تصاعدت لهجة التهديد بشن حرب ضد العراق مع دفع اميركي باتجاه تقديم مبررات مقنعة ومحاولات مستميتة للحصول على تأييد دولي لهذه الضربة، وبين شد اوروبي وجذب اميركي تعلن العرب كقشة موشكة على الانكسار لا تجرؤ ان تدافع عن نفسها مثلما لاتجرؤ على مواجهة القوة الاميركية. سيناريوهات كثيرة طرحت وتطرح، توضح تارة استخدام ربع مليون جندي اميركي وتعرض اخرى حربا خاطفة عمادها الضربات الجوية وتطرح افكارا حول اعادة الاحتلال البريطاني الذي لم تنكره بريطانيا بل بالعكس اعلنته وبشكل وقح. وفي اطار ما يحدث في الشرق الاوسط من تصعيد للقضية الفلسطينية ومحاولات طرح حلول مندية للجبين، وجدنا العرب اكثر العالم تأييدا لها، لغلق باب الاستنزاف الذي يستهلكه العمل الفدائي، وفي اطار دفع العرب عنهم تهمة الارهاب التي اشرعتها اميركا سبفا على الرقاب، تراوحت المواقف العربية من الضربة المحتملة على العراق بين رافض من موقع قناعة، وبين رافض من موقف عدم الوقوع في فخ الاتهام باللا عروبة. والعراق قضية اشتعلت بعد انتهاء الحرب العراقية ـ الايرانية وخروج العراق منتصرا منها وحائزا على اكبر جيش وقوة عربية في المنطقة هزمت خامس الجيوش العالمية بعد ان قضت جمهوريتها على الملكية العميلة وأحمت البترول. وذلك ما دق ناقوس الخطر على امن اسرائيل وأمن المصالح الاميركية في المنطقة العربية فكان ما كان من السقوط في الفخ الاميركي واندلاع حرب الخليج الثانية التي جعلت العراق اسيرا للجان التفتيش والتي عدها المحللون والخبراء والسياسيون الحبل الذي شنق الدمية العراقية «المتطاولة» والذي لا ينبغي ان يفلتها. ومانراه اليوم من شد وجذب في هذا الشأن يجعلنا نتأمل طويلا وضعنا العربي في دوامة قوة اميركية شرسة عطشة للدماء العربية والاسلامية، ولست اتردد في القول انها عنصرية وفق ما تردد على لسان الساسة الاميركيين انفسهم والذين لم يستحوا من الاعلان عن اسبابهم الحقيقية: الاطاحة بالنظام وتأمين منابع النفط. لقد كتب كثيرا عن قضية غزو منابع النفط العربية وكيف ان قصة الكويت والعراق امنت الغزوة الخامسة الاميركية، لكن الذي لم يكتب من قبل هذا الانهيار في المباديء العربية التي جعلت المنطقة آمنة على مدى سنين طويلة، وشكلت جبهة متحدة ضد أي غزو اجنبي او اعادة استعمار. ومع كل الرفض العربي الذي نشهده اليوم للهجوم ضد العراق، نجد ان الفعل العربي بات حبيس الشعارات ولم يتعداها الى اخر، لا توجد لدينا قوة طواريء عربية، وليس من جيش عربي مستعد للتصدي لاي تدخل اجنبي بل ليس هناك من يريد الدخول في تحد مع المصالح الغربية لان المصالح العربية باتت هي الاخرى اسيرة المصالح الغربية. ودليل ذلك حجم التنازلات الهائل الذي قدمه العرب في شأن فلسطين وربما كانت تلك الصفقة التي رشحت مؤخراً من الاجتماع الرباعي في واشنطن: دولة فلسطينية في ثلاث سنوات مقابل الصمت تجاه قضية العراق. ومهما يكن امر الصفقات الخافية والمعلنة فما هو واقع فعلا ان مخطط ضرب العراق قديم وليس جديداً، وان التهيؤ له يجري منذ زمن بعيد، يرجعه البعض الى عهد كلينتون ويقول البعض انه محاولة لتصليح كبوة بوش الاب عندما رفض استمرار الزحف الاميركي باتجاه بغداد عام 1991. ما هو حقيقي ان اميركا تحتاج هذه الضربة التي يحلو لها تسميتها بـ «الضربة الوقائية» لاسباب تتعلق بها داخليا، وبشكل اكثر وضوحا كما قال كيسنجر لضرورة اقتصادية ملحة، ولذا نجد ان مصانع سلاحها شحذت ترساناتها، وتهيأت مجنزراتها وآلاتها العسكرية لصنع مجد خارجي يغطي الفضائح الداخلية. وعبثا كل المعارضة الغربية او العربية، بل عبث ايضا كل ما سيصدر عن مجلس الامن اوالمنظمة الدولية التي قد تنصاع فعلا للضغط الاميركي وتجيز الضربة. فما هو حقيقي ان سيناريو او خطة اعادة اقلمة المنطقة هو امر محسوم ومحتم وفق الاستراتيجية الاميركية سواء انفرد بوش بالقرار ام حصل على تفويض دولي هو شهوة المستعمر للعودة الى مستعمراته ورأب صدع كبريائه الذي شرخه استقلال الدول النفطية.. ل. ع