يتحرك الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل أحيانا بمنطق ان هناك مؤامرة ضد مسيحيي لبنان بهدف دفعهم الى الهجرة او النزوح وله تفسيره الخاص بعدما نحي عن تولى تقاليد حزب الكتائب الذي يرأسه الآن جورج سعادة. قبل ان يغادر بيروت متجها الى العاصمة الاميركية واشنطن لاجراء مباحثات مع كبار المسئولين في الادارة الاميركية التقت «البيان» بالرئيس الأسبق أمين الجميل فتحدث عن القضايا التي سيثيرها في العاصمة الاميركية وعن وجهة نظره تجاه الصراع الذي يدور حول رئاسة حزب الكتائب، كما تحدث عن لقاء قرنة شهوان والدور السوري في لبنان. وهذا نص الحوار:ـ ما هي أهم القضايا التي تبحثونها خلال زيارتكم الوشيكة لواشنطن هل تتضمن القضايا الداخلية المعقدة مثل الوجود السوري وانتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة؟ ـ بالتأكد لست ذاهباً الى الاميركان للسياحة، هناك قضايا يجب اطلاعهم على خطرها، فلبنان يواجه مصير الالغاء، من اجل توطين الفلسطينيين في قسم منه، والحاق القسم الباقي بسوريا. ـ هناك صراع حول رئاسة حزب الكتائب الذي انتقل الى قيادة جديدة تدرس عزلكم عنه لأسباب مسلكية حزبية؟ ما هي الأسباب الحقيقية لهذا الصراع؟ ـ في الوقت الحاضر، اصبح حزب الكتائب، اسوة بمعظم الاحزاب والحركات السياسية والنقابية، ضحية واقع تعيشه البلاد، حيث اضحت جميعها اسيرة منطق سلطوي ومخابراتي يعمل من اجل السيطرة عليها، وضبط ادائها وتدجين قياداتها. لذلك يشعر المواطنون عامة وجمهور «الكتائب» خاصة، بغياب كامل للحزب عن شتى المحافل السياسية والوطنية والاجتماعية والاقتصادية. فلابد ان يستعيد «الكتائب» دوره وحضوره وتأثيره على الساحة اللبنانية وعلى كل المستويات. وهذا ما نعمل من اجله، وان كان ذلك من خارج «بيت الصيفي» طالما ان القيادة الحالية مسيّرة لا مخيّرة بسبب الظروف، (هذا «البيت» في بيروت هو المقر الرئيسي ل«الكتائب»). ان روح «الكتائب» الاصلية لم تزل حية في ذاكرة وقلوب السواد الاعظم من الحزبيين المتعطّشين الى ولادة قيادة جديدة تمثّل حقيقة مشاعرهم واهدافهم الوطنية، وتعمل من اجل ان تستعيد «الكتائب» دورها وموقعها على الساحة الوطنية والسياسية. فالواقع ان الحزب يواجه ظروفا يجب العمل من اجل انقاذه منها، فهو مصادر «بفتح الدال»، وقراره ليس في يده، وهناك انفصام بين جمهور الكتائب وجمهور القيادة الكتائبية. وهذا حاصل قبل ان اعود الى البلد «لبنان» شخصيا من باريس، حتى ان احد الكتائبيين اطلق شعارا قال فيه بان حزب الكتائب اصبح حزب «الآرمة» ـ اليافطة ـ مما يعني ان تلك القيادة لا تمثل اطلاقا القواعد الحزبية. فالقيادة مسيرة وليست مخّيرة وهناك انفصام كامل بين القيادة والقاعدة. والدليل على ذلك البراهين الحسية مثل قضية الانتخابات النيابية حيث لم يتمكن الحزب من ايصال اي مرشح عام 1996 بل سقط رئيس الحزب جورج سعادة في البترون وتكرر الامر عام 2000، وسقط الكتائب في عرينه داخل المتن وسقط رئيس الحزب المحامي منير الحاج هناك بينما صوتت القاعدة الكتائبية بجانب ابني بيار. فهذا اكبر دليل على الانفصام بين القاعدة والقيادة. ولكن اخشى ان تكون القيادة الجديدة مقدمة لاطلاق رصاصة الرحمة على الكتائب وكأننا بصدد عملية تصفية للحزب من خلال هذا الفريق الذي فرض على الحزب للقيام بهذه المهمة. ـ هل وجهة نظركم هذه مبنية على أساس المشاكل الشخصية الموجودة بينكم وبين قيادة الحزب؟ ـ لا.. المسألة ليست شخصية، وما يحصل كان متوقعاً وليس مستغربا، واذا نظرنا الى مجمل الحياة السياسية في لبنان خلال الوقت الحاضر، فنلاحظ ان مجمل المؤسسات الحزبية وحتى النقابية تتعرض لضغوطات مباشرة بصورة خاصة من قبل «الاجهزة»، لان الواقع الذي نعيشه في هذا البلد هناك قوة لا تتبع لاحد، وهناك نوع من الضبط للحياة السياسية بصورة عامة وكل من يحاول ان يتجاوز سقفا معينا او اطارا معينا يعتبر ذلك تهديدا لاستراتيجية معينة او للسلم الاهلي او لمجموعة تعابير وشعارات يتم طرحها على الساحة وهي مألوفة. وحزب «الكتائب» من المؤسسات التي لعبت دورا قياديا وطليعياً ومحورياً على الساحة الوطنية، فبالتالي من الطبيعي ان تتجه الانظار نحوه سواء أكان من قبل شريحة كبيرة من اللبنانيين التي تعتبره كحزب منقذ وحزب موجه لفكر سياسي وتوجيهات سياسية، او لجهة الخوف منه نظرا لاهميته وقدراته وحجمه وخاصة على الصعيد الجماهيري، فهي تخاف، من وجهة نظرها هي، ان يجنح عن الخط المرسوم وبالتالي ان يعرقل المخططات المرسومة. انني مقتنع بان الهجمات التي يتم توجيهها لي ليست لاسباب شخصية انهم يريدون التركيز على شخص لكي يحصل تمويه على حقيقة المشروع ولتغطية الحقيقة واخفائها، حيث عندما يتم تركيز الهجمة على شخص امين الجميل فذلك من اجل تحويل الانظار وفتح المعركة باتجاهه كنوع من التمويه لتمرير قضايا اخرى مخطط لها سلفا. من الواضح ان القيادة الحالية اسوة بمعظم المؤسسات الناشطة على الساحة الوطنية والساحة السياسية، مصيرهم ليس بايديهم، وموجودون على الساحة من اجل لعب دور معين مخطط له، وهذا الدور يتناقض مع مباديء حزب الكتائب وتاريخه ونضاله، فهذا هو السبب. فالقضية هي اكبر منهم وهكذا قرارات اعتقد انها تتجاوزهم، فمشكلتي ليست معهم، واذا اردنا التكلم بوضوح نقول كما يقول المثل الفرنسي «الذي يعطي هو الذي يأمر». اذن، فالقرار هو في يد الذي يعطي والذي يقوم بتنصيبهم في سدة القيادة، وهنا يكمن بيت القصيد. لكن حزب الكتائب ليس كما يريدونه، فهو يتميز بعقيدته وبخطه السياسي وبجمهوره وفي الوقت الحاضر ارى الكتائب في ازمة واحاول مع الفريق الذي أتعاون معه سواء الدكتور ايلي كرامة او غيره ومجموعة اخرى ان نتمسك بعقيدة الحزب الاساسية، ونحاول ان نتمسك بالخط ونجسده وهو الخط الحزبي التاريخي. ويبقى العنصر الثالث وهو الجمهور، والثابت حتى الان من خلال المناسبات العامة ان جمهور الكتائب ليس مع العقيدة الحالية بل معنا. اذن من جهة العقيدة والخط والجمهور الكتائب لاتزال متماسكة ولكن خارج اطار البيت المركزي في منطقة الصيفي. ـ ألا يعتبر ذلك تعليقا للمشاكل على شماعة مجهولة.. أين تكمن المشكلة بالضبط؟ ـ المشكلة ليست في «حزب الكتائب» كحزب، او عقيدة سياسية، او تجربة سياسية اغنت لبنان منذ الثلاثينيات حتى الان، بل هي مكان، او امكنة اخرى، مثلا: «هي في قيادة مفروضة عليه لاداء مهمة لتخريبه تنظيميا «كما يقول»، وهي في واقع عام غابت عنه الحريات العامة، وفي حياة سياسية غير موجودة، بحيث من الافضل برأيه الحديث عن «موت سياسي قائم ومفروض»، يقول: «السياسة اللبنانية اراها في الثلاجة، ولا اعتقد انه يمكن ان نعتبر ان هنالك حركة سياسية في لبنان طالما ان النظام الديمقراطي معلّق. ان تركيبة المجلس النيابي المنبثق عن قانون انتخابي مفصّل على القياس مجحف بحق شريحة كبيرة من اللبنانيين حوّلت العمل البرلماني على صعيد التشريع والممارسة شبه مغيّب. كما ان العمل الحكومي في واد وهموم الناس وتطلعاتهم في واد اخر. ولا نزال نشهد حتى اليوم، رغم المزاعم الرسمية، تهميشا كي لا نقول اضطهادا لشريحة كبيرة من اللبنانيين، لاسيما المسيحيين. من هنا تنادينا مع العديد من القيادات المخلصة في محاولة لكسر حلقة الجمود السياسي عبر اتصالات شخصية او عبر لقاء قرنة شهوان. واننا نواجه في هذا المسعى، من جهة تركيبة برلمانية مقيّدة وعاجزة ان تكون محور الحياة السياسية، ومن جهة اخرى، سلطة تنفيذية لا تقبل الحوار الا وفق مفهومها الخاص او المقيّدة به». ـ هل تعني ان هناك اتجاهات لعسكرة النظام السياسي اللبناني؟ ـ لا.. واستبعد ان تصل الامور الى هذا الحد.. لكن هناك جهة تفرض شروطها وتنفذ ما تريده. ـ لكن الجهة المعروفة باسم «قرنة شهوان»، «وهي اسم منطقة لبنانية»، يؤكد وجود حياة سياسية متفاعلة بين موالين ومعارضين؟ ـ نعم.. هناك معارضة سياسية، لكن ضمن مواصفات الحد الادنى الذي يبدو فيه الاعتراض «لا يسمن ولا يغني عن جوع». «هناك معارضة لكنها رمزية. فلا يتعدى دورها مجرد العمل من اجل الابقاء على شعرة الديمقراطية. للتأكيد على ان هذا الوضع مصطنع، ومن اجل ايصال صوت لبنان الحقيقي الى الداخل والخارج، ومن اجل طمأنة الناس الى ان هناك فريقا لم يزل يناضل من اجل ان يستعيد لبنان قراره الحر، ودوره في المحافل الدولية. واعتقد انه في هذا المجال قطعنا شوطا مهما وحققنا خطوات ملموسة. وفي حين كانت كل الاصوات خافتة في بداية التسعينيات نسمع اليوم اكثر من صوت، ونرى التفافا اكثر من جهة حول بعضها البعض وعلى مستويات مختلفة وبقوة متفاوتة، كما نسمع اصواتا لم نكن نسمعها في الماضي، بدأت اليوم تعبر عن رفضها للامر الواقع وتتقدم باقتراحات عملية لمعالجة الوضع، وتحاول ان تعبيء القوى الشعبية من اجل الوقوف في وجه هذا المسار العبثي القائم، ولا يمكن الاستهانة بهذه الحركة في مسعاها من اجل احياء الحياة الديمقراطية ومنع محاولات تغيير وجه لبنان. يعني ـ نحن كتائبيا ـ بكل تواضع اقول ـ لو اننا تمكنا من انقاذ حزب الكتائب، كان يمكن ان يشكل توازنا مع الحزب التقدمي الاشتراكي، او مع حركة امل، يعني هناك توازنات بالبلد، بالماضي لم يكن بيار الجميل لوحده رغم كونه هو الرمز، ولكن هذا الرمز بدون جمهوره لم يكن لديه ذات الوقع، ولكنه كشخص رغم مميزاته من حسن التفكير والشجاعة الخ ولكن بدون الجماهير لم يكن لديه هذا التأثير القوي، وهذا ما يخلق قيادة اليوم تكون قادرة وفاعلة على الارض ويكون لديها وقعها وتأثيرها، وهذا الشيء ممنوع علينا اليوم، ولذلك منعوا امين الجميل من انقاذ حزب الكتائب. دور «قرنة شهوان» ـ لكن حزب الكتائب جزء من المعارضة السياسية، سواء كان في الموقع السليم في هذه المرحلة ام لم يكن. ولقاء «قرنة شهوان» يضم معارضين مسيحيين من عدة اجزاء سواء اكانت حزبية، او عائلية، او حتى نيابية: ومع ذلك لستم اعضاء فيه لماذا؟ ـ هناك اهمية لتلاقي الاجزاء في المعارضة المسيحية التي باتت تحمل اسم «قرنة شهوان» في هذه المرحلة. لكن الامور تبقى ابعد من ذلك، باعتبار ان اية حركة سياسية تسقط التاريخ، سيكون مصيرها السقوط الحتمي. وهذا ينطبق على علاقة «الكتائب» مع «قرنة شهوان»، والعكس بالعكس. ـ كيف؟ ـ من الواضح امام الجميع، والقاصي والداني، ان موقعنا السياسي سابق لانشاء لقاء قرنة شهوان وسيبقى بعد انتهاء دور لقاء قرنة شهوان ولا اعتقد ان هناك اي تأثير للقرنة من هذا القبيل. فدور القرنة هو نوع من منتدى مؤلف من مجموعة سياسيين يتشاورون فيما بينهم حول القضايا الوطنية والمصيرية ويلتقون حول الموقف الذي يعتبرون انه يجسد تطلعات شريحة كبيرة من اللبنانيين، واللقاء في بياناته الدورية يمكن ان يعبر عن رؤية وطنية واضحة تتعلق بالتساؤلات المطروحة على الساحة الوطنية. ومن هنا يمكن اعتبار لقاء القرنة بمثابة محاور باسم شريحة كبيرة من الشعب اللبناني التي تمثل مباديء ومواقف معينة. ـ قرنة شهوان.. من تمثل اذن.. الشعب اللبناني ام المسيحيين؟ ـ «قرنة شهوان»، لا تمثل جميع اللبنانيين بطبيعة الحال، ولا حتى جميع المسيحيين، كما هو واقع الحال، اولا هناك فريق مسيحي لا يتمثل في لقاء «قرنة شهوان» وله مصلحة ان يكون داخلها فأخذ موقفا من اللقاء بعدما شعر انه مغيب وصار يعمل لكي يدخل اللقاء واذا فشل يحاول فرطه. وثانيا هناك الاجهزة لاسيما وان بعض اركانها لا يخفي مواقفه من فرط اللقاء علما بأن توقيف المحامي توفيق الهندي هو رسالة واضحة بهذا المعنى. فهناك ظلم بحقه، ادخل السجن بسبب انه عضو في لقاء قرنة شهوان ولديه زوجة واولاد وقطعت الجامعة اللبنانية معاشه. كل هذا بسبب المصالحة التي حصلت في الجبل والتي يريدون ان ندفع ثمنها لاننا ساهمنا فيها والدليل التي تلقيت تهديدات ومضايقات علما بان قضية حزب الكتائب وكريم بقرادوني هي ايضا رسالة واضحة ضدنا. ـ هل تشبه القرنة الان الحلف الثلاثي الماروني الذي انشيء عام 1968 بين كميل شمعون، بيار الجميل، وريمون اده، لمواجهة الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان انذاك؟ ـ نحن نتحدث الان عن امور بمنطق تسهيلها وتبسيطها، فالامور ليست بهذه البساطة ولا تتم بكبسة زر، ما جرى خلال عام 1968 والحلف الثلاثي كان لاهداف سياسية بحتة، وبعد ان حقق اهدافه السياسية تلك ذهب الى بيته بعد الانتخابات، وكانت الظروف مختلفة تماما. ولكن الان في «قرنة شهوان» كل الموجودين كانوا حوالي عشرين شخصا. ولكن، من بين هؤلاء الاشخاص العشرين قادر على تحريك جماهير على الارض؟ ولنكن صريحين اكثر ايضا، فنقول ان احدا في قرنة شهوان يقبل برئاسة الثاني عليه، ولا احد يقبل ان يكون هو المتفوق على الاخر، ولكن المطران هو الذي يأخذ مواقف ابدا والدليل على ذلك قضية الانتخابات حيث يكون دور المطران توفيقيا ويقتصر على رئاسة الاجتماعات ومحاولة التوفيق بقدر الامكان مثلما يعمل بانتخابات المتن حاليا، الاكليروس لا يلعب دورا مباشرا، وفي حياته لم يلعب دورا مباشرا انما دور موفق، وهذا الدور ايجابي واستطاع ان يحفظ الناس من نزاعات وصدامات كثيرة، وهذا ما حدث في اكثر من ظرف خلال الجبهة اللبنانية، ولو ان سمير جعجع وميشال عون نسقا مع الاكليروس لما كان وصلنا الى ما وصلنا اليه من حرب عبثية ومدمرة، ولذلك الاكليروس لا يحاول اخذ دور القيادات السياسية ولكن يقوم بدور الموفق. ـ هل يرى الرئيس الجميل ان المعارضة المسيحية، بكل اطرافها، تسعى لان تعزل المؤسسات الدستورية، وتتولى بنفسها الحوار مع سوريا حول استمرار دورها في لبنان؟ ـ ذلك الافتراض في الغاء المؤسسات الدستورية الرسمية خاطيء تماما. بالعكس، عندما ذهب وفد البرلمانيين للقاء في بعبدا، وكان في عدادهم النائب بيار الجميل طرحنا على رئيس الجمهورية بأن يكون هو لسان حالنا في الحوار مع سوريا، وبقي هذا المسعى محله، ونحن نعلن موقفا اعتقد ان الكثير من المسلمين يشاركوننا فيه من دون ان يكون لديهم الامكانية للتعبير عن رأيهم. وهناك اطراف اسلامية من «المنبر الديمقراطي» الى وليد جنبلاط والكثير من القيادات الاسلامية، تأتي و«توشوشنا» موقفها، الا انها غير قادرة على اعلان موقفها بشكل علني. الان الذين يزايدون علينا، وكانوا ينقلبون علينا باسم «امن المجتمع المسيحي» وبحجة انني ذهبت بعيدا مع سوريا، هم الان المرتمون في احضان سوريا، الذين كانوا يروجون لمشروع شارون ويواكبونه في جولاته على بعض الصحافة اللبنانية عام 1982، هم الان يرفعون مشروع العروبة.. الخ. اما بيانات «قرنة شهوان» الاخيرة، فثمة الاعتدال والانفتاح، فهي تطالب بأطيب العلاقات مع سوريا وتطبيق اتفاق الطائف والحوار الوطني. ولنكن صريحين، هناك خوف في سوريا من ان يتم الوفاق الداخلي اللبناني بمعزل عنها، وهذا الذي يؤثر، وقد لمست ذلك في عهدي، وانا اتفهم موقف سوريا نظرا لما عانته في لبنان. من هنا، تتعثر المساعي التي نقوم بها. تلك الاسس هي التي تدفع بالمعارضة المسيحية للتمسك بدور المؤسسات الدستورية، وخاصة رئيس الجمهورية «العماد اميل لحود»، في ادارة الحوار واجرائه حول الوجود السوري في لبنان. ـ ما هو المطلوب من رئيس الجمهورية في هذه المرحلة الدقيقة؟ ـ المطلوب من رئيس الجمهورية ان لا يكون طرفا وانما مطلوب التوازن، وقد حاولوا ان يحرقوني مسيحيا بسبب ذلك، فمعاناتي كانت بسبب الدفاع عن الخط المتوازن، ولكن في ذات الوقت كنت اعتبر نفسي ضمير المسيحيين. فرئيس الجمهورية مطلوب منه ان يكون محورا لجميع الاطراف، ومختبرا للافكار وعليه بلورتها. انا ذهبت الى رئيس الجمهورية، عندما عدت، مرتين، والمرة الثالثة سدت الابواب، والمرتان كانتا بروتوكوليتين. فمن جهتي العلاقة، مع رئيس الجمهورية ليست في حالة مهادنة ولا صدام، اما من جهة رئيس الجمهورية فذلك يعود اليه. زعيم المسيحيين ـ من هو الزعيم السياسي المسيحي الان؟ من يقود المسيحيين في الفترة الراهنة الدقيقة؟ وهل هناك حقا معارضة سياسية سواء اكانت مسيحية ام اسلامية، ام مجرد مشاكسات وخلافات في الرأي، بحيث لا تتعدى المعارضة ان تكون منبرا دون خطاب سياسي معارض؟ ـ الزعامة المسيحية ممنوعة اليوم، انما الرأي العام المسيحي ليس ضائعا، والتعاطي مع حزب الكتائب هو النموذج، اذ فرضت، بالتهويل والترغيب والترهيب، قيادة على الكتائب ليس لها علاقة اطلاقا بالقاعدة الكتائبية. وما يحصل لحزب الكتائب يحصل كذلك لحزب القوات اللبنانية، ولمعظم الحركات السياسية المعارضة والمناوئة للنهج الراهن، وهي كلها مطوقة وتخضع لشتى الضغوطات، وهذا لم يعد سرا على احد. رغم ذلك، هناك مرجعيات سياسية لدى المسيحيين وتعبر عن ارائها بكل شجاعة وحرية ضمير. ما نسمعه باستمرار من غبطة البطريرك صفير، والمطران عودة، وما يصدر عن «لقاء قرنة شهوان» ومن بعض اركانه منفردين، يدل على ان الصوت المسيحي ليس خافتا ولو ان الظروف الحالية غير مؤاتية لتثمير هذه المواقف بنتائج ملموسة في الوقت الحاضر. البطريرك صفير لم يترأس يوما لقاء قرنة شهوان. لكن الذي يحصل بين يوم واخر، هو مجرد ان وفدا من «القرنة» قد يزوروه لاستمزاج ارائه حول بعض المواقف او المباديء التي تكون مطروحة للتداول على السلطة السياسية في حينه. وضمن هذا الاطار يستقبل غبطته «صفير» لقاء القرنة، كما ولقاءات اخرى تتناقض سياستها مع سياسة لقاء قرنة شهوان. فهو يستقبل مثلا حزب الوطنيين الاحرار برئاسة المهندس دوري شمعون ويستقبل حزب الكتائب بقيادته الحاضرة التي تتناقض سياستها مع سياسة حزب الوطنيين الاحرار. لذلك فبكركي تفتح ابوابها للجميع ولا يمكن ان تعبر ان غبطة البطريرك باستقباله هذا او ذاك يقحم نفسه في صراعات ونزاعات سياسية او حزبية. قد يشكل ذلك مظلة من صفير لقرنة شهوان، لكنها غير مباشرة. فلقاء القرنة يحاول ان يتفهم مواقف غبطة البطريرك ومجمع المطارنة الموارنة وان يعمل بوحيها، ويحاول ان يجسدها على الصعيد السياسي. وهذا الامر متاح لاي فريق يمكن ان ينتهج هذا الطريق خاصة وان هناك شخصيات لبنانية مارونية او مسيحية او حتى غير مسيحية تتأثر بمواقف غبطة البطريرك وتعمل بوحيها وتلتقي بالتالي مع مواقف لقاء قرنة شهوان دون ان تكون في عضوية اللقاء. فهناك عتب من قبل مجموعة من القيادات السياسية لتفويت فرصة انضمامها الى لقاء قرنة شهوان وهي تعتبر نفسها في الخط ذاته. يعكس ذلك الوضع حقيقة سياسية شديدة المرارة بالنسبة للشارع المسيحي في لبنان بكوادره وعناصره ـ فمسيحيو لبنان دون مرجعية سياسية منذ ايام القائد السابق للجيش العماد ميشال عون، والصراعات المسيحية ـ المسيحية «خاصة حروب الغاء فريق لاخر، او بالعكس»، والصدام بين الجيش و«القوات اللبنانية». ـ ألا تشكل تلك الأمور أسبابا كافية ومنطقية لاستمرار غياب الزعامة المسيحية؟ ـ نعم، انا اوافق على هذا الرأي، لانه حتى عام 1972 كان الصراع ـ ايا كان ـ مسيحياً ـ مسيحياً، او سنياً ـ سنياً، او درزياً ـ درزياً، كان ضمن اطار مجلس النواب، كان لدى كمال جنبلاط موقعه، وكذلك بيار الجميل، وكذلك كميل شمعون، وصائب سلام، وسليمان فرنجية، ورينيه معوض، كان لكل موقعه. وكان الصراع ضمن اطار الحلبة السياسية، وعندما تعطلت الحياة السياسية ودخلنا في ما يسمى بشرعية الغاب، والعين بالعين والسن بالسن، والميليشيات ومنطق الثورات، وتعرف ماذا قال غيفارا: «الثورة التي تدوم تأكل اولادها»، ولذلك نحن منذ العام 1973 لما تعطلت لغة الكلام، لم نعد نعرف ماذا يجري، وهنا بيت القصيد، وقبل الوصول الى معركة عين الرمانة ومعركة القوات والجيش، بدأت الصراعات الداخلية لدى كل الاطراف، وهناك صراعات عديدة مستمرة وصولا الى الحرب بين القوات وميشال عون، فهذه المسائل عطلت وصول قيادات مثل بيار الجميل وكميل شمعون وصائب سلام ورشيد كرامي وكمال جنبلاط وغيرهم وناب عنهم منطق الميليشيات والامر الواقع، وسادت شريعة الغاب وصار كل واحد يأخذ حقه بيده، والطموحات الشخصية صارت تتحقق على صعيد الغير وبالطرق غير الشرعية. ـ أين الدولة والنظام مما يجري؟ ـ للدولة دور اساسي في تخطي مثل تلك الاجواء في حال حصولها او تكرارها. لكن ما تقوم به، كلما احتاج المواطنون اليها يخيب امالهم، بل يصعقهم عندما يكتشفون فيها بذور دولة القمع وطحن الحريات ببساطة، فانه في كل مرة نلمس فيها بوادر تقدم على صعيد المعالجة والحوار، نفاجأ بتحرك ميداني مخابراتي للجم بكل الوسائل القمعية على غرار ما حصل في الصيف الفائت من تعد وتوقيفات ومحاولة تسخير القضاء لاسكات الاصوات المعارضة. رغم ذلك، ان هذا لن يثنينا عن مواصلة ما نحن مقتنعون به في سبيل ان يبقى لبنان وطن الحرية والديمقراطية. ويتضح من ممارسات الدولة ان هناك قرارا رسميا بالتصدي لقيام قيادة اكانت سياسية او حزبية يمكنها ان ترفع شعارات مناوئة لطروحات وخيارات الدولة اللبنانية سواء كانت اسلامية ام مسيحية. والدليل على ذلك انه عندما حاول الرؤساء حسين الحسيني وسليم الحص وعمر كرامي ان ينشئوا تجمعا وطنيا بالتعاون مع الست نائلة معوض والشيخ بطرس حرب فشل المسعى لسبب بسيط هو عدم امكانية القيادات الاسلامية في هذا التجمع من ان ترفع شعارات اصر عليها الشيخ بطرس والست نائلة. فكل مسعى لاقامة حزب او تجمع او جبهة ذات اهداف تعتبرها الدولة سقف خطاب معين، تكون الدولة لها بالمرصاد. وهذا ما يفسر غياب العماد ميشال عون ومنعه من العودة. وهذا ما يفسر الضغوطات المباشرة على حزب الكتائب وحزب القوات كي لا تتمكن هذه القيادات والاحزاب من ان تؤثر على الساحة اللبنانية وان تخلق ديناميكية تعتبرها الدولة مناوئة لخطابها.