يبدو أن حكومة الدكتور محمد مصطفى ميرو وهي أول حكومة تتشكل في عهد الرئيس بشار الأسد تواجه امتحاناً مصيرياً خلال الشهرين المقبلين، قد يتوقف استمرارها على مدى نجاحها فيه. ويتعلق هذا الامتحان بمدى قدرتها على تحقيق إنجازٍ ملموسٍ في ميدان إعادة الهيكلة الإدارية «التحديثية» لمؤسسات الدولة، بعد أن ثبت أن البنية البيروقراطية القانونية القائمة تشكل حائلاً حقيقياً أمام أي عملية إصلاح اقتصادي، وهو مايفسر أن رزمة القوانين الكثيفة التي صدرت في العامين الماضيين إبان مايصفه البعض بـ «ثورة المراسيم» قد ظلت أقرب ما يكون إلى نوعٍ من حبرٍ على ورق، ولم يشعر أي مواطن بأثرٍ حقيقيٍ لها، يحدّ دون رحلة الإرهاق والابتزاز البيروقراطية المهينة له. لايعود ذلك إلى أن هذه المراسيم تعد الأسس لمشروعٍ إصلاحيٍ طويل الأمد لن تظهر نتائجه بسرعة بقدر مايعود بدرجةٍ أساسيةٍ إلى ممانعة الطبقة البيروقراطية المسيطرة بألف وسيلة ووسيلة، وذريعةٍ وذريعة عن التكيف معها. فمايمكن أن يتم حله فعلياً قانونياً في أقل من يوم لاتحله تلك البيروقراطية إلا في شهرين، ولقد أرغمت على مدى عامٍ وأكثر على أن أعيش في رحلة ماراثونية في دهاليز القصر العدلي والمحافظة والمالية والمصارف ومديرية المصالح العقارية ومديرية الأوقاف دفعةً واحدة، وكلها دوائر لم تتأثر بـ «فيروس» المعلوماتية، مع أنني أعرف مدراء تلك المؤسسات جميعها معرفةً جيدة ولم أستطع تحمل ذلك إلا حين اعتبرته تجربةً حقليةً لي في معايشة البنية البيروقراطية، والاحتكاك المباشر بها، عن قرب على طريقة الأنثروبولوجي الكلاسيكي الذي يضطر للإقامة الحقلية في المجموعات التي يقال إنها تنتمي إلى ماقبل التاريخ. لقد جبّت الثورة المعلوماتية البنية البيروقراطية القانونية السورية الراهنة وجعلتها بالفعل في مرحلة الثورة المعلوماتية بنيةً تنتمي إلى ماقبل التاريخ، وتصلح لما يمكن أن نسميه مؤقتاً بأنثروبولوجيا الإدارة في العهود الغابرة. لايعقل أن تتولى مثل هذه البيروقراطية المهترئة والفاسدة قيادة عملية الإصلاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات «لقد نشرت الصحف السورية نفسها خبر هرب أحد رجال الأعمال بمشاريعه بعد أن استغرق التوقيع الروتيني لوزير الاقتصاد السوري السابق الدكتور محمد العمادي الذي يتغنى البعض بليبراليته وحرصه على الليرة السورية كحرصه على ابنته، حوالي أسبوع». فلاريب ان البيروقراطية السورية تنتمي إلى نمط «إذا غاب بلال بطل الأذان». وكي نضع النقاط على الحروف فإن هذه البيروقراطية تبدو نسخةً سوريةً من أنماط طبقة «النومنكلاتورا» في نظم التخطيط المركزي الشامل السوفييتية السابقة، بشكلٍ لانرتكب أي خطأٍ حين نصفها ب«نومنكلاتورا سورية». تشبه حركة هذه النومنكلاتورا حركة حاملة غليظة الأثقال، لاتستطيع أن تستدير إلا بقوسٍ مرهق كبير يتناسب مع نمط التخطيط المركزي الشامل لشتى جوانب الحياة الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ السياسية، في حين أن المشروع الإصلاحي يتطلب بيروقراطية عصرية ديناميكية ومعلوماتية تتمتع بحركة الزورق ومرونته، في اعتماد أنامل وآليات السوق، وتخفف الناقلة الموروثة من أثقال السيطرة الاجتماعية والسياسية على المجتمع. ومن هنا تمثل إشكالية إعادة الهيكلة الإدارية إشكاليةً سياسيةٍ بامتياز «على كل حال يضع علم الإدارة الإصلاح السياسي في إطار الإصلاح الإداري» إذ أن على حكومة ميرو بموجب هذه الأجندة أن تحرر مؤسسات الدولة من السيطرة الوصائية المتعددة الأطراف عليها. إن تلك الطبقة تتعيش من الدولة ولاتعيش لها. ولهذا تفرض نفسها وصيةً على مؤسسات الدولة. ولقد عاشت عقوداً عدة بوصفها طبقة فوق القانون «كانت أعراف الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش تقوم على إيقاف التحقيق حين يتصل بمستوى وزير أو عضو قيادة قطرية، ولذلك تركز الحرامية في هذه الشريحة المعفاة من القانون». ومن هنا لايتورع بعض رموزها عن الانتحار إذا ما أخضع إلى القانون، كما جرى مع رئيس الحكومة السورية السابق محمود الزعبي، والتي نقل عن الرئيس الراحل حافظ الأسد استغرابه عدم ثورة الشعب عليها، وأنه لو قامت تظاهرة ضد حكومته لقادها بنفسه، مما أرغم تلك الطبقة مؤقتاً على القفز إلى الأمام والحماس للقول بتلك الحكومة ـ التي لعبت بالفعل دور تنسيق التوازن مابين مصالح النومنكلاتورا السورية ـ أكثر مما قاله مالك بالخمر. ولقد انتحر منسق تلك الطبقة. غير أن هذه الطبقة التي لمّس كثير منها على رأسه في فترةٍ محددة حين اتبع الدكتور بشار الأسد سياسة تكسير بعض الرؤوس الكبيرة، سرعان مااستردت «عافيتها»، في محاولة طرح شراكة مابين «الديناصورات» البيروقراطية التي تمثلها وبين «الحيتان» الجشعة التي رعت مصالحها، بشكلٍ تجعل من عملية الإصلاح تغطية «غسيل أموالٍ» لها. ولقد استنفرت تلك الطبقة كل أنيابها باسم الحفاظ على «توازن» النظام، للإيقاع مابين الرئيس الذي تصدر الرؤية الإصلاحية الشجاعة والمسئولة للبلد ومابين المثقفين. لم تكن «انتفاضة» بعض رؤوس تلك الطبقة ضد المثقفين، والتي تذرعت بأطروحات بعض الرؤوس الحامية التي تربت أساساً في أحزابها الجبهوية، من أصحاب نظرية السقوط الوشيك المزعوم لـ «قصر الشتاء»، في حقيقتها إلا «انتفاضةً» على «طرف الإصلاح والتجديد والتطوير في الطرف الذي تنتمي إليه، أي داخل النظام» على حد توصيف مدقق للدكتور فايز الفواز أحد أبرز منظري التحول من راديكاليات الانقلاب الإقصائية إلى سياسيات التسوية والتراضي الديمقراطية. فليس مفهوماً وفق ذلك التوصيف المدقق، نضالية تلك «الانتفاضة» ضد «منتديات تعد على أصابع اليد الواحدة» ومقالات تنشر «في صحفٍ تصدر في بيروت التي تقع على مرمى حجرٍ من دمشق ولدمشق فيها نفوذ وأي نفوذ» سوى نقل مدلول مجاز «الكلام لك ياكنة واسمعي ياجارة». وآية ذلك أن جماعة «قصر الشتاء» الذين تذرعت بهم تلك «الانتفاضة» قد غدوا «الفهماء» و«الوطنيين» بمايتعلق بـ «إرهابية» الإخوان، وإدارة المعارك «القذرة» ضد بعض المعارضين في الخارج، وتم تكريمهم باستثنائهم من حفلة اعتقال العشرة. ولا أدل على صحة مثل هذا التوصيف من أن قادة «الانتفاضة» لم يعطلوا الرأي الاخر وحسب، بل عطّلوا دفعة التجديد البعثية التي تبناها الحزب بدفعٍ من الرئيس، في شكل «دليل عمل» يقوم «على إطلاق الحريات الفردية والعامة». إن الإصلاح الإداري الذي تواجهه حكومة ميرو هو إصلاح سياسي في الصميم بهذا الشكل أو ذاك، وخلال دعوةٍ رئيس الحكومة السورية الدكتور محمد مصطفى ميرو لي للحوار حول مانشرته في زاويتي في «بيان الأربعاء» عن «محنة العمل الجمعياتي الأهلي السوري» أحد ضحايا سياسة نصف قرنٍ ونيّف وهو أمر غير مألوف من مقام رئاسات الحكومات السورية السابقة أعاد الدكتور ميرو بطء العمل الجمعياتي إلى المبادرة وليس إلى ممانعة الحكومة التي أكد أنها تشجع العمل الجمعياتي، لكني كنت صريحاً معه في أن المشكلة ليست في الناس وربما ليست بالحكومة بل في البيروقراطية الوصائية، وإلا كيف نفسر صعوبة ترخيص جمعية خيرية صرفة تحمل اسم «صندوق العافية» على مدى عامين تقريباً، عانت ماعانت من عقلية النومنكلاتورا السورية، ولم يتم ترخيصها على مايبدو إلا بعد تدخل الرئيس. ولقد كان رأيه واضحاً في عقم الرقابة التقليدية المعتمدة، وأن أي دولة محكوم عليها بالتهميش إن لم تدخل عصر المعلومات وشفافيته، وكان المثال حاضراً في العقلية الرقابية لوزارة الإعلام السورية التي لن تستطيع حتى «فاطمة البصّارة» أن تفهمها، فكيف نسمح سياسياً بتظاهرات شعبية غير رسمية من أجل فلسطين، ونمنع الغلاظات التي حاولها البعض معها لأسباب أمنية بالطبع وليس لأسباب قومية، ثم نمنع عدد المجلة الذي يتحدث عنها من التداول؟ وهل سيكون مصير العدد الجديد من المجلة عن الرقابة في سوريا إذن مصير العدد السابق؟ لقد تفضل رئيس الحكومة وأوعز للوزير بتداول العدد عن الرقابة من دون أن يقرأه، وهكذا تم تداول العدد. لكنه ظل حبيس أدراج مؤسسة التوزيع لمدة أيام، وهو مايثير مشكلة أنوف بعض أطراف النومنكلاتورا وأصابعها. فما كل صندوق عافية ومثل عدد عن الرقابة في سوريا هو من عمل رئيس الجمهورية الذي يريد دون أي شك لبلده أن يكون في أعلى مستويات البلدان الحديثة المتحضرة، لاسيما في هذا الظرف الحساس الحافل بالمخاطر، أومما يجب أن ينشغل به الرئيس. غير أن البنية «النومنكلاتورية» أوصلتنا إلى ذلك. الأجندة التي تتحدى حكومة الدكتور ميرو الآن بعد أن ألزمها الرئيس الأسد بتركيز جهدها على الإصلاح الإداري الهيكلي هي في حقيقتها أجندة سياسية تحت اسم أجندة إعادة هيكلة إدارية، ولهذا يجب أن تعيد لمشروع الإصلاح الاقتصادي الفقرة الذهبية المتعلقة باستقلال القضاء، حتى وإن عرقلت الجهات الوصائية ذلك، وكي تكون سائر الإصلاحات القانونية ومنها مثلاً إصلاح قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة الذي أوعز رئيس الحكومة خلال اللقاء معه للوزيرة بإسراع رفع مشروع تعديله الذي لايزال قائماً منذ حوالي عامين تقريباً، ومنه مشروع قانون الأحزاب إذ قلّما ننتبه إلى أن كل أحزاب الجبهة بما فيها الحزب القائد معترف به من «أبو القانون» الممثل بالدستور وليس من القانون نفسه، وبالتالي جميعها غير مرخصة بهذا المعنى أو تلك، ولايوجد إضبارة قانونية لها وفق قانون معتمد في وزارة الداخلية يجب أن نتوصل إلى آلية طبيعية قانونية يتم فيها ترخيص مثل صندوق العافية وتداول جريدة أو مجلة بواسطة دينامياتٍ ذاتيةٍ وليس توجيه أوامر. وهي مهمة شاقة في ظل النومنكلاتورا التي يصل تحديها إلى درجة أن جمال عبد الناصر العظيم الهاجع في أرواحنا مثل نمطٍ جمعيٍ قد شكى من أنها لم تسمح له بإصلاح أحوال مستشفى قصر العيني في حين لم تعيقه في تأميم قناة السويس وبناء السد العالي. حكمة عبد الناصر أن تأميم القناة قرار في حين أن إصلاح المستشفى العيني مشاركة ورقابة ودفاعات مجتمع مدنيٍ مستقلٍ نسبياً عن الدولة غير أنه أكبر ضامن لقوتها المجتمعية. هنا الدرس الذي مهدت له رؤية الرئيس وقطعه تحالف أصحاب الرؤوس الحامية من الطرفين. وهو درس التوافق الذي يمثل محور توجه الحركة الديمقراطية السورية، التي لاتريد سوى عزة ورفعة وقوة أمّنا أم الجميع سوريا.