الملف السياسي: يبدو ان المنظمة الدولية التي أُسست في اعقاب الحرب العالمية الثانية باتت تخدم مصالح الدول الكبرى وتحقق أطماعها لتكون الستار الذي تحرك هذه الدول من ورائه الاحداث، ولا أوضح مما قامت به المنظمة الدولية في معالجتها للقضايا التي تخدم تلك الاهداف في موقفها من الصراع العربي ـ «الاسرائيلي». وكان ميثاق الأمم المتحدة عند التأسيس قد أخذ في الاعتبار المتغيرات الدولية المتوقعة، واهتم كذلك بالمناطق التي كانت لا تزال تعاني من الاستعمار أو تحت الوصاية أو الحماية، فنظم أمر رعايتها وأصدر القوانين التي تكفل حسن سير الأمور فيها، وفي قراءة سريعة لمواده وبنوده، مع مراعاة التعديلات التي ألحقت به في السنوات التي تلت اقراره، يظهر مدى حرص المنظمة في حينها، وبالتحديد الدول التي شاركت في صياغة هذا الميثاق على اقناع شعوب العالم الحر بأنها تسعى نحو خلق مجتمع دولي جديد ومتكامل، قائم على تحقيق العدالة والمساواة لكافة شعوب العالم. ولابد من الاشارة إلى ان ميثاق المنظمة وكغيرها من المنظمات، قد احتوى على العديد من الثغرات التي سهلت لبعض الدول تجاوزه، وان تصبح فوق القانون، فالأمم المتحدة قد جاهدت قبل نصف قرن لتضع ميثاقاً يضمن عمل هذه الهيئة العامة على الصعيد الدولي، إلا انها عجزت عن اجبار كافة اعضائها بتطبيق بنود هذا الميثاق كاملة، أو حتى الزام البعض بالتقيد ببنوده وتطبيقها. فالمادة السادسة في الفصل الثاني تشير إلى انه إذا أمعن عضو من أعضاء الأمم المتحدة في انتهاك مبادئ الميثاق جاز للجمعية العامة ان تفصله من الهيئة بناء على توصية من مجلس الأمن، ولكن هذا البند ظل غير معمول به، فـ «اسرائيل» ارتكبت مخالفات وانتهكت مبادئ هذا الميثاق، لكنها لم تعاقب بالفصل أو أي عقوبة، لأنها ظلت فوق القانون الدولي، والواضح ان التناقض والتراخي في تطبيق بنود هذا الميثاق يؤديان إلى زعزعة الثقة في الهيئة الدولية، كما يخلقان نوعاً من عدم الثقة في قراراتها، بالاضافة إلى ذلك فهو ييسر أمر استغلال الفجوات في هذا الميثاق لتسيير مصالح هذه الدولة على حساب أخرى، لا سيما وان (اسرائيل) مدعمة من قبل دولة عظمى أساسية في الأمم المتحدة. والقضية الفلسطينية تتداول ملفاتها داخل أروقة الأمم المتحدة منذ أكثر من أربعين عاماً، وسط اعتداءات الكيان الصهيوني اليومية على الأراضي الفلسطينية وتهدر دماء الفلسطينيين وتنتهك ممتلكاتهم دون ان تقدم الأمم المتحدة أو تؤخر في أمرها شيئاً سوى قرارات هزيلة أبرزها القرار 242 الذي صدر في أعقاب هزيمة 1967 والذي يتم تفسيره لصالح اليهود والكيان الصهيوني من قبل الولايات المتحدة. علاقة متجذرة والعلاقة بين (اسرائيل) والولايات المتحدة ليست من نفس طبيعة علاقة التحالفات العادية بين الدول، وتربطها وحدة جذور ووحدة أهداف، وهذه الايديولوجية المشتركة تركز ذلك التحالف الذي بلغ حداً يجعل من اسرائيل الولاية (51) من ولايات الاتحاد الفيدرالي الأميركي، لذا فإن سيطرة القوة اليهودية في الولايات المتحدة على مقاليد السياسة وتوجيه الرأي العام حول الساسة الأميركيين في الادارة التنفيذية وفي المجالس التشريعية إلى تنفيذ ما يتطلب لتحقيق المطامع الاسرائيلية المتصاعدة واغفال المصالح الاميركية لأن القوى اليهودية هي التي تثبت هؤلاء الساسة في مراكزهم أو تخلعهم منها، ويبدو من ذلك ان القوة الأميركية العظمى باتت عاجزة امام «اسرائيل» على الرغم من انها معتادة على فرض مواقفها حتى لو اضطرت لاستخدام القوة، وهذا العجز هو عجز ارادي تماماً، الأمر الذي يظهر واشنطن ضعيفة أمام «اسرائيل» في أسوأ الحالات. والواضح ان العالم كله من أدناه إلى أقصاه منشغل بالحالة «الاسرائيلية» التي لا نظير لها داخل المجتمع الدولي.. حالة دولة عضو في الأمم المتحدة لكنها لا تعترف بوجود المنظمة ولا في شرعيتها الدولية، وتهين مبعوثي الدول اليها، وتمنع عليهم التجوال في المناطق المحتلة، وتهينهم جهارا أمام الاعلام العالمي، وفي هذا الطريق، مر العديد من مسئولي المنظمات الدولية والأمم المتحدة، وكذلك مندوب الاتحاد الأوروبي ومبعوثة الدولة البلجيكية الأوروبية التي لم تتحمل الاهانة، وردت عليها بتدابير رمزية، لكنها فصيحة البيان، ولم يصرف مجلس الامن منذ نشأته من وقته وجهده مثلما صرفه لمعالجة الحالة الاسرائيلية واستباحتها للمناطق الفلسطينية وارتكابها لمذابح ومجازر تجاه السكان الفلسطينيين في اراضيهم ومخيماتهم، وقد وصف موفد الامم المتحدة تيري رود لارسن (ان ما فعلته اسرائيل في مخيم جنين كارثة انسانية بشعة تفوق كل التصور، ولدينا خبراء اعتادوا مشاهدة الحروب والهزات والزلازل الارضية وهم يؤكدون انهم لم يشاهدوا قط مثلما حصل في مجزرة جنين)، ذلك ان مأساة مخيم جنين قد كشفت امام كل الاعلام والرأي العام العالمي ان الحرب الدائرة هي حرب بين جيش محتل وشعب يريد تحرير ارضه وتأكيد حقه في تقرير مصيره، وعبثا يحاول شارون وحكومته الصاق تهمة الارهاب بالشعب الفلسطيني في حين ان مسألة الارهاب وقياسها قد لازم اهتمام المنظمة الدولية التي قامت منذ عام 1979 بإنشاء لجنة خاصة بالارهاب وتفرعت عنها ثلاث لجان وكلفت احداها بوضع تعريف للارهاب الدولي، وعجزت هذه الاخيرة في مهمتها بعد سنوات بسبب تباين المواقف بين الدول وبخاصة تلك التي تميز بين الارهاب الفردي والارهاب الدولي وبين الارهاب والنضال الشرعي ضد المحتل. استهتار دائم كما وأن اسرائيل تسعى الى رفض اي وجود دولي سواء كان ذلك من قبل الصحافيين او من قبل المنظمات الانسانية او المنظمات الدولية مثل الصليب الاحمر اثناء العمليات الحربية لتخفي ضخامة الخسائر البشرية والمادية التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، وازاء ذلك طالب الكثير من الحكومات لا سيما حكومات دول الاتحاد الاوروبي بتشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق لمعرفة ما حدث بشكل دقيق وطالب المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان بالشيء ذاته، ورفضت حكومة شارون ذلك بشدة الامر الذي يعزز الشكوك حول ما فعلت، في حين اعلنت الولايات المتحدة انها ستستخدم حق النقض (الفيتو) اذا ما قام مجلس الامن بارسال تلك اللجنة سواء كانت تعمل تحت مظلة الامم المتحدة ام خارجها، وعدم السماح لها بإدانة اسرائيل في ارتكابها للعنف والارهاب داخل الاراضي الفلسطينية. وقبل ان تبدأ لجنة تقصي الحقائق الدولية مهامها للوقوف على حقيقة الاوضاع في الاراضي الفلسطينية وضعت اسرائيل العراقيل في طريقها من خلال طرحها لبعض الشروط حول تشكيل عناصرها والاعتراض على مهمتها لغرض صرفها عن اهدافها التي شكلت على اساسها، والسعي الى التأثير على النتائج التي ستخلص اليها، من خلال (تلقيم) اعضاء اللجنة ببعض العناصر المتعاطفة معها، واقحام ما تدعيه بوجود شبكة ارهابية تعمل للانقضاض عليها للتغطية على الجرائم الكبرى التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين، وربما اعتقدت اسرائيل ان جرائمها ستمر مرور الكرام، ويغض العالم الطرف عنها، لكنها فوجئت بتشكيل لجنة تقصي الحقائق الأمر الذي جعلها تتصدى لإحباط مهمتها والتدخل في صلاحياتها وفي التقرير الذي انتهت اليه، وكما ارادته واشنطن ايضا، «على ان ما ارتكبته اسرائيل يتحمل الفلسطينيون جزءا من مسئوليته» وبهذا بررت الأمم المتحدة العمل الصهيوني وببساطة اغتالت المنظمة لدى العرب اي مشروع للأمل في مجرد الادانة لاسرائيل، والاخطر من ذلك كله ان بوش لا يرغب في ادانة اعتداءات شارون وانتهاكاته للقانون الدولي والقانون الدولي الانساني لانه لا يريد ان ينكر عليه القيام بأعمال غير قانونية وغير اخلاقية يعتزم هو بالذات القيام بها ازاء دول في المنطقة بالمستقبل المنظور. ومن المفارقات ان الفلسطينيين والعرب يستبشرون مع كل قرار تتخذه الأمم المتحدة سواء في مجلس الأمن او في الجمعية العامة بخصوص القضية الفلسطينية، وتنطلق الحناجر عبر وسائل الاعلام المختصة صادحة بالانجازات التي حققت على المستوى الدولي، ولكن لابد من الوقوف عند مغزى تلك القرارات واهميتها في مواجهة اسرائيل واستعادة الحقوق الفلسطينية، فالاستبشار لا يطول لان القرارات قد تكون بياناً او نصيحة او بدون آليات تنفيذ، وبهذا فلا المجتمع الدولي يكترث بالتنفيذ ولا اسرائيل تستجيب ولا العرب قادرون على تحقيق ما يمكن، وهكذا يتكرر الموقف منذ عشرات السنين. ففي السابع عشر من ديسمبر 1991 مُني العمل الدبلوماسي العربي في الأمم المتحدة بهزيمة تاريخية ساحقة حينما الغت الجمعية العامة قرارها الشهير رقم 3379 لعام 1975 والذي اعتبر الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية، كذلك في نفس العام اصدر مجلس الامن الدولي اعلانا بأن القرار رقم 242 الذي اصدره في اعقاب هزيمة 1967 والخاص بانسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة ليس ملزما. وتتابعت القرارات بعد ذلك تباعا لتصب جميعها في صالح اسرائيل فقرارات مجلس الامن المرقمة 1397 و1402 و1403 التي صدرت خلال فترة زمنية قصيرة بين 13 مارس و5 أبريل عام 2002، وحملت عناوين بارزة ومؤثرة في مصير القضية الفلسطينية والمتضمنة اقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل وانسحاب القوات الاسرائيلية من المناطق الفلسطينية التي احتلت في حرب شارون ومطالبة الفلسطينيين بوقف الاعمال الاستشهادية التي تصفها الادارة الاميركية واسرائيل بالأعمال الارهابية، والمطالبة باحلال سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط وتنفيذ توصيات ميتشيل وخطة تينيت بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، الا ان واقع الامر وما تتضمنه تلك القرارات لا يمكن وسمها بالانجازات المرحلية لمستقبل يستطيع الشعب الفلسطيني ان يحقق فيه حلمه في دولة آمنة بحدودها وعاصمتها وأركانها الشرعية، وهكذا فقد اجبر مجلس الامن الدولي الغائب وراء ظلام السطوة الاميركية والفيتو الاميركي، وأجبر ايضا الامين العام للأمم المتحدة الممنوع من الكلام او مس اسرائيل بأن يقول عنها بأنها قد تجد نفسها في تعارض مع العالم كله. الاستعلاء العدواني والواقع ان هذه المعادلة هي السائدة منذ نشأة اسرائيل قبل اربعة وخمسين عاما وحتى الآن ووفق هذا الواقع العدواني الاستعلائي الذي يجعل من اسرائيل دولة فوق القانون فإن المصير القانوني للموقف في الاراضي الفلسطينية وما ينتج عنها من مذابح ومداهمات لم يختلف عن المصائر التي سبق للقوات الاسرائيلية ان ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني، وفي كل موقف او مذبحة وفور الانتهاء منها كان يجري السيناريو الدولي ذاته، تقرر هيئة الأمم المتحدة تشكيل لجنة تقصي حقائق وبعد مشاورات طويلة ومتشعبة يتم التشكيل فعلا الا ان اسرائيل ببساطة شديدة ترفض استقبالها وببساطة اشد تتنازل هيئة الامم المتحدة عن لجنتها ويغلق الملف، لا مذبحة ولا لجنة ولا قرار ولا اي شيء الا ما بقي محفورا بالدم والنار والخراب في ذاكرة الشعب الفلسطيني وعلى ارضه ومساحة القبور المتزايدة لابنائه الابطال. وعليه فالموقف يقودنا الى القول ان المشكلة في الصراع العربي الاسرائيلي ليست في العودة الى هيئة الامم المتحدة او اللجوء اليها باعتبارها الملاذ الذي نظنه حاميا وواقيا لمصالح الشعوب ولكن المفروض ان تكون العلاقة بين الهيئات الدولية والدول الاعضاء علاقة توازن ومنفعة متبادلة وهنا يتمثل الاعتراض على هرولة العرب الى الامم المتحدة كلما تلقوا لطمة من (اسرائيل) واعتاد العرب على مثل هذا السلوك بحيث غاب عنهم التعلم من التجربة وتدبير الامور بطريقة يكون للقرارات الدولية. ولهذا فان الدول العربية وحدها بامكانها ان تجعل للقرارات معنى وان يكون لها بعد تطبيقي، ذلك انهم لن يجدوا لانفسهم نصيرا مالم ينصروا انفسهم وبعض العرب لا ينصرون انفسهم وانما ينصرون الغير على الامة، وما عليهم اذن الا الاستمرار في اللطم على حالهم والتذمر من خيانة الضمير العالمي لهم ولقضاياهم وبسبب شبة التعلق بالامم المتحدة لا نجد على وجه الارض حكومات متمسكة بالشرعية الدولية مثل الحكومات العربية ولا في الادبيات السياسية لحكومات العالم تركيزا على المقررات الدولية مثلما هو الحال عند العرب، وكأن تفكير التمني يفعل فعله النفسي بحيث يوهم العربي الرسمي نفسه بأنه مشارك نشط لا يمكن للساحة الدولية ان تتجاوزه، علما ان اصحاب الشرعية الدولية لايترددون في تجاوزها ان تطالبت مصالحهم ذلك، وهكذا لا تتخذ الدول قراراتها بشأن الصراع العربي (الاسرائيلي) بجد واهتمام وانما تنظر الى القرارات على انها مجرد عبارات تأخذ ابعادا دبلوماسية دون ان تكون لها انعكاسات عملية. وامام هذا المشهد أليس المطلوب الآن السعي الى تحرك عربي مشترك لمواجهة الاخطار التي تحدق بالامة العربية، فأميركا تخوض في المنطقة العربية معركة السيطرة الكاملة على العالم بدءا من اثبات قدرتها على قلب وتشويه وتدمير الحقائق في اي مكان وتجاه اي قضية وتحديدا تجاه القضية الفلسطينية الاكثر وضوحا في العالم حاليا وعلى مدى تاريخه. وطيلة العقود الخمسة الماضية يموتون على ايدي الصهاينة بسلاح اميركي اما اليوم فها هم يموتون فضلا عن ذلك السلاح ـ بقرار سياسي اميركي وعجز وانحراف دولي. ـ كاتبة عراقية