تعتبر القضية الفلسطينية اقدم واكبر تحد واجهته الامم المتحدة منذ انشائها وحتى اليوم، وقد كانت هذه القضية ولاتزال بمثابة الامتحان الاكبر للامم المتحدة، وخصوصا هيئتها القيادية الاعلى المتمثلة بمجلس الامن والدول دائمة العضوية وصاحبة الفيتو فيه ومنطلقها القانوني متمثلا بميثاقها وقراراتها ووجوب التزامها وفرض تنفيذها على الدول الاعضاء فيها. ورثت الامم المتحدة القضية الفلسطينية من عصبة الامم التي انشأتها الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الاولى، وورثت بذلك الخطأ والانحياز والمؤامرة التي حيكت في عصبة الامم عندما اقرت بوعد بلفور واوكلت الى الانتداب البريطاني تنفيذ المهمة حسب المشيئة البريطانية، ولم تتمكن الامم المتحدة رغم مرور اكثر من نصف قرن على انشائها من ان تصحح هذا الخطأ او ان تتوقف عن هذا الانحياز او تنهي هذه المؤامرة او حتى ان ترد للشعب الفلسطيني بعض حقوقه وتمكنه من ممارستها على ارضه. والمؤسف ان الامم المتحدة وفي ظل المستجدات الدولية الحاصلة منذ عام 1990 وحتى الآن، مرشحة لارتكاب مزيد من الاخطاء وللمضي قدما في الانحياز، بل ومرشحة لتكون مقرا لصوغ المزيد من التآمر على شعب فلسطين والمنطقة واضفاء صفة الشرعية الدولية على هذا التآمر الذي تنبعث روائحه الكريهة من واشنطن بالدرجة الاولى ضد شعب فلسطين وشعب العراق وغيرهما. تم انشاء هيئة الامم المتحدة فور انتهاء الحرب العالمية الثانية وقد صاغ ميثاقها وحدد اهدافها ورسم بنيانها الداخلي الدول الاربع المنتصرة في تلك الحرب: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي السابق، وهي الدول التي احتفظت لنفسها ومعها تايوان آنذاك (ثم الصين لاحقا) بحق العضوية الدائمة في مجلس الامن الدولي وحق ممارسة الفيتو (او الاعتراض) على اي قرار في المجلس لا يعجب اي من هذه الدول، وبذلك نصبت هذه الدول من نفسها قيادة عليا للامم المتحدة ومن خلالها للمجتمع الدولي كله، بما فيه من قضايا ومشاكل وخلافات وبما يتجه اليه من مصائر واحوال، وذلك بما يحفظ لها ولحلفائها من الدول الاخرى مصالحهم واهدافهم الاستراتيجية العليا، حتى وان ادى ذلك الى خرق ميثاق الامم المتحدة والى تعطيل عمل مجلس الامن والى الاساءة لما يصدره المجلس والجمعية العامة من قرارات قد تلائم الدول الاعضاء في الامم المتحدة ولا تلائم الدول دائمة العضوية في مجلس الامن. العجز المتعمد انشئت الامم المتحدة من اجل احلال السلام الدولي واقرت حق الشعوب في تقرير مصيرها وحقها في الكفاح للتخلص من الاستعمار وبناء دولها المستقلة لكنها منذ بدأت النظر في القضية الفلسطينية عام 1947 تناست ذلك كله وذهبت الى اسوأ مما ذهبت اليه عصبة الامم في اوائل العشرينيات عندما اقرت جمعيتها العامة سنة 1947 قرار تقسيم فلسطين، مانحة المستوطنين الصهاينة فيها الحق باقامة دولة لهم على نصف مساحة فلسطين مقابل تحديد حق الفلسطينيين باقامة دولة لهم على النصف الآخر. ومع بدء العمليات الحربية في فلسطين عام 1948 وبدء ظهور امكانية الحاق هزيمة عربية بهؤلاء المستوطنين اصدرت الامم المتحدة متمثلة بمجلس الامن هذه المرة قرارات تضمنت تهديدا وانذارا للقوات العربية وفرضت عليها قبول هدنة (الهدنة الاولى) من اجل تمكين قوات المستوطنين من لملمة صفوفها وتسليح نفسها لمجابهة القوات العربية وهزيمتها وعندها لم تحرك الامم المتحدة ومجلس الامن ساكنا، صمتت وقبلت عضوية اسرائيل فيها، دون ان تلزمها بالانسحاب مما احتلته من اراض مخصصة للدولة الفلسطينية، ودون ان تبذل ادنى جهد من اجل تمكين الشعب الفلسطيني من اعلان قيام دولته التي نص عليها قرار التقسيم وانضمامها بالتالي الى عضوية الامم المتحدة على قدم المساواة مع دولة اسرائيل. ومع تحول الشعب الفلسطيني الى اشتات من اللاجئين لم يجتمع مجلس الامن الدولي لاقرار حق هؤلاء بالعودة الى وطنهم واقامة دولتهم واكتفى بان اوحى للجمعية العامة باعتماد القرار 191 الذي نص على حقهم في العودة دون ان يلزم اسرائيل بذلك ومازال هذا القرار شاهدا على عجز الامم المتحدة وانحيازها، والشاهد الثاني الكبير على العجز والانحياز المستمر يتمثل بقرار مجلس الامن الدولي 242 الصادر في الثاني والعشرين من نوفمبر عام 1967، والداعي الى انسحاب القوات الاسرائيلية من الاراضي التي احتلتها في عدوانها عام 1967 (سيناء والضفة والقطاع والجولان). فرغم العدوان الاسرائيلي الواسع يوم الخامس من يونيو 1967 ورغم احتلالها لاراض تعادل مساحتها ثلاثة اضعاف مساحة اسرائيل ورغم الادانة الدولية الواسعة لهذا العدوان ورغم كل ما نص عليه ميثاق الامم المتحدة، لم يصدر القرار فور وقوع العدوان او حتى في الشهر الذي وقع فيه، بل بعد العدوان بنحو ستة اشهر، ورغم كل هذا التأخير المتعمد في اصداره لم يتضمن القرار نصا على وجوب انسحاب اسرائيل الفوري وغير المشروط ضمن مهلة محددة، الامر الذي اتاح لاسرائيل الاستمرار في احتلال الضفة والقطاع والجولان حتى اليوم. مزيد من الانحياز ثمة شواهد اخرى كثيرة صدرت قبل عام 1967 وبعده، وهي بقدر ما تنص على ادانة اسرائيل وتشجب ممارساتها وسياساتها في الاراضي المحتلة، تدين سلبية الأمم المتحدة وعجزها عن فرض ذاتها وقراراتها على دولة معتدية تمارس الاحتلال بأبشع صوره منذ أكثر من نصف قرن وحتى اليوم، والسبب الأول والأخير في عجز وانحياز وسلبية المنظمة الدولية تجاه القضية الفلسطينية منذ نشأت هذه القضية وحتى الآن، هو ان الولايات المتحدة الاميركية التي دعمت ولا تزال تدعم العدوان والاحتلال الاسرائيلي بكل ما تملك من وسائل القوة المادية والعسكرية وبكل أشكال الدعم السياسي والدبلوماسي، وتعمل على كبح ولجم الأمم المتحدة واظهارها بمظهر العاجز والمنحاز، وبالتالي تعطيل دورها واجبارها على الانكفاء وقبول الاهانات المتتالية التي توجهها اسرائيل اليها. بفضل الدعم الاميركي غير المحدود رفضت اسرائيل تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وذهبت الى أبعد من ذلك عندما اتهمت الأمم المتحدة بالانحياز الى جانب الفلسطينيين من خلال القرارات التي صدرت عن الجمعية العامة، وبلغ الأمر مداه عندما رفضت أي دور للأمم المتحدة في الجهود التي بذلت لايجاد تسوية سلمية بين الدول العربية واسرائيل منذ ثلاثين عاماً. ولعل أكبر الادلة على ذلك رفضها انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 تحت رعاية الأمم المتحدة، ورفضها لاحقاً رعاية الأمم المتحدة لتوقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 ولتوقيع معاهدة السلام مع الاردن عام 1994، وفي المقابل أصرت اسرائيل (ونجحت في اصرارها) على ان تكون راعيتها الولايات المتحدة هي راعية كل ذلك. تم ذلك كله في زمن شهدنا فيه الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق الذي مارس في الأمم المتحدة دوراً كبيراً مناصراً للقضية الفلسطينية وللدول العربية في مواجهة العدوان والاحتلال الاسرائيلي، وما ان تفكك الاتحاد وانهارت قوته ومكانته الدولية حتى بدأت الأمم المتحدة بالخضوع أكثر فأكثر للولايات المتحدة، وبدأت بالتالي بممارسة انحياز أكبر ضد الفلسطينيين والدول العربية بما يستجيب للمصالح الاميركية والاسرائيلية في المنطقة. ولعل اكبر الأمثلة والبراهين على ذلك ما اتخذته الأمم المتحدة بضغط من الولايات المتحدة من قرارات ضد العراق وضعته تحت حصار دائم منذ عشر سنوات وهددته ولاتزال بعدوان أميركي واسرائيلي مدمر للعراق وللمنطقة، وما اتخذته من مواقف سلبية من المجازر الوحشية التي ترتكبها قوات الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة لقمع انتفاضة ومقاومة الشعب الفلسطيني، حيث رفضت الأمم المتحدة ولاتزال ترفض تأمين حماية دولية للشعب الفلسطيني ورفضت ولاتزال دعوة اسرائيل الى انهاء احتلالها والى الانسحاب الكامل من الضفة والقطاع. وبلغ بها الأمر مؤخراً حد الامتناع عن ادانة المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الاسرائيلي في مخيم جنين وفي مدينة نابلس القديمة، ومن المرجح ان يزداد موقف الأمم المتحدة سوءا في السنوات القليلة المقبلة مع استمرار قبولها بالخضوع للقرار الأميركي ومع استمرار قبولها بالتحول الى أداة في يد الولايات المتحدة واسرائيل. وهو ما يفرض على الدول العربية ان تعيد النظر بواقع ومستقبل الامم المتحدة وعلاقتها معها وان تنتقل الى مرحلة أفضل في تعامل هذه الدول فيما بينها للدفاع عن مصالحها وقضاياها الراهنة والمستقبلية، قبل ان يأتي زمن نلجأ فيه للدفاع عن وجودها. ـ كاتب سوري