلق البعض الآخر باحترام البيئة، فضلاً عن استمرار التمسك بمناقشة قضية حقوق الإنسان، وقد اعتبرت مصادر دبلوماسية خليجية آنذاك أن مثل هذا الموقف الجديد سيعيد المفاوضات بين الجانبين من أجل إبرام اتفاق تبادل تجاري حر إلى نقطة الصفر. 3 ـ التأخر في تجديد التفويض التجاري المطلوب لدخول المفوضية الأوروبية التي من المفترض أن تتحدث بلسان الاتحاد الأوروبي في مفاوضات جادة مع دول مجلس التعاون الخليجي حول إبرام اتفاقية تبادل تجاري حر، وكانت دول الاتحاد الأوروبي قد اعتبرت التفويض القديم لاغيًا ورأت ضرورة تجديده نظرًا للمستجدات على الساحة الاقتصادية الدولية والأوروبية غير أن المصادر كانت قد كشفت عن أن التأخر في تجديد التفويض المطلوب يرجع لوجود بعض الخلافات الداخلية بين الدول الأوروبية. وحتى مع صدور التفويض الجديد في يوليو 2001 فإنه قد انقسم إلى ثلاثة أقسام تناول الأول إشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي رغم استمراره في المفاوضات مع دول المجلس للوصول إلى اتفاق تبادل تجاري حر فإنه لن يوقع عليها ولن تدخل حيز التنفيذ حتى يتم التوقيع على اتفاقيات الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون الخليجي، كما أشار هذا القسم إلى وجوب تضمين الاتفاقية إشارة إلى مراعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان الأمر الذي وصفه المراقبون إصرارًا أوروبيًا على عدم الأخذ بوجهة النظر الخليجية في تلك الموضوعات خاصة حقوق الإنسان، وبالإضافة إلى ذلك القسم تناول القسمان الثاني والثالث موضوعات فنية أخرى. ب ـ مظاهر الجدية الخليجية رغم الإقرار بأن دول مجلس التعاون الخليجي قد أبدت بعض مظاهر الجدية بخصوص إبرام اتفاقية تبادل تجاري حر مع الاتحاد الأوروبي، ورغم الإقرار بأن الجانب الأوروبي يتحمل قدرًا كبيرًا من المسئولية عن التأخير في إبرام الاتفاقية المذكورة، فإنه ينبغي الإشارة إلى أن الدول الخليجية الست تتحمل هي الأخرى قدرًا من المسئولية ويرجع ذلك إلى عوامل داخلية أشار إليها بعض الكتاب والمحللين الخليجيين وأبرزها ما يلي: 1 ـ قبل قرار قمة مسقط الأخيرة بتقديم موعد إنشاء الاتحاد الجمركي بدءًا من عام 2003، كان هناك نوع من البطء في إنشاء هذا المشروع. 2 ـ الضعف المستمر في حركة النقل والمواصلات سواء ما يخص شبكات الطرق السريعة أو اندماج شركات النقل البحرية والجوية. 3 ـ التفاوت الحاد في معدلات التعريفة الجمركية. 4 ـ الإخفاق في خلق السوق الخليجية المشتركة إثر تعثر برامج الخصخصة والتشريعات الخاصة بالاستثمار الأجنبي. 5 ـ استمرار هيمنة العقلية التجارية الريعية مما أدى إلى تعطيل دور القطاع الخاص وإحداث خلل في النشاط الاقتصادي. 6 ـ تشابه الركائز الاقتصادية لدول الخليج الست بل تنافسها في بعض الأحيان، الأمر الذي يصعب معه حدوث تكامل لاسيما أن حجم التجارة البينية بين هذه الدول ضئيل جدًا.. وهو ما يعني ضرورة العمل على تنويع مصادر الدخل الوطني للدول الأعضاء. ولا شك أن هذه العوامل مع إمكانية وجود عوامل أخرى قد أدت إلى إضعاف العمل الجماعي الخليجي في اتجاه تكوين كتلة اقتصادية قادرة على التفاعل مع بقية التكتلات الاقتصادية عمومًا ومع الاتحاد الأوروبي خصوصًا الأمر الذي انعكس في وجود حالة من الضعف شابت الموقف التفاوضي لدول الخليج الست مع هذا التكتل الأوروبي مما أدى في احدى نتائجه إلى عدم الإسراع بإبرام التبادل التجاري الحر. ورغم ذلك فإن الدول الخليجية الست قد تجاوبت بقدر ملحوظ مع المطالب الأوروبية المتعلقة بإنشاء اتحاد جمركي خليجي وبقضية حقوق الإنسان وذلك كما يلي: 1 ـ حقوق الإنسان أكدت مصادر خليجية أن دول مجلس التعاون لا يمكن أن تظل غائبة عن مناقشة موضوع حقوق الإنسان الذي أصبح يعادل في أهميته عالميًا موضوع البيئة، كما أن اهتمامها به سيؤدي أيضًا إلى تفادي الضغوط وتجاوز محاولات النيل من دول المجلس. في هذا السياق كان الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي قد أوضح في أحد الاجتماعات الخليجية الأوروبية الوزارية المشتركة أن دول مجلس التعاون الخليجي تبدي اهتمامًا بقضية حقوق الإنسان في ظل التطورات التي حدثت والإنجازات التي تمت في هذا المجال فقد انضمت دول المجلس إلى كثير من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وهي في طريقها للانضمام إلى بقية الاتفاقيات، وقامت دول المجلس بإنشاء آليات حكومية وغير حكومية تساعد على تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها بالإضافة إلى أنها تقوم بمراجعة مستمرة للأنظمة والإجراءات المتعلقة بالمحافظة عليها. من جهة أخرى أشارت مصادر إلى أن دول المجلس تتجه إلى إنشاء «لجنة تنسيقية لحقوق الإنسان على ضوء أحكام الشريعة الإسلامية والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان انسجامًا مع التطورات الراهنة لقضايا هذا الشأن» وذلك وفق اقتراح تقدمت به دولة الكويت يمثل تصورًا لتحديد اختصاصات هذه اللجنة وكيفية تشكيلها ومكان عقد اجتماعاتها. 2 ـ الاتفاق على تسريع إنشاء الاتحاد الجمركي الخليجي كانت دول مجلس التعاون الخليجي قد اتفقت على إنشاء اتحاد جمركي فيما بينها عام 2005، غير أن هذا الموعد قد تم تقديمه في قمة مسقط الخليجية الأخيرة «نهاية ديسمبر 2001» إلى عام 2003 أي قبل سنتين من موعده الأصلي، في الوقت نفسه تم الاتفاق على بداية العمل بالعملة الموحدة في عام 2010. وأكد الاقتصاديون أن الإجراءات الخليجية المذكورة ستعزز من موقف مجلس التعاون الخليجي في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، فقد أشار هؤلاء إلى أن «التوصل إلى اتفاق حول التعريفة الجمركية الموحدة خلال قمة مسقط الأخيرة وتطبيق هذا الاتفاق ـ مطلع العام المقبل ـ سيفتح الأبواب على مصراعيها لإقامة منطقة للتجارة الحرة بين الجانبين»، لاسيما أن المفاوضات كانت متعثرة وبطيئة بسبب إصرار الاتحاد الأوروبي على إنشاء الاتحاد الجمركي الخليجي أولاً وقبل إبرام اتفاقية التبادل الحر، وبذلك تكون العقبة الكبيرة أمام تلك الاتفاقية قد تمت إزالتها، ومن جهة أخرى أشار آخرون إلى أن «إقامة اتحاد جمركي خليجي عام 2003 يعطي فرصة لإمكانية التفاوض «مع الاتحاد الأوروبي» لتسعير السلع بشكل أفضل بالنسبة لمجلس التعاون. مستقبل العلاقات لا شك أن النجاح في إبرام اتفاقية تبادل تجاري حر سيشكل دافعًا نحو مزيد من دعم وتطوير علاقات دول مجلس التعاون الخليجي بدول الاتحاد الأوروبي، وعشية الاجتماعات الوزارية الخليجية الأوروبية التي عقدت في مدينة غرناطة الإسبانية «27 ،28فبراير 2002» عبر بعض المسئولين الخليجيين عن تفاؤلهم بإبرام اتفاق للتبادل التجاري الحر، حيث قال مدير إدارة الشئون العربية في وزارة الخارجية العمانية أحمد الحارثي «إن الجانبين متفقان على ضرورة التوصل إلى إبرام اتفاقية التبادل التجاري الحر وخلق منطقة تجارة حرة بينهما خلال هذا العام». وقد شهدت الاجتماعات الوزارية بالفعل تغيرًا في الموقف الأوروبي حيث قرر الجانبان الخليجي والأوروبي تسريع آليات التفاوض بينهما من أجل إنشاء منطقة تجارة حرة مشتركة بحيث يتم إنجاز ذلك بحلول عام 2003، وهو ما أكده المفوض الأوروبي كريس باتن رغم قوله إن هناك بعض الصعوبات. واستعدادًا لتنفيذ تلك التوجهات الجديدة أكد المسئولون الأوروبيون عزم الاتحاد الأوروبي فتح مكتب تمثيل في العاصمة السعودية الرياض بصلاحية تمثيل في باقي بلدان مجلس التعاون الخليجي على أن يتم ذلك أواخر العام الجاري، وعلى الجانب الآخر أخذت دول مجلس التعاون في حسابها أوضاع اقتصاداتها والإصلاحات التي يجب إدخالها عليها لذا فإن هذه الدول بصدد عمل الإصلاحات المطلوبة حاليًا بحيث تتمكن من الالتقاء باقتصادات دول العالم المتقدمة، كما أنها أقدمت على اتخاذ عدة خطوات جريئة في المجال الاقتصادي الأمر الذي يجعل أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي أمرًا مفيدًا للغاية. أخيرًا ينبغي التأكيد على أن الصورة الآن تبدو مشجعة للوصول إلى اتفاقية تبادل حر بين الجانبين وأي تأخير في هذا المجال سيعود بخسائر كبيرة ليس فقط على دول مجلس التعاون الخليجي بل أيضًا وبمقدار متساو على دول الاتحاد الأوروبي الذي بالإضافة إلى الحد من التشويشات الاقتصادية الناتجة عن التدخل في ميكانيكيات السوق لحماية منتجيها سيستفيد من سوق خليجية دخلها 250مليار دولار سنويًا.