لم يشهد تاريخ الادارات الاميركية المتعاقبة تخبّطاً في سياساته الخارجية بل وداخلياته الاقتصادية، مثلما تشهد ادارة الرئيس بوش الابن في مرحلة اميركا الراهنة، وليس لنا نحن العرب من الولايات المتحدة الا ما يعنينا كأمة نالت من ضروب العدوان والكراهية والتمييز الاميركي، ما يمكن وصفه على الطريقة الاميركية نفسها، بأن الماء فاض فوق السد. وتتمادى الادارة الاميركية في اعلان عدوانها صراحة، حين تقرر بأن المطلوب من العراق، هو على وجه القطع، تبديل نظامه السياسي، وهي فاتحة تستهدف انقلاباً شاملاً في الخريطة العربية دون استثناء. ان هذا الاستهلال، يعني اول ما يعني، بأن المعضلة الاميركية المزمنة مع العراق، لم تكن اذن معضلة مفتشين، وتالياً ليست معضلة اسلحة تدمير شامل، طالما ان المطلوب المتعين بصراحة البيانات الاميركية، هو اسقاط النظام في بغداد وليس غيره، وهذا ما يشرح سياسة حصار اجرامية، تعبر الان عقداً وسنين من الزمان، وهو حصار لا مثيل لقسوته في التاريخ، حيث يمكن تسميته بحصار الانتقام التوراتي دون مبالغة او اسراف، كما يكشف التصريح الاميركي الاخير، سر عاصفة الصحراء من الأساس، فتحرير الكويت جرياً على مبدأ الذرائع، لم يكن هو الهدف ايضاً، بل تدمير العراق وانهاء نظامه على الطريقة الاميركية وليس غيرها، اذ عبر هذه الحرب الطويلة التي شنتها اميركا ضد العراق، كان ثمة متوالية هندسية من الحجج الاستعراضية التي تقدمها واشنطن الى العالم، وهي كلها تظهر مدى استخفاف الولايات المتحدة بأخلاقها «هي» وبمبادئها وقيمها وزاوية نظرها الى عالم جديد تراه، فعندما فرغت اميركا من مهمة تحرير الكويت شرعت بتدمير العراق حتى جبال زاغروس، النائية عن الكويت، قدمت مجمل اسبابها لحرب اضافية جعلت اسمها «ثعلب الصحراء» وذلك بعد ان أقامت على هواها، بعيداً وكانت النسخة الثالثة من التقرير تصل الى الامم المتحدة، بعد اجراء تعديلات عليها!.. ولم يكن سكوت ريتر هو الاخير في صدوعه للحق بالاعتراف بحقائق مهمات لجان التفتيش، بل ان واحداً من أهم رؤساء تلك اللجان، وهو السيد آكيوس، كان قد صدع للحقيقة هو الآخر، فقد افاض هذا الرجل بما عنده من حقائق ظلّت خفّية على الناس، حين قال بأن الولايات المتحدة تتخذ من تقارير اللجان، متكئا لمواقف سياسية معادية للعراق، وقد يكون الرجل، قد صرح بما هو اكثر من هذا، لكن الاعلام الاميركي المسيطر على العالم، محا ما قاله آكيوس بيومين، ليحّل محله ما يقوله بتلر. وهو الذي طرده العراق مع لجنته التجسسية من اراضيه. كانت مشكلة اسلحة الدمار الشامل، كما تضخمها اميركا، هي سبب التدمير والحصار واقتطاع مناطق الحظر، حتى ان بوش الاب، كان قد اقترح توزيع «كمّامات» ضد الغاز العراقي في نيويورك وواشنطن ولوس انجلوس، وراح يتأسّى في مشهد متهافت، عما جرى لمساكين حلبجة، على طريقة المسرح الشكسبيري المألوف، عند اقوام الانجلو ـ ساكسون، ولما انتهت مهزلة الخوف الاميركي من صواريخ الغاز العراقية، تفتتت الذهنية التآمرية عن حل بديل، وجدتها في الجمرة الخبيثة «تسع حالات لثلاثمئة مليون اميركي!..»، ولم يكن نشر الهلع من الجمرة الخبيثة، يتصل في قلة المصول المضادة في مستودعات الادوية الاميركية التي تساوي نصف مستودعات الكرة الارضية، كما دأب الاعلام الاميركي على نشره، بكل ما في هذا التعميم من انعدام اخلاق. بل ان اثارة الفزع بين المواطنين الاميركيين الذين يصدقون كل ما تقوله اجهزة اعلامهم المرئية والمسموعة والمكتوبة كان يرمي في حقيقة امره الى الربط بين ما جرى في سبتمبر على يد ابن لادن والقاعدة، كما جرى الاتهام بعد اقل من ساعة من وقوع الحدث، وبين الاسلحة الجرثومية التي يمكن ان يكون العراق وراءها، فالمخابرات الاميركية. اضافة الى النشاط الاستخباري الاسرائيلي، ظلا يبحثان عن حلقة وصل، تربط بين القاعدة والعراق سواء عن طريق الجمرة الخبيثة التي يمكن ان تكون اميركية الصنع كما اعترف العديد من الاميركيين انفسهم، او عن طريق وشاة مأجورين يدّعون نسباً للقاعدة والعراق بآن واحد. ولان الربط ظل يفتقر الى ادنى دليل، فضلا عن الفارق الايديولوجي بين ما هو حزب البعث في العراق، وبين ما هي القاعدة، فان ذريعة العدوان على العراق، كانت قد تلاشت وطوي ملفها. ويتساءل المرء الان، بعد ان وضعت واشنطن ملفات ذرائعها المتهافتة ضد العراق على الرف، واعلنت بصريح العبارة بأنها ذاهبة الى العراق للاطاحة بالنظام العراقي، يتساءل: لماذا الاطاحة نفسها؟ اهي من اجل نصرة الديمقراطية، وكم هو عدد الدول التي يجب على أميركا ان تحاربها من اجل الديمقراطية في هذا العالم؟!.. وكيلا نذهب الى تعداد ما لا يحصى، نعيد صيغة السؤال: كم هو عدد القارات التي ينبغي على أميركا محاربتها في سبيل الديمقراطية؟! وهل يمكن للديمقراطية ان تشيع عن طريق الحروب الخارجية؟! واذا كان الامر كذلك بالنسبة للعراق، من هم الديمقراطيون العراقيون الذين سينقلون على خشبة السفينة الاميركية الى ارض الرافدين؟! هل درست الادارة الاميركية حقا، حقيقة الديمقراطية في أوساط المعارضة العراقية، التي لا تستطيع ان تقول «لا» لتدمير العراق، ولا تستطيع ان تقول «نعم» للرأي الاخر، هل قرأت الادارة الاميركية أسباب التنابذ في اوساط المعارضة العراقية والام تعود؟ هل تعود مثلا الى منطق انها الاول ولا احد قبلي او بعدي، وما الذي سيحصل للديمقراطية لو وسد الامر لمثل هذا المنطق؟! هل تعود الى واقع التشتت المذهبي بين ما هو سني وآخر غيره؟ ام تعود الى وسط وجنوب وشمال وتالياً ما هو الدور الكردي على انقساماته في لوحة الديمقراطية الجديدة في العراق؟ اننا لا نخال ان اميركا تنشد مطلباً ديمقراطياً للعراق، فالادارة الاميركية تعرف اكثر من غيرها. استحالة «تصنيع للديمقراطية» من خارج تطور مجتمعاتها، وان الامر لا يعدو ازاحة نظام وطني ـ على استبداديته ـ بنظام عميل لا يحمل من الديمقراطية غير اسمها، وهو سبب اول من أسباب العدوان على العراق، فالنظام العراقي الذي شنت ضده اعتى الحروب الحديثة نال مع شعب العراق وارض العراق، ما يزيد على مئة الف طن من القنابل والصواريخ باعتراف البنتاغون. والعراق الذي اراد الخروج من نفق عالم ثالثي مظلم، بنقل البلاد الى الكفاءة والصناعة والتسلح والتنمية، كما اشار وزير الدفاع الفرنسي المستقيل عشية الانتقال الى تدمير البنية التحتية للعراق في عاصفة الصحراء، والعراق الذي لم ينس اسرائيل من صواريخه في حرب الخليج الثانية، والعراق الذي لم يدخل في صلح التهافت مع اسرائيل حتى يومنا هذا.. هو ما يراد الاطاحة به، لا ديمقراطيته او عدمها، فالولايات المتحدة طوال خروجها من وراء المحيطين الاطلسي والهادي، اي منذ نهايات الحرب العالمية الاولى، ظلت على علاقة توادد مع كل الانظمة الفاشية في هذا العالم، هذا ان لم تكن هي وراء انبثاقها، من اميركا اللاتينية حيث جمهوريات الموز والكوكائين وتجارة السلاح، الى افريقيا فآسيا، حيث يسجل التاريخ ضلوع الاستخبارات الاميركية في معظم الانقلابات العسكرية، من ايران الى باب المندب وعلى رأسه القرن الافريقي.. فطوال سنوات منتصف القرن العشرين الاخير، كانت اميركا تسمي جنرالاتها من حكام اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية، بالرواد في سبيل الحرية، وقد ساد مفهوم الطبقة الجديدة «لهؤلاء الجنرالات» بديلاً عن الطبقة البرجوازية ودورها في صنع تاريخ اوروبا. وتزايدا في الاسترسال التاريخي، فقد تحالفت الادارات الاميركية المتعاقبة، مع ديكتاتوريات كانت تنتسب لا الى عصرها، بل الى القرون الوسطى، وكانت هذه الديكتاتوريات النوعية، تتربع على كامل ثروة الامم بل وعلى موقعها دوافعها دون حسيب او رقيب، وقد اظهر تاريخ الملفات السرية التي افرج عنها مؤخراً، بان اميركا ابنة المدرسة البريطانية، كانت وراء انظمة ترتكب اشد المجازر فظاعة بحق شعوبها، هذا اذا تناسينا نموذجها المخجل في فيتنام. ان اخر ما يحق لاميركا التظاهرية، هو مظاهرتها الاخيرة من اجل نصرة الحرية، فكم باعت اميركا شعوباً بحالها من اجل تحقيق مصالح استراتيجية لها، وكم هو عدد المرات التي استخدمت حق الفيتو لحماية اسرائيل من مجرد الادانة اللفظية، وكم غطّت الادارة الاميركية فظائع اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني الاعزل، وكم ساندت انظمة ضد شعوبها لمجرد ان هذه الانظمة واقفة على حراسة مصالحها، واذ يتبين من الشريط التاريخي الحافل بالمواقف الاميركية، بأن الولايات المتحدة لا يمكن ان تكون الا مع مصالحها، حتى لو جاءت هذه المصالح على جثث الشعوب، فانه لا يمكن تصور التحالف المصيري بين واشنطن وتل ابيب، وكأنه في سياق هذه المصالح، فمصالح اميركا مع العرب اغنى بما لا يقاس من مصالحها مع اسرائيل، وموقع اميركا في بلاد العرب منذ ان وطأت قدما التابلاين ارض النفط العربي، مازال مصوناً لا يعكر صفوه احد، والمنطقة العربية كانت تتطلع الى اميركا بوجود الاستعمارين البغيضين بريطانيا وفرنسا.. ولم يكن المتقرب من المعسكر الشيوعي الا نتيجة لفظاظات السياسات الاميركية في التزود بالسلاح، او بناء السد العالي في مصر.. فأميركا في تاريخها المنقول عن التوراة والتلمود، هي التي ابتدرت العرب بالعدوان، لصالح صهيونية متطفلة، والشاهد ان آرثر بلفور صاحب الوعد الشهير، هو نفسه من تهكم على موقف ولسون الرئيس الاميركي صاحب المباديء الشهيرة، حين قال: «يصعب عليّ ان اصدق، كيف يستطيع الرئيس الاميركي ولسون، ان يوفق بين مبدئه في حرية تقرير المصير. وبين تأييده للحركة الصهيونية في ان يحل شعب اليهود، محل السكان الاصليين في فلسطين!..». ان هذا المتهكم الانجليزي، الذي منح اليهود وعدا، هو نفسه، من كان يعرف الفارق بين ما تطلقه اميركا من شعارات الحرية والحقوق والمصير.. وبين ما هو عليه عالم اميركي براغماتي لا يهمه غير مصلحته حتى ولو على جثث الشعوب.. والمشكلة ان مفارقة بلفور الجامع بين الضدين، كانت قد اطلقت منذ ما يزيد على خمسة وثمانين عاماً، ومع ذلك لايزال هناك اشخاص في النظام الرسمي، مازالوا يسرجون اعلى ما في صهواتهم، للسباق الى واشنطن، وليس الى جنين او بغداد. كاتب عربي من فلسطين