جبهة الانفجار تبقى على الدوام، هي الحدود بين لبنان والدولة الاستيطانية اليهودية، ذلك ما لم يعم السلام الشرق الاوسط على كافة المسارات. والحقيقة ان هناك عدة عوامل متداخلة على هذه الجبهة تجعل تفحصها في مهب التعقيد والتخمين والتحليل الافتراضي، وهي مشوبة ايضا بالنوايا الايرانية والسورية والفلسطينية والاسرائيلية والاميركية وحتى المقاومة اللبنانية. حين عمد ايهود باراك الى الانسحاب من جنوب لبنان من دون اتفاق، فإنه قصد تجريد سوريا من ضغط المقاومة اللبنانية، والتفرغ لمقارعة الفلسطينيين على جبهة المفاوضات التي دفع اليها آنها بيل كلينتون الطامح لجائزة نوبل، وتخدير هذه الجبهة ولو الى حين. ويبدو ان هذا الحين يلوح في الافق، رغم الابقاء على غموض التوقيت الدقيق. وصية موفاز: الحرب قادمة لا محالة ودع الجنرال شاؤول موفاز قائد جيش الاحتلال ـ المغادر منصبه ـ لجنة الامن في الكنيست مؤخرا بوصية فاشية مفادها: على الجيش الاسرائيلي الاستعداد تماما للحرب المقبلة. وحتما لم يقصد موفاز الحرب في فلسطين، فهي جارية وبكل وحشية، وانما قصد حربا اقليمية لايمكن التنبؤ بنطاقها وحجمها، وبالتالي نتائجها. الجنرال موشيه يعلون، خليفة موفاز في قيادة الجيش، والذي يوصف بأخطر المخططين العسكريين الصهاينة، قام في مايو الماضي بزيارة غير معلنة لواشنطن، ابلغ خلالها الادارة الاميركية ان «الحرب على الحدود الشمالية لاسرائيل واقعة لا محالة». وحسب التصريحات الاسرائيلية المنشورة في الصحف، فإن عدوان «عناقيد الغضب» سيكون بمثابة «لعبة اطفال» مقارنة مع هذه الحرب. ومع بدء عدوان «السور الواقي» في الضفة الغربية وقطاع غزة، استعد جيش الاحتلال لمعركة داخلية مع الفلسطينيين، وحرب اخرى على الجبهة اللبنانية. وكشفت الصحف العبرية ان كولن باول وزير الخارجية الاميركي سارع خلال زيارته الاخيرة للمنطقة الى زيارة مقر قيادة الجيش الاسرائيلي العاملة على هذا الجبهة، وتفقد عبر مروحية المواقع القتالية المفترضة، واضطلع ـ بوصفه جنرالا متقاعدا ـ على الخطط الحربية والامكانات الاسرائيلية التدميرية. وفهم الوزير الاميركي ان هذه الخطط تشمل ضرب اهداف سورية ايضا اضافة لمواقع حزب الله اللبناني وفصائل المعارضة الفلسطينية، وحتى مخيمات اللاجئين ان تطلب الامر. حمل باول التهديدات هذه الى دمشق، لكنه هناك حين تحدث عن اطلاق حزب الله ألف صاروخ مضاد للطائرات وألف قذيفة على مواقع شبعا منذ بدء «السور الواقي» قوبل باجابة واحدة من بشار الاسد مفادها ان المقاتلات الاسرائيلية هي التي تستفز حزب الله بانتهاكاتها المتكررة للأجواء اللبنانية. وقيل حينها ان واشنطن منعت ضربة اسرائيلية لسوريا، من باب الاستعراض والتخويف، قال في هذا الاتجاه زئيفي فركش رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية امام الكنيست انه «كان من المفترض ان تنزل بسوريا ضربة لم يعرف الاسد مثيلا لها»، طبقا لـ «يديعوت احرونوت» مطلع يوليو. الصحيفة نفسها نقلت عن قائد سلاح الجو الاسرائيلي القول ««فيما يتعلق بلبنان، سنضطر غدا الى عمل ما لم نفعله اليوم لكن بقوة مضاعفة». ترويج اسرائيلي للتحالف السوري الايراني ولكي تتجاوز مبررات الحرب مجرد قذائف حزب الله على شبعا، بدأت اسرائيل حملة اعلامية، تستند كالعادة الى معلومات استخبارية لا يمكن التحقق من صحتها. قوام هذه الحملة ان الرئيس السوري اختار التحالف التام مع ايران، ولم يكتف بالسماح باستمرار تدفق الاسلحة الايرانية للحزب، بل عمد الى مده ايضا بأسلحة تتضمن صواريخ بقطر 240 ملليمترا تدعى «البراميل الطائرة» علاوة على تدريب المقاتلين. وفي موازاة ذلك تواصل الابواق الاسرائيلية النفخ في امتلاك حزب الله نحو تسعة آلاف صاروخ ايراني معظمها بمدى 70 كيلومترا، وبمقدورها ضرب حيفا. الى الجانب التسليحي، تروج الدولة العبرية الى رسالة ايرانية لدمشق مفادها: لا تخشوا التهديدات الاسرائيلية ويمكنك الاعتماد على ايران كحليف. وذلك طبعا على خلفية التوجه المتشدد للادارة الاميركية، وتصنيف «محور الشر» الذي يضم ايران من وجهة نظر جورج بوش. وتسعى حكومة ارييل شارون جاهدة لاقناع واشنطن بضم سوريا لهذا المحور، بعد النجاح في اقناعها بزج اسم حزب الله في «قائمة الارهاب» الاميركية. في المقابل يدرك حزب الله جيدا قواعد اللعبة، فالى جانب حصر عملياته البطولية في مزارع شبعا المحتلة، ابقى على معدل دقيق لحجم هجماته (12 الى 14 في العام) وبشكل لا يظهر كما لو كان الباديء في معركة. التخدير او الترانسفير لتفادي السلاح الاستشهادي عسكريا، اسرائيل تعتبر انها اختبرت النوايا السورية، حين اغارت على مواقع رادارات في لبنان، من رد مقابل. ويسعى المخططون الصهاينة لاحتواء الانهاك والرعب بين الاسرائيليين اثر المقاومة الفلسطينية البطولية، عبر محاولة التهوين من القوة العسكرية السورية واطلاق شائعات حول اعتماد دمشق على اسلحة قديمة ورخيصة الثمن بفعل الازمة الاقتصادية. لكنها رغم ذلك تتحسب علنا للترسانة السورية الضخمة من صواريخ «سكود» التي اختبرت جيدا مدى قوتها التدميرية حين تساقطت على تل ابيب خلال حرب الخليج الثانية. كل ذلك يدخل في مجال التهيئة للحرب التي تحدث عنها موفاز ومن بعده يعلون، ولا تزال التشكيلات العسكرية الاسرائيلية تجري مناورات تمهيدية لها. لكن ماذا عن التوقيت؟ قيادات الاجهزة الامنية والعسكرية الاسرائيلية تتحدث جميعها عن ضرورة ان تحتفظ الدولة العبرية بموعد بدء الحرب هذه، على اساس افضلية عنصر المفاجأة. لكن بعد 11 سبتمبر، لم يعد في وسع اسرائيل الاقدام على اي مغامرة خارج نطاق الحسابات الاميركية. كذلك يبدي كافة صناع القرار الاسرائيلي قناعة واحدة مفادها انه لا يمكن التورط في حرب على الجبهة اللبنانية في ظل اشتعال المناطق الفلسطينية. فإن كانت المقاومة الفلسطينية لا تمتلك اسلحة تهدد الكيان العبري، الا انها تمتلك ما هو اخطر: طوابير القنابل البشرية الفتاكة. فالكل يعلم ان من اهم شروط الانتصار في حرب خارجية، هو تأمين الجبهة الداخلية، وهو ما يستحيل امام العمليات الاستشهادية التي اوقعت اسرائيل في مأزق لم تشهده حتى ابان الحروب الكلاسيكية مع الجيوش العربية. وعليه فإن توقيت الحرب على الجبهة اللبنانية والسورية، لابد من الوجهة الاسرائيلية، ان يرتبط بمخطط اوسع: انه الحرب الاميركية على ما يسمى الارهاب. التوقيت اذن بيد واشنطن لا اسرائيل هذه المرة. وموعد الحرب هذه متزامن تماما مع بدء الضربات الاميركية المتوقعة ضد ايران والعراق، وهنا على الجانب الاسرائيلي يبرز سيناريوهان: الأول: تخدير الجبهة الفلسطينية عبر وعود سلام ومفاوضات، لتفادي سلاح الاستشهاديين الاستراتيجي الذي بوسع تفعيله ان يطيح بالدولة اليهودية من الداخل، والتفرغ لتوجيه ضربات غير مسبوقة لحزب الله والمواقع العسكرية السورية. اما الثاني: وهو الاشد خطورة اطلاق مغامرة عسكرية شاملة وعلى مداها، وبما يعني شن هذه الحرب من دون تخدير الجبهة الفلسطينية، ونشر فرقة او اثنتين في المناطق الفلسطينية المحتلة بالفعل، والرد على اي هجوم استشهادي بقصف ماحق لمناطق السلطة الفلسطينية ودفع سكانها للهجرة الى الاردن. اذن، وكما كان مفتاح السلام في الشرق الاوسط بيد واشنطن، فإن مفتاح الحرب ايضا بيدها، وما ان تنطلق اولى القذائف الاميركية في المنطقة فإن علينا جميعا، وبلا استثناء ان نتحسس رؤوسنا، فالحرب كما الزلزال لا يمكن التنبؤ اين يضرب وكم سيسحق. خالد أبو كريم