ارتفعت أصوات عربية غاضبة ومخلصة، تلح على ضرورة انسحاب الدول العربية من الأمم المتحدة، بعد أن غدا هذا المحفل الدولي مجرد تابع للادارة الأميركية، أو ـ على وجه الدقة ـ أحد أقسام الخارجية الأميركية، . بينما الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان مجرد موظف مطواع في الخارجية الأميركية. الأمر الذي تجلى، مؤخرا، في تقرير عنان، مطلع هذا الشهر، بخصوص ما اقترفته القوات الاسرائيلية في جنين ومخيمها، خلال الهجمة العسكرية الاسرائيلية على الضفة الغربية، منذ 9 مارس الماضي، المسماة الجدار الواقي، والتي لاتزال ذيولها مستمرة، حتى يومنا هذا. انه التقرير الذي برأ قوات العدوان الاسرائيلي من تهمة تنظيم مذبحة في جنين ومخيمها. بل اخذ التقرير بالرواية الاسرائيلية، بكلمات وزير الخارجية الاسرائيلية، شيمون بيريز. وهي رواية تهدف الى تزييف وعي الرأي العام العالمي، بشأن ما اقترفته قوات الاحتلال الاسرائيلي في مخيم جنين على وجه الخصوص، وهي صورة مجملة للاحتلال «السلامي المتحضر»، الذي يدافع عن نفسه، ومواطنيه المسالمين، ضد مقاتلين وطنيين أشرار، يقيمون فوق أرضهم، وبين أهليهم، وتجرأوا على التصدي للهجمة الاسرائيلية، المدججة حتى الاسنان بآخر ما أنتجته الترسانة العسكرية الأميركية. بينما كان مجرم الحرب رئيس وزراء اسرائيل، ارييل شارون قد اعترض على أن تكون لجنة الأمم المتحدة لجنة للتحقيق، بل لمجرد تقصي الحقائق، وحين رضخت المنظمة الدولية لهذا المطلب الاسرائيلي العجيب، عاد شارون الى الاعتراض على أشخاص أعضاء اللجنة، مشترطا بأن تقوم اسرائيل باختيار هؤلاء الأعضاء بنفسها. وأغرى رضوخ عنان، للمرة الثانية خلال ساعات، شارون على رفض حضور اللجنة الى الضفة الغربية. واستسلمت الأمم المتحدة للرفض الاسرائيلي الثالث، ووضعت قرار تشكيل لجنة تقصي الحقائق في ما جرى لمخيم جنين على الرف، مع مئات قرارات الأمم المتحدة التي رفضتها اسرائيل، والخاصة بالصراع العربي ـ الاسرائيلي عموما، والقضية الفلسطينية خصوصا. هنا تجلى عجز الأمم المتحدة، من جديد، بعد تحيزها للعدو الاسرائيلي، الفتى المدلل للادارة الأميركية، صاحبة القول الفصل في القرار السياسي العالمي. لكن ما علاقة القضية الفلسطينية بالأمم المتحدة؟! لفتة الى الوراء تشترك الأمم المتحدة وقضية فلسطين في العمر، تقريبا، فبعد قرابة سنتين من ولادة الأمم المتحدة، تعبيرا عن النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) اتخذت هذه المنظمة الدولية قرارها بأغلبية 33 صوتا، ضد 13 صوتا، وامتناع 10 عن التصويت، بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود (29/11/1947) ومن هنا مسئولية الأمم المتحدة المباشرة والرئيسية عن قيام الكيان الصهيوني(14/5/1948)، والنكبة الفلسطينية، في آن. معروف بأن الحركة الصهيونية كانت نقلت مركز ثقلها من لندن الى واشنطن، منذ مايو 1942، مجرد أن أحست بانتقال الامبريالية الأميركية الى مركز الصدارة في المعسكر الاستعماري العالمي، فأبقت الحركة الصهيونية عضوا واحدا من لجنتها السياسية في لندن، فيما نقلت اثنين الى واشنطن. هنا تلقى الانجليز الرسالة الواضحة بأن الصهيونية قد نقلت انحيازها من بريطانيا الى الولايات المتحدة، مما يعني بأن المشروع الصهيوني في فلسطين سيكون عونا للامبريالية الأميركية في صراعها مع الامبرياليتين، البريطانية والفرنسية، الهادف الى وراثه مستعمرات الأخيريتين عموما، وفي الوطن العربي على وجه الخصوص. ابتداء من هذا التاريخ، حكم الحب المفقود علاقة الامبريالية البريطانية بالحركة الصهيونية، وتلكأت الأولى في اعطاء اشارة البدء لاقامة المشروع الصهيوني في فلسطين، الأمر الذي ردت عليه العصابات المسلحة الصهيونية الثلاث في فلسطين (الهاجناه، الارجون،وشتيرن)، فبدأت باغتيال وزير مركز الشرق الأوسط، لوردموين، في القاهرة (1944). وما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، حتى كشفت حكومة العمال البريطانية ـ التي حلت محل حكومة المحافظين ـ عن نواياها غير الودية تجاه الصهيونية ومشروعها، فيما أيد الحزبان الأميركيان الرئيسيان (الجمهوري، والديمقراطي) ادخال مئة ألف يهودي الى فلسطين (1945). بل وصل الأمر بالرئيس الأميركي الجديد، هاري ترومان حد ممارسة الضغط على حكومة لندن، كي تشكل لجنة انجليزية ـ أميركية مهمتها التحقيق في قدرة فلسطين على استيعاب مثل هذا العدد من المهاجرين اليهود الجدد. وما كان للحكومة البريطانية أن ترفض للادارة الأميركية طلبا، بعد أن غدت الأولى مدينة لواشنطن، وبمجرد أن أخلت بريطانيا موقعها في طليعة المعسكر الاستعماري للولايات المتحدة، وتشكلت (اللجنة الانجلو ـ الأميركية)، فعلا، ووصلت الى فلسطين، ربيع 1946، وسرعان ما أوصت بدخول مئة ألف يهودي الى فلسطين، الامر الذي تجاهله وزير الخارجية البريطانية، آنذاك أرنست بيفن. فجاءه الرد كليا، في شكل هجمات عسكرية، شنتها العصابات الصهيونية المسلحة ضد الجند البريطانيين في فلسطين، حيث شنقت بعضهم، ونسفت بعض قطارات سكك الحديد، واقتحمت سجن عكا، لتفرج عن سجناء صهاينة فيه. هنا دعت حكومة بريطانيا عرب فلسطين، والوكالة الصهيونية الى مؤتمر في لندن، اضافة الى وفود من الدول العربية. وشغل مؤتمر لندن هذا أواخر سنة 1946 ومطلع 1947. وفيه حاول بيفن، وعضو مجلس اللوردات البريطاني، موريسون تحرير مشروعين للتسوية في فلسطين، يفضيان الى بقاء بريطانيا، ولو جزئيا، في البلاد المقدسة، لكن المشروعين قوبلا برفض الطرفين الصهيوني والعربي، على حد سواء. توالت الهجمات والكمائن المسلحة الصهيونية ضد القوات البريطانية في فلسطين، تعززها الضغوط الأميركية على حكومة لندن، التي أنهكتها سنوات الحرب العالمية الثانية. ووجدت الحكومة البريطانية نفسها في مأزق لا تحسد عليه فبادر خبراء الخارجية البريطانية الى نصيحة وزيرهم بتحويل قضية فلسطين، برمتها، الى الأمم المتحدة، التي ستعجز عن البت فيها، بسبب التوازن الحرج داخلها ما بين الولايات المتحدة والدول الدائرة في فلكها، وما بين السوفييت وأنصارهم، مما يعيد القضية، ثانية الى بريطانيا، بعد أن تكون هذه الدولة قد قامت بواجبها أمام أنظار العالم! لكن ما حدث لاحقا، تخطى دائرة التوقع، اذ أعطى السوفييت وأنصارهم أصواتهم لتقسيم فلسطين، شأن الأميركيين والدول الموالية لهم، لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة الوليدة، ما جعل المندوب البريطاني ينسحب من القاعة عند التصويت، ويعتبره رئيس الجلسة ضمن المندوبين العشرة الذين امتنعوا عن التصويت. أما لماذا خيب السوفييت الظن فيهم هنا، فصوتوا مع التقسيم، فان جملة من الأسباب والعوامل حفت بهذا الاستثناء، لعل في مقدمتها: ـ قاطع المندوبون العرب الوفد السوفييتي، خشية اغضاب الغرب، وتركوا ذلك الوفد لقمة سائغة للوفد الصهيوني، الذي تحرك في حركة دائبة، ما بين مقري الوفدين الأميركي والسوفييتي، دون ما حرج. بل ان العرب رفضوا كل المقترحات السوفييتية بصدد فلسطين، حتى أن المندوبين العرب قاطعوا حفل شاي اقامه لهم المندوب السوفييتي في الأمم المتحدة، فشينسكي. ـ رأى السوفييت في التقسيم ما يفضي الى التخلص من الاحتلال البريطاني. ـ توقع السوفييت بأن تفضي الوحدة الاقتصادية بين الدولتين، العربية واليهودية (حسب التقسيم) الى وحدتهما السياسية، لاحقا. هل ننسحب؟! ثمة أسئلة لها ما يبررها، تتدافع في سمائنا العربية: ـ هل فسدت الأمم المتحدة، تماما، ولم تعد تصلح، وفقدت مبرر وجودها ؟ ـ هل نفقد الأمل في أن تعود هذه المنظمة الدولية، وتنصفنا في قضيتنا الفلسطينية العادلة ؟ ـ هل نبذل جهدا ضائعا في هذا المحفل الدولي، بعد أن وقع في براثن الامبريالية الأميركية، عدونا الرئيسي، والراعي الأول لعدونا المباشر، الصهيونية وكيانها ؟ ـ هل يضفي بقاء الدول العربية في الأمم المتحدة شرعية على قراراتها الخاصة بالصراع العربي ـ الاسرائيلي، والقضية الفلسطينية ؟ ـ وهل يسوق بقاؤنا الوهم بامكانية وصول الحل لقضايانا عموما، وللقضية الفلسطينية خصوصا، في الأمم المتحدة؟ وبالتالي تتواكل شعوبنا على هذا الجدار المتصدع؟ بداية، علينا الانطلاق من أن قرارا، بالاجماع، في الأمم المتحدة لن يحل لنا قضية فلسطينية، دون أن ينفي هذا كون الأمم المتحدة حلبة صراع، علينا ألا نهجرها، رغم تراجع تأثيرنا فيها كثيرا، منذ فقدنا سندنا الدولي الرئيسي، بسقوط المعسكر الاشتراكي 1989 ،وانفراط عقد الاتحاد السوفييتي، بعد سنتين، ومع ذلك فلا تزال الأغلبية الساحقة الى جانبنا داخل الأمم المتحدة. الأمر الذي أكدته جملة القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة ضد الولايات المتحدة وضد اسرائيل، في السنوات الست الأخيرة، حتى أن هذا المحفل الدولي تجرأ على طرد الولايات المتحدة، ذليلة، من لجنة حقوق الانسان في الأمم المتحدة. وعادت الصورة القديمة، حيث ينعزل مندوبا الولايات المتحدة واسرائيل في تصويتهما، وحدهما، وأحيانا تقف الى جانبها دويلة أو دويلتان، في كل القرارات المناصرة للشعب الفلسطيني. على أن مثل هذه القرارات ليست الا حبرا على ورق، لن تحوله الى نصر حقيقي الا قوتنا الذاتية بمعنى أنه لا يجب الارتكان الى مثل هذه القرارات و كفى الله المؤمنين القتال فمن البديهي أن قرارات الأمم المتحدة مجرد عامل مساعد، ثانوي، يفتقر الى قوة في ميدان الكفاح، تعمل على نقله من الورق الى الأرض. ان الأمر يتطلب قوة عربية ذات شأن، وهي متوفره، فعلا اذ تمتلك الدول العربية عشرة أمثال ما تمتلكه اسرائيل من الجنود والأسلحة، ناهيك عن الميزة الاستثنائية المتمثلة في العمق الاستراتيجي. وان كانت لا تزال الدول العربية تفتقر الى ارادة القتال. الى أن تتوفر هذه الارادة، فاننا مطالبون بالتشبث بمقاعدنا في الأمم المتحدة، فهذه المنظمة الدولية منبر دولي مهم لفضح الامبريالية والصهيونية، ومجال مؤثر لكسب الرأي العام العالمي. وبهجره نتركه لقمة سائغه لأعدائنا الأميركيين والاسرائيليين، على النحو الذي حدث حين قرر الاتحاد السوفييتي أن يجمد عضويته في الأمم المتحدة ( 1949) ، ما وفر للامبريالية الأميركية فرصة ذهبية كي تصول وتجول، وحدها، في هذا المحفل الدولي، وتستصدر القرار الشهير عن الأمم المتحدة بمحاربة كوريا الشمالية، حليف السوفييت. وهكذا جمعت الامبريالية الأميركية دولا عدة، تحت راية الأمم المتحدة، للقتال في كوريا، على النحو المعروف. ما حدا بالاتحاد السوفييتي الى العودة سريعا الى الأمم المتحدة لوضع حد لانفراد الولايات المتحدة بهذه المنظمة الدولية. وقد تلقن الاتحاد السوفييتي درسا لن ينسى بموقفه هذا وكف عن الاستنكاف، مرة أخرى في مثل هذا الوضع. حتى مشاريع القرارات التي تدين اسرائيل، وتعاجلها الولايات المتحدة بحق النقض (الفيتو) داخل مجلس الأمن الدولي، فان مثل هذا الفيتو يزيد التحيز الأميركي لاسرائيل افتضاحا أمام الرأي العام العالمي،كما يزيد في صعوبة أمر تزييف وعي أمتنا العربية بنزاهة الراعي الأميركي. وبعد، فان مجرد صدور تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، مطلع هذا الشهر، الخاص بجنين ومخيمها، ليس نهاية المطاف، الأمر الذي يؤكده القرار الذي أصدرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة5 اغسطس الجاري بأغلبية 114 دولة، ومعارضة اسرائيل والولايات المتحدة، وجزر المارشال، وميكرونيزيا فحسب، وامتناع 11 دولة عن التصويت فيما نال القرار اجماعا أوروبيا. وفي هذا القرار تم تفادي الخلل في تقرير عنان 1/8 سالف الذكر، حيث أعرب القرار عن أسف الأمم المتحدة الشديد لعدم تعاون اسرائيل في تطبيق القرار 1405، في اعداد التقرير (حول الاحداث في جنين) وما حال دون التوصل الى تقرير شامل ومفصل، وطالب القرار بالوقف الفوري والتام لعمليات التوغل العسكرية، وكافة أنواع العنف والارهاب والاستفزاز، والتحريض، والتدمير. كما ألمح القرار الى اسرائيل كي تسحب قواتها من مدن الضفة الغربية، وقراها، ومخيماتها، فضلا عن مطالبة القرار بتقديم المساعدة، والخدمات الملحة لمعالجة الوضع الانساني الكارثي الذي يعيش فيه السكان الفلسطينيون، وللمساعدة على انهاض الاقتصاد الفلسطيني الأمر الذي سيظل حبرا على الورق، بدون قاعدة عربية تتلقف مثل هذا القرار، وتعمل على تطبيقه، بشتى الوسائل. على أن هذا مستحيل بدون موقف عربي قوي وموحد، يحسب له المجتمع الدولي ألف حساب، ومن هنا تكون البداية. ـ كاتب فلسطيني