تداعيات كثيرة على الساحة الدولية تتجه باتجاه تصدع التحالف وبدء انقشاع الغيوم عن الوجه الحقيقي للحملة ضد الارهاب التي تقودها اميركا، هذه التداعيات كشفت حقيقة العلاقة بين الدول الاوروبية وبين حليفتها الاميركية مثلما كشفت الاهداف الحقيقية وراء الحملة ضد العراق. وبالطبع يدرك الجميع بل ويعلن بلا حرج ان اهداف هذه الحملة «غزو العراق» دون الحرج من استخدام كلمة «غزو» التي قادت اميركا بسببها حرب الخليج الثانية عام 1991 عندما دخل العراق الكويت. ومع تقدم الوقت باتجاه نوفمبر نجد ان الاتجاهات الغربية التي تجمعت في رأس حربة واحدة باتجاه حرب الارهاب بدأت تأخذ اشكالا متعاكسة باتجاهات متعاكسة واظهرت الايام حقيقة كون العالم خاضعاً للسيطرة الاميركية. سيناريوهات كثيرة رشحت من الادارة الاميركية ومن البنتاغون، ومن الصحف الاميركية والتي رددت صداها الصحف الاوروبية ومنها اللندنية، لكن هذه السيناريوهات رغم تنوعها لم تحدد بشكل واضح التوقيت، والطريقة الفعلية، بل انها عرضت لخلافات الرأي بشأنها. ولاول مرة نجد ان هدف الادارة الاميركية بشكل واضح مخالف لكل قوانين الكونغرس وللقوانين الدولية لانه يريد التدخل في شأن داخلي ويقود انقلاباً عسكرياً ضد حكومة دولة مستقلة، وهو أمر احجم عنه بوش الاب عام 1991 لانه يخالف قوانين الكونغرس، لقد سبق ان سألنا مسئولين اميركيين عن سبب احجام الجيش الاميركي وقتها الزحف الى بغداد او حتى التخلص من صدام حسين الذي كان ينام على مقربة من الجيش الاميركي فجاء الجواب ان الرئيس بوش لم يوافق لان ذلك يخالف قوانين الكونغرس فكيف تغيرت الامور اليوم، رغم عدم تغير القوانين التي تحكم اميركا كثيرا، حتى مع نشوب حرب الارهاب؟ بشكل عام كان التغيير يتهيأ منذ عهد كلينتون، وفق تسريبات لوثائق بدأت الصحف الاميركية ترويجها وكشفها، والتي تخضع اليوم الكثير من النواب الاميركيين لطائلة المساءلة. فقد قرأنا ان خطة حرب الارهاب معدة منذ عهد كلينتون، ولذلك كان دور الرئيس الجديد الذي اعتلى صهوة البيت الابيض ان يشكل قيادة حرب وليس افضل من الجمهوريين لهذه المهمة. ومنذ البداية لاحظنا ان بوش حدد اولوياته فكانت محاربة الارهاب، اسقاط صدام حسين، نشر القوات الاميركية والدرع الدفاعي الصاروخي. لقد اكد هنري كيسنجر في مقالة نشرتها صحيفة «الشرق الاوسط» هذه الحقيقة عبر حديثه عن ضرورات حرب مثل الحرب ضد العراق وضرورة ان تدخل تحت عنوان الحرب ضد الارهاب. وكدليل على ذلك نجد ان الصحف الاميركية والوكالات تناقلت مقالة كان ليبرمان قد كتبها ونشرت في اغسطس عام 1999 بمعنى قبل اشهر من موعد الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها جورج وولكر بوش. يقول ليبرمان: «علينا ان ننتخب من يوصلنا الى عام 2004 فالاقتصاد والسوق يفرقان وسيصعب انتشالهما حتى مع قدوم اخصائي اقتصادي، ينبغي ان تكون هناك حرب قبل عام 2004، ستكون هناك ضرائب، وستكون هناك تداعيات، وليس افضل من الحرب ضد الارهاب، وستكون قضية الحرب ضد صدام حسين ضرورة اقتصادية». اذن وبكل تأكيد فان ما ذهبت اليه التحليلات من ان ضرب العراق هو تحصيل حاصل وليس نتيجة ظرفية، ورغم كل ما طرح من سيناريوهات وتذبذب في التصريحات بين داع لفورية الحرب وبين مؤجل الى أجل مسمى فان هذا السيناريو موضوع قبل ان يقف بوش على بناء الانتخابات ويطلق برنامجه السياسي. قضية محسومة عوامل كثيرة خارجية وداخلية لعبت أدوارا في تنامي احتمالات قيادة الحرب ضد العراق، رغم ان كثيرين يرون انها ليست محل اتفاق داخل الادارة الاميركية ذاتها. لقد سادت التوقعات منذ حين بان الحرب الاميركية ضد الارهاب ستدخل مرحلة ثانية خاصة بعد ما أعلن بوش محور الشر وحدده بـ «ايران، العراق، كوريا الشمالية»، وكان الامر يستلزم تحديد العوامل والضرورات للخطوة الثانية. وفي الواقع فان مسار سياسة واشنطن وجهته عدة عوامل ليس اولها الانهيارات الاقتصادية والفضائح المالية او حتى ليس انهيار ابراج مانهاتن والهجوم على البنتاغون وهو الامر الذي اطلق الالة العسكرية الاميركية من عقالها لتخرج على قوانين عدم التدخل في الشئون الخارجية ولا حرب خارج اميركا بعد فيتنام. كانت اولى هذه العوامل انسداد الطرق بين الفلسطينيين والاسرائيليين وتداعي اوسلو، بل واندثارها تحت خراب الالة العسكرية الاسرائيلية، هذه الآلة التي بدأت زئيرها منذ صعود شارون الذي تلا صعود بوش يعتبر وجيزة، رغم ان طلائع هذه الحملة العسكرية سبقت صعود الجزار الاسرائيلي منذ زيارته المشئومة للاقصى. هذه الازمة التي انخلقت للفلسطينيين دفعت الى توحيد الصف العربي باتجاه اتخاذ موقف واحد، وبذلت المساعي لتصفية جيوب الخلافات بين الدول العربية وكان العراق ازمة طاحنة استطاعت الدبلوماسية العراقية والعربية من ترويضها بما اثر لتغير السياسات العربية، فتحسن الوضع العراقي اقليميا وعربيا، وشهد انحسارا للكثير من ازماته السياسية وما بقي منها بقي متعلقا بالتعنت الاميركي تجاه الحصار والمفتشين. وبالطبع فان هذه هي الحجة التي كانت كل الادارات الاميركية تعمل على استخدامها في مجلس الامن والمنظمة الدولية كلما اقترب الشأن العراقي من حل يرفع الحصار، ومع تحسن علاقاته بالعرب والجوار والتي بلغت ذروتها في قمة بيروت مع المصالحة مع السعودية والكويت بدا ان الوجود الاميركي مهدد، وان الارهاب الاسرائيلي انكشف عنه الستر وان الاقتصاد الاميركي يعاني من انهيار وان القادة الاميركيين يعانون فضحا للزيف، كان لابد معه من ابراز وهم الضحية للارهاب وقيادة حرب من نوع ما. وعلى الصعيد الدولي وجدنا نوعا من التحول النسبي ايضا في المواقف تجاه العراق خاصة من قبل الاطراف التي عرفت بتأييدها التقليدي لبغداد في نزاعها المستمر مع الولايات المتحدة وتأتي روسيا وفرنسا والصين على رأس هذه الدول، التي انضمت اليها المانيا مؤخراً. ولهذا نجد ان استهداف العراق لم يكن وليد تفجيرات سبتمبر، فتهديدات المسئولين في واشنطن بضرب بغداد لم تبدأ خلال الاشهر الماضية فقط وانما منذ زمن أبعد من ذلك، ونلاحظ انه في نهاية شهر يوليو عام 2001 اعلنت مستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس ان خيار توجيه ضربة عسكرية ضد العراق مازال مفتوحاً مؤكدة انها اقوى من الضربات السابقة رغم انها لم تحدد وقتا لذلك. ورغم ان اتجاهات الرأي العام في اميركا تسير باتجاه توجيه ضربة للعراق الا اننا نجد ان هذه الخطوة محكومة بأمور كثيرة بل مقيدة بها منها ما يتعلق بالسيناريو المقترح ومنها ما يتعلق بالمعارضة العراقية نفسها ومنها ما يتعلق بالداخل الاميركي نفسه، اضافة للرفض الدولي الذي يتنامى والذي يصدع العلاقة مع اميركا ويجعلها تعيش عزلة داخلية وخارجية في آن واحد. ومع كل ذلك نجد ان تغيير الخريطة السياسية العراقية ومن ثم الاقليمية هي احد السيناريوهات المستقبلية المحتملة للمنطقة العربية في الاستراتيجية الاميركية، ولكن ينبغي قراءتها وفق التوازنات الحالية القائمة في المنطقة والمصالح الاميركية في تلك التوازنات. وما نعرفه اليوم ان الادارة الاميركية منقسمة على نفسها ومجلس شيوخها منقسم هو الاخر والحليف الاوفى بريطانيا تواجهه عاصفة حكومية وسياسية في الوقت نفسه وسببها الشأن العراقي وقد دفع هذا الامر بعض المحللين والسياسيين البريطانيين الى القول بأن الحرب ضد العراق تدق اسفينا بين بريطانيا وشريكاتها الاوروبيات وبين حكومة بريطانيا واعضائها وشعبها. سيناريوهات وشروط معروف ان هناك تسريبات كثيرة تحدثت عن خطط منها ارسال قوة قوامها 250 الف جندي اميركي ترافق ضربات جوية ومنها من تحدث عن 30 ـ 80 الف قوة ومنها من قال باحتلال بريطاني لبغداد يستمر لمدة 5 سنوات ومنها من تحدث عن مشاركة اسرائيلية كويتية في الحرب ضد العراق ومنها ايضا من تحدث عن خطة تقسيم او تفتيت العراق الى مقاطعات او مدن صغيرة لعزل القادة العراقيين وتسهيل انهيار العراق. والهيكل الاساسي لاي خطة محتملة هو قيام اميركا بشن غارات جوية مكثفة تدمر البنية التحتية العراقية التي بنيت في السنوات العشر الماضية وضرب الجسور وقطع سبل الامداد ولا بأس في سقوط الكثير من الضحايا فاولبرايت وزيرة الخارجية الاميركية السابقة رأت في وفاة 6آلاف طفل عراقي شهريا ثمنا جيدا ولا يعد كارثة. سيلي بعد ذلك تدخل لقوات برية تجتاح المدن العراقية وتعزل الجنوب لتشكل قيادة شعبية فيه وتسلم قيادة آبار النفط لقوة اميركية هي التي ستشرف على استثمار الابار البترولية وستعطي الميزانية اللازمة للدول الشعبية الجنوبية. ومثل ذلك سيكون فصل الشمال العراقي في حكم ذاتي يشبه الحكم الذاتي الفلسطيني المقترح مع وضع اليد ايضا على الابار البترولية تحت دعوى حمايتها ومنح الشمال مساعدات دولية بشكل قروض للاعمار، وهكذا سيكون الوسط معزولا حيث ستتمركز فيه قوة بريطانية تحتله احتلالاً «وقائياً» لمدة خمس سنوات. ما يعارض او يمنع هذه الخطة من الحدوث امور كثيرة منها انعدام وجود معارضة حقيقية كافية للقيادة ولاسباب منها: اولاً: ان جماعات المعارضة العراقية تنتمي الى جذور وخلفيات مختلفة اسلامية وقومية وماركسية ووطنية وهي مختلفة فيما بينها وخلافاتها اكبر من الخلافات مع النظام الغربي كما ان واشنطن لم تجد شخصية كاريزمية يمكن ان تقبض على زمام دولة فيدرالية عراقية بيد من حديد. ثانياً: ان المعارضة العراقية ضعيفة ولا تستطيع ان تقوم بدور يشبه ما قامت به المعارضة الافغانية التي مثلها تحالف الشمال، الذي كان يسيطر على الشمال وله قواته المسلحة التي حسمت جولات عسكرية كثيرة. ثالثاً: ان الداخل العراقي الذي مازال يعاني من عقوبات 1990 ينظر للمعارضة في الخارج على انهم خونة باعوا أوطانهم لصالح واشنطن وبخاصة احمد اللبي زعيم المؤتمر الوطني وهو متهم بالاختلاس على الاقل في الاردن الذي يطالبه بـ 120 مليون دولار اختلسها من بنك البتراء. رابعاً: صعوبة تسويق شكل مقبول لائتلاف معارض يشكل بديلا لنظام عراقي بسبب ما يتردد حول خلافات مذهبية واحتمالات قيام دولة كردية ومخاطر تفتيت العراق بطريقة لا تريدها واشنطن الى دويلات تتصارع للسيطرة على مناطق المذاهب والنفط وبالطبع فان هذه الصراعات ستمتد للدول المجاورة مثل تركيا وايران اللتان تغذيان فعلا هذه الصراعات ومنذ عقود طويلة من الزمن بل منذ تاريخ مندحر. وبالطبع فان صعوبات اخرى منها تراجع التحالف الغربي وكلفة الحرب العالمية التي تزيد على ما خصصه الكونغرس لحرب الارهاب بـ «عشرين مليار» فقد بلغت التقديرات الاولية حدود 80 مليار دولار اميركي لا يعرف احد من سيدفعها. ونجاح اي مخطط اميركي مشروط بعوامل عدة لعل كوردسمان رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية بواشنطن كالن ابرز من شخصه فقد حدد خمس حالات يمكن ان تنطلق منها الادارة الاميركية في تنفيذ مخطط «الحرب الوقائية» ضد العراق هي: اولاً: ان تظهر الادارة الاميركية دليلا دافعا على تورط العراق في هجوم 11 سبتمبر. ثانياً: ان تظهر الادارة الاميركية دليلا دافعا على قيام العراق بتطوير برنامج اسلحة للدمار الشامل. ثالثاً: ان تنقل الولايات المتحدة اقوالها الى افعال بصدد قضية فلسطين. رابعاً: ان يكون لديها خطة مقنعة وموثوقة وسريعة للنظام البديل في العراق على الا يكون من رموز المعارضة في الخارج. خامساً: ان تكون الولايات المتحدة جاهزة لما سينجم عن ذلك من خسائر بشرية ومادية. وبالطبع فان الحديث عن توقيت رأى البعض انه قد يكون قبل نوفمبر مرجحين اكتوبر ليسبق انتخابات الكونغرس او قد يكون في ذكرى حرب الارهاب، هو حديث يجعل التكهنات تتوجه الى انعدام الفرصة الاميركية بحرب مفاجئة سريعة وقريبة، لكن الامور ليست بالقياس الذي نقيسها به، فالمصالح والاستراتيجية الاميركية تحتاج هذه الحرب السريعة لاخفاء فضائح تورط الساسة الاميركيين في انهيارات وول ستريت والفضائح المالية، وللتغطية على جرائم اسرائيل، ولحمل العالم على الرضوخ للهيمنة الاميركية، ذلك امر يدبر بليل، ولن تقف كل المعارضة الدولية او الداخلية بوجهه، قد ترجئه شهرا او اثنين ولكنه أمر يجب ان يحدث قبل عام 2004 فالمرحلة المقبلة في استراتيجيات اميركا توجب انهاء حكم العراق الحالي قبل ذلك التوقيت وحسم قضية القدس عبر نفق بغداد وليس العكس.