الملف السياسي: أكد الخبير الاستراتيجي في العلوم السياسية والقانون الدولي الدكتور وليد عربيد، ان الولايات المتحدة كالامم المتحدة دخلت كل منهما «مرحلة الشيخوخة»، وان المنظمة الدولية باتت تنفذ قرارات البيت الابيض وتل ابيب وتقفز فوق قراراتها والادوار المنوطة بها منذ قيامها عام 1945. وهو يدعو الى انشاء «لوبي عربي» في الامم المتحدة، وقيام جهود عربية مكثفة لانشاء امم متحدة وبديلة عن الراهنة تكون مغايرة، وقوية عادلة وغير منحازة. واكد على انه بات المطلوب من العرب ايضاً الاستفادة من تجارب عدة لتحديد مسار مختلف في اقامة حوارات حول الحضارات بلغات اخرى مختلفة تطال العالم اجمع، «وهنا يمكن تحضير اجيال الشباب العربي الذي يتابع دراساته في الخارج لمثل هذه المهمة المستقبلية». وفيما يلي نص الحوار الذي اجراه «الملف» مع الدكتور عربيد، استاذ الدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية في جامعة باريس وجامعة رين الفرنسية، ورئيس رابطة الجامعيين اللبنانيين خريجي الجامعات الفرنسية. ـ منذ قيام الامم المتحدة والعرب يتحدثون عنها حتى الان كمنظمة عاجزة وعاقر لا تستطيع انجاب السلام. فهل تكفي كلمتا «عاجزة» و«عاقر» ام يجب اعطاء المنظمة الدولية صفة اخرى سلبية ايضاً هي «الانحياز» لفريق ضد اخر، لاسرائيل مثلاً ضد العرب؟ ـ لا شك انه يجب قراءة احداث ومحطات تاريخية بارزة خلال مسيرة الامم المتحدة.فنذكر على سبيل المثال «مؤتمر يالطا» وتقسيم العالم بين معسكرين، كما نذكر الامم المتحدة والاتحاد السوفييتي، اي ان تطور المنظمة الدولية وصل الى نقطة تتجه نحو احادية النظام التي تعني الهيمنة التاريخية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. والسؤال الذي يطرح نفسه: اين موقع المنظمة الدولية من التنسيق للحفاظ على السلام العالمي، وهل اصبحت الامم المتحدة الان اداة في يد الهيمنة ام اداة لايجاد سبل موحدة لمعالجة الازمات المعلقة؟ اعتقد ان اي جواب على مثل هذا السؤال سيؤكد ان الامم المتحدة، وبعد حوالي ستين عاماً على تأسيسها، ومع بدايات السنوات الاولى من القرن الحادي والعشرين، بحاجة الى اعادة توجيه وتركيز نحو معطيات جديدة ناتجة عن بروز قوة واقطاب سياسية واقتصادية اخرى غير الولايات المتحدة الاميركية. لذلك، فإن المطلوب (اولاً) هو تغيير الامم المتحدة لموقعها الجغرافي، وذلك بعودتها من نيويورك الى جنيف او الى دولة سويسرا باعتبار انها دولة محايدة، وكما كانت في الحرب العالمية الثانية، يمكن لسويسرا ان تكون دولة محايدة تؤمن للامم المتحدة الدعائم والابنية والاطر التي تجعلها خارج الهيمنة الاميركية التي باتت مفضوحة امام الجميع، خاصة لجهة اهمال تنفيذ قرارات المنظمة الدولية او جعلها تصدر منحازة لصالحها. كذلك المطلوب «ثانيا» توسيع صلاحيات مجلس الامن والغاء حق النقض «الفيتو» وجعل اتخاذ القرارات فيه بالاغلبية، اذ لم يعد جائزا ان تبقى دول كبرى جديدة في العالم خارج نطاق مجلس الامن مثل الهند، واميركا الجنوبية، لذلك نقول انه لابد من توسعة مجلس الامن وتحديد صلاحياته، بعيدا عن الهيمنة الأميركية. ولا يجوز ان يقتصر دور الامم المتحدة على تقديم المساعدات الانسانية، بل يجب ان يتطور ليلعب دورا اساسيا، وربما وحيدا، في حسم القرارات وارسال جنود للحفاظ على الأمن العالمي او الانساني. ومثل هذه المهمات كانت اساسا سبب قيامها بعد عصبة الامم التي فشلت بعد نهاية الحرب العالمية الاولى في القرن السابق، ان ذلك العجز اتاح هيمنة اكثر للولايات المتحدة على الامم المتحدة بدءا من الناحية الجغرافية حيث مقر المنظمة الدولية في نيويورك. لوبي عربي ـ ما تقديرك للتحفظ الذي يبديه الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان عند استخدامه للعبارات التي تدين اسرائيل على ما ترتكبه من مجازر واعتداءات مثل موقفه من الفظائع الاسرائيلية، في جنين مؤخرا؟ ـ كوفي عنان جاء الى المنظمة الدولية من العالم الثالث فيما هي خاضعة للهيمنة الاميركية، ثم لا يجب ان تنكر ان اللوبي الصهيوني يقف بوضوح وراء اي قرار تتخذه، ويهدف الى تجييره لصالح اسرائيل. وكوفي عنان يريد ان يتم التجديد له في منصبه، لهذا مفروض عليه ان يساير ذلك، انه محكوم بذلك، وهذا ما لم يفعله الدكتور بطرس غالي في الماضي القريب عند الفشل في انتخابه مرة ثانية، لسبب وحيد هو ادانته للمجزرة الاسرائيلية بحق المدنيين في بلدة قانا بجنوب لبنان. يجب ان يقوم داخل المنظمة الدولية «لوبي عربي» او الافضل ان نقول: «لوبي يدعم قضايا العرب»، وفي اعتقادي انه يمكن تحقيق مثل هذا الامر، خاصة وان الولايات المتحدة بدأت في اعتقادي مرحلة الشيخوخة، وهذا هو حال الامم المتحدة ايضا. وبالتالي فان الفرصة سانحة امامنا لتصحيح مسار الامم المتحدة، بتحقيقه التوازن المطلوب حيال مختلف القضايا والدول والشعوب، ليسعى الى اعطاء كل ذي حق حقه، خاصة اذا كان صاحبه في نادي الدول والشعوب الضعيفة في العالم. وبانتظار ذلك فستبقى اسرائيل تستخدم المنظمة الدولية لتجميل صورتها القبيحة في العالم، فتفرض على قراراتها وتقاريرها وتوصياتها اظهارها وكأنها اكثر الدول ديمقراطية، وانها المحافظة المقاتلة (!) من اجل حقوق الانسان، وانها دولة متطورة وحضارية. هكذا تظهر الامم المتحدة اسرائيل، رغم معرفة العالم كله حتى اعضاء هذه المنظمة نفسها، الصورة الحقيقية البشعة للعنصرية الصهيونية، وجرائم اسرائيل الفردية والجماعية بحق العرب عامة، والفلسطينيين منهم خاصة ـ وذلك يعني ان اسرائيل تعمل اكثر منا داخل الامم المتحدة لتجعلها منحازة لصالحها، وعلى هذا الاساس بني موقف كوفي عنان الباهت حيال قضية مجزرة جنين، فقد يكون قد اراد بهذا التمهيد لتجديد انتخابه، رئيسا للمنظمة لفترة اخرى، وهذا ما حصل نقيضه عندما ادان رئيسها السابق الدكتور غالي مجزرة قانا. فاذا اراد الاول ان يخطط لانتزاع تجديد له، فيكفي د. غالي انه انتزع للعرب ادانة دولية لتلك المجزرة. منظمة بديلة ـ باتت الامم المتحدة مثل «الرجل المريض» الذي كان لقب السلطنة «الامبراطورية» العثمانية في اواخر عمرها؟ اية علاجات مطلوبة لشفاء هذا «الرجل» واعادته الى صحته ورشده وعقله في ادارة ازمات العالم باتجاه حلها بالعدل والقسطاس؟ وما دور المجتمع الدولي عامة بذلك، وخاصة منه الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن؟! ـ بعد الحرب العالمية الاولى قامت «عصبة الامم» وكان مركزها في جنيف، بهدف ايجاد حلول تحافظ على الانسانية. ولكن بعد حوالي 12 سنة فشلت حيث نهضت التيارات العنصرية مثل النازية والفاشية والتي أدت الى اندلاع الحرب العالمية الثانية لاحقاً ونشأت عنها افرازات عدة أبرزها قيام «الأمم المتحدة» عام 1945. إذن، بمرور الوقت وظهور ظروف وتطورات جديدة يمكن تغيير المنظمات أو تطويرها على الأقل، وفي كلتا الحالتين المجيء بمنظمة غير منحازة ومتمكنة ومستقلة من حيث اتخاذ القرار والالتزام بأدائه وتنفيذه وما شابه. يجب الاتجاه الى ايجاد أمم متحدة اخرى بشكل آخر ومغاير عن الحالية المعمرة منذ العام 1945 وتكون منظمة جديدة كونية تحكم من دون هيمنة أو سيطرة من اية دولة أو جهة في العالم عليها. فنحن مازلنا تحت حماية احادية النظام المتمثلة بالولايات المتحدة الاميركية بعد غياب الاتحاد السوفييتي وسقوطه وعدم بروز قطب بديل، لذا فنحن محكومون بقوة وحيدة في العالم هي الولايات المتحدة الاميركية، وقد تمتد هذه الفترة الى ثلاثين أو أربعين سنة مثلاً. لكن مهما طال الزمن فإن هذا لا يجب ان يمنع من ايجاد اطار آخر، حتى لو انتقل من الولايات المتحدة الى دول اخرى، لكن الشرط الوحيد اللازم هو ان يأتي في سياق الحفاظ على الممارسات الانسانية ومصلحة الحضارات التي اعتقد انها باتت بحاجة الى حوار جديد. مواجهة الهيمنة ـ الى أي مدى كان العجز الرسمي العربي، ومازال، في كثير من الاماكن والمستويات مصدر افادة لاسرائيل، وبالتالي استغلالها للمنظمة الدولية واضعاف مواقفها المطلوبة حيال القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية؟ ـ قبل أي شيء فإن المطلوب ان يعرف العالم العربي كيف يتعامل مع المنظمات الدولية. وللأسف أقول ان العرب مازالوا لا يعرفون ماذا يريدون، ولا كيف يتعاملون مثلاً مع العولمة التي هي بمثابة «وحش وغول يريد افتراس النظام العربي السائد والتهامه». ولسنا بحاجة الى ان نذهب أكثر طالما اننا نرى اسرائيل بوضوح قد عرفت كيف تتعامل مع العولمة، وتبدأ بتجيير قراراتها وافرازاتها ونتائجها لصالحها خطوة خطوة. لهذا فإن على العرب ان يعرفوا كيف يخوضون حوارات اقليمية ودولية فعالة لصالح القضية الفلسطينية في المقام الأول، خاصة وانها باتت لا تهم شعباً واحداً بل اصبحت قضية كل الشعوب. وما هو مطلوب أبعد من ذلك ايضاً، إذ يجب اقامة الحوارات بلغات اخرى مختلفة لكسب الرأي العام الغربي. ولدى العرب كثيرون من جيل الشباب وابنائه الذين يتابعون في الخارج تحصيلهم العلمي فإن عليهم ان يتعمقوا في تاريخ المجتمعات التي يقيمون فيها وتاريخها وعاداتها وتقاليدها وما شابه لتسهل علينا مع مرور الزمن عملية اقامة حوار مع العالم بأسره. ـ وهل تقوم الأمم المتحدة بأي أداء خارج كونها قد تحولت الى مجرد منفذة للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط والعالم؟ ـ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1990 تراجعت الأمم المتحدة التي كانت توازن الأمور بين الشيوعية من جهة والرأسمالية من جهة أخرى. فعندما نتكلم عن أفغانستان مثلاً يجب ان نتطرق الى ما يحصل في «بحر قزوين» باعتبار ان كل الاشياء مرتبطة ببعضها البعض. فقد أدت احادية النظام العالمي بعد العام 1990 الى تراجع دور الأمم المتحدة بشكل واضح للقاصي والداني. وأصبحت هذه المنظمة تماماً كحلف شمال الاطلسي، أداة عسكرية وسياسية طيعة في اليد الأميركية، وفي مقارنة نسبية لابراز واقع الحال، فقبل ذلك العام يمكن تقدير الهيمنة الأميركية على تلك المنظمة بخمسين في المئة لكن هذه النسبة باتت أكثر من ثمانين في المئة بعد ذلك، أي ان ظهور النظام العالمي الاحادي على حساب تآكل الاتحاد السوفييتي وصل الى «الانهيار التام». ـ لماذا تفرض قرارات الأمم المتحدة على بعض الدول (مثل العراق) فيما تتم مكافأة اسرائيل عندما تتنصل من قرارات مماثلة تتعلق بالقضية الفلسطينية والشرق الأوسط مثلاً؟ ـ السبب واضح وبسيط كما أوضحنا، وهو ان الأمم المتحدة دخلت مرحلة الشيخوخة فباتت أكثر انحيازا وخضوعاً وخنوعاً للادارة الأميركية ونلاحظ ان ما تنفذه المنظمة الدولية ليس قراراتها بل تلك الصادرة عن الولايات المتحدة.