منذ فترة ليست بالبعيدة تتردد في الأوساط السياسية الإسرائيلية إمكانية الدعوة للانتخابات مبكرة في ضوء الأزمة الاقتصادية الاجتماعية المتصاعدة، وقد تزايدت تلك التكهنات التي كان في جانب منها أمنيات لدى بعض أوساط المعارضة الإسرائيلية، وهي أيضاً وبدون أدنى شك رغبة وأمنية فلسطينية وعربية وقد تكون كذلك لدى بعض الأوساط الدولية. هذه الأمنيات تزايدت أثناء المناقشات الأولية لمشروع الميزانية للعام المقبل والتي شرع بها نهاية الشهر الماضي وجرى التصويت عليها في الحكومة بفارق صوتين 14 مع مقابل ضد 12، وحملت تقليصات كبيرة قدرت في أوساط وزارة المالية بنحو 7.8 مليارات شيكل وهو بالمناسبة التقليص الرابع الذي تلجأ له حكومة شارون خلال فترة عمرها القصيرة نسبياً. ومما لاشك فيه فإن الانتفاضة الفلسطينية المتواصلة منذ نحو 22 شهراً قد ألحقت خسائر كبيرة بالاقتصاد الإسرائيلي قدرت بنحو 50 مليار شيكل أي ما يعادل 11 مليار دولار، وهذه الأضرار أحدثت خللاً في النمو الاقتصادي، فقد تحول النمو إلى اتجاهات سلبية، والى حالة من الركود العام ترافقت مع تأجج أزمات في مجالات اقتصادية مختلفة. ولم تقتصر أسباب التراجع في الاقتصاد الإسرائيلي على الانتفاضة فحسب، بل إن أحداث 11 من سبتمبر الماضي والركود الذي أصاب الاقتصاد العالمي، والأزمة العالمية التي ضربت أسواق التكنولوجيا المتقدمة التي أثرت على هذه الصناعة المهمة في إسرائيل والتي يقدر حجم التصدير السنوي منه 13 مليار دولار، كل هذه العوامل لعبت أدواراً مكملة ولو جزئياً في الأزمة الاقتصادية الإسرائيلية المتفاقمة. وتعود أسباب التقليصات في الميزانية الجديدة إلى تقديرات لدى وزارة المالية، بأن النمو الاقتصادي المتوقع في العام 2003 سيقف عند مستوى 1% فقط مع استمرار التراجع في المستوى المعيشي، وذلك في الوقت الذي تشير التقديرات لتزايد عدد السكان بنسبة تصل إلى حدود 4.2% مما يفاقم العجز في الميزانية العامة. هذه الأزمة المتصاعدة دفعت وزير المالية الأسبق يعقوب نئمان وهو من قيادات الليكود إلى اعتبار أن الوضع الاقتصادي الحالي هو الأسوأ منذ الخمسينيات. ولا يمكن اعتبار تقديرات الوزير السابق من نوع الاكتشافات فلقد كانت أوساط إسرائيلية عديدة تدرك حجم المأزق منذ التقليص الأول، والثاني والذي عرض الحكومة عند التقليص الثالث لهزة قوية باقدام شارون حينها على اتخاذ خطوة غير مسبوقة بإقالة وزراء حزب شاس على خلفية رفضهم التصويت في الكنيست على تلك التقليصات، لكن شارون والقوى المؤتلفة معه في الحكومة وخصوصاً حزب العمل وشاس كانت تجد باستمرار الانتفاضة وتصاعد المقاومة الفلسطينية داخل المناطق الفلسطينية المحتلة، والعمليات التي تضرب المدنيين داخل المدن الإسرائيلية ذريعة وسبباً لاستمرار التحالف وتجاوز الأزمة الاقتصادية، والتوحد في مواجهة الأخطار الخارجية. الأسباب الموضوعية الآنفة الذكر لتدهور الأوضاع الاقتصادية في إسرائيل وسياسة حكومة يمينية متطرفة بقيادة شارون لا تجد مخرجاً للخروج من أزمتها السياسية سوى باللجوء لسياسة التصعيد العسكري، وعلى الصعيد الداخلي تحميل الفئات الاكثر فقراً والطبقة الوسطى عبء الأزمة الاقتصادية وهو ما يمس في حقيقة الأمر بالقاعدة الاجتماعية لحزبي العمل وشاس. هذا الوضع يدفعهم للتفكير ملياً مع اقتراب موعد الانتخابات الدورية، المفاضلة ما بين استمرارهم في الحكومة الحالية وخسارة أجزاء كبيرة من قواعدهم الاجتماعية أو الانسحاب من الحكومة والتوجه نحو انتخابات مبكرة تحفظ لهم ما تبقى من وزن ودور سياسي في المجتمع الإسرائيلي. ويبدو ان شارون بمبادرته للدعوة لحل الكنيست والعودة لانتخابات مبكرة أدرك مسبقاً حجم المأزق لدى «حلفائه» فاتخذ خطوة يمكن وصفها بالاستباقية أو، والتحذيرية في آن واحد، فقال «إذا لم يؤيد الكنيست مشروع الميزانية، فلن يكون هناك وقت للمباحثات والملاحظات،وسأقدم موعد الانتخابات لكن قد تجري الانتخابات في موعدها المحدد». تصريح شارون في واقع الأمر ترك الباب موارباً أمام احتمال ايجاد تسوية ما حول الميزانية بقوله قد تعقد الانتخابات في موعدها، إلا أنه حمل من الناحية الأخرى تهديداً وابتزازاً سياسياً واضحاً ومفتوحاً بقوله لا وقت للمباحثات والملاحقات. هذه النتيجة التي توصل إليها شارون كما تشير بعض الأوساط الإسرائيلية ناجمة عن فشل اللقاء الذي عقده مع الزعيم السياسي لحزب شاس ايلي يشاي، والمحكوم هو أيضاً بهاجس منافسه درعي الخارج من السجن حديثاً، وكذلك موقف بن اليعازر الذي أعلن بأن كل أعضاء الكنيست من حزب العمل سيصوتون ضد مشروع الميزانية، وهو بهذه الطريقة أي بن اليعازر قد يجد حبل النجاة في مواجهة الضغوطات الداخلية عليه للانسحاب من الحكومة من جهة، ومن جهة أخرى ليرد الصفعة لشارون الذي احبط مساعيه بمشروعه الأمني غزة بيت لحم والذي حاول فيه الظهور بمظهر من يبني ويحافظ على سياسة سلمية لحزب العمل، رغم شراكته مع شارون في حكومة ائتلافية واحدة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل سيذهب شارون فعلاً لصناديق الاقتراع؟ فكما هو واضح من القراءة للوضع الداخلي الإسرائيلي وللخارطة السياسية والحزبية فيه، فإن شارون لديه من أوراق القوة ما يجعله يفكر جدياً بالذهاب لانتخابات مبكرة، فنتائج استطلاعات الرأي العام رغم الأزمة الاقتصادية مازالت تعطيه تقدماً كبيراً على منافسيه، وحملة التنسيب لحزب الليكود أفضت إلى ضم حوالي ربع مليون عضو وجعلته أكبر حزب في إسرائيل في الوقت الذي يتراجع ويتآكل فيه نفوذ حزب العمل. لذلك فإن مبادرته بالدعوة لانتخابات مبكرة إذا فشلت مساعيه بالضغط على حلفائه وحملهم للمصادقة على مشروع الميزانية المقدم والذي يعتبر أن لا مجال للمساومة عليه ويجب أن يمر منذ القراءة الأولى، فإنه بتلك المبادرة، يريد الاستفادة من قوة الدفع التي مازالت توفرها له حملته العسكرية المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني من جهة، وقطع الطريق من جهة أخرى على حزب العمل وشاس لتعزيز مواقعهما في أوساط الرأي العام الإسرائيلي على خلفية المعركة على الميزانية، كما انه يريد الاستفادة من حالة الإرباك الداخلية لدى حزب العمل والصراع المتنامي والمتصاعد على زعامته، وكذلك داخل حركة شاس، هذا علاوة على انه بهذه الخطوة السريعة قد يقطع الطريق على نتانياهو في منافسته على قيادة الحزب. لغاية اللحظة الراهنة تدلل المؤشرات أن شارون ذاهب لا محالة إلى انتخابات مبكرة إلا إذا حدث تطور ما من قبيل عملية عسكرية كبيرة تضرب العمق الإسرائيلي وتوقع عدداً كبيراً من المدنيين، مما قد يفرض اولويات جديدة لديه ولدى حلفائه، في التعامل مع المتغيرات الجديدة وتغليب الأمني على الاجتماعي، واتخاذ خطوة عسكرية سياسية نوعية تجاه السلطة الوطنية الفلسطينية، طبعاً في ظل شراكة أميركية مكشوفة و مناخ دولي مساعد، ولكن إذا ما تم تفويت هذه الفرصة على شارون وهو ما ينبغي أن نحرص عليه فلسطينيا وندفع بالحوار الفلسطيني الداخلي الجاري الآن إلى مدياته الأخيرة لضمان وقف العمليات التي تستهدف المدنيين وحصر المقاومة في المناطق المحتلة عام 1967، فإن ترتيبات داخلية إسرائيلية ستطال معظم الأحزاب وفي مقدمتها حزب العمل بالدعوة إلى تقديم الانتخابات الداخلية لاعطاء الفرصة للزعامات الجديدة للاستعداد للحملة الانتخابية وهو ما سيكون في مصلحة الزعامات الحالية بدءاً من شارون ومروراً ببن إليعازر وانتهاءً بتومي لبيد ويوسي ساريد، وقد تقطع الانتخابات المبكرة الطريق أيضاً على فكرة تشكيل الحزب الديمقراطي الذي يسعى له كل من بيلين وساريد وبعض من تبقى من معسكر السلام الإسرائيلي إلى اقامته.