حصل نزاع حاد بين قناة الجزيرة والحكومة الاردنية حول حلقة بثتها قناة الجزيرة الاسبوع الماضي ضمن برنامج «الاتجاه المعاكس»، وتناولت تحليلاً لدور الاردن ، في الأحداث الجارية والتهديدات العسكرية في كل من العراق وفلسطين. وبدلا من ان يركز البرنامج على المساعي السياسية والدبلوماسية التي تبذلها القيادة الاردنية والحكومة لتهدئة الأوضاع واحتواء الازمة والوصول الى حلول دائمة، تحول بفعل مقدم البرنامج والمحاورين فيه الى محاكمة للاردن قيادة وشعباً، وبدلا من ان يكون برنامجاً يتسم بالمصارحة تحول الى برنامج «للمصايحة». وصار يكيل الاتهامات جزافاً. وفي نهاية المطاف لم ينته البرنامج الى اي نتائج تستحق عناء المشاهد او اهتمامه، بقدر ما أدّت الحلقة الى تنفيس للذين شاركوا فيه من داخل الاستوديو او خارجه. وللواقع فان قناة الجزيرة قد اكتسبت ابعاداً دولية بعد عدة تطورات وتصريحات، الاول كان تناولها اولا بأول لاحداث انتفاضة الاقصى، ونقلها من الميدان تفاصيل ما كان يجري هنالك. وقد جذب هذا اليها المشاهدين العرب في المهجر، وبخاصة الولايات المتحدة، فعلى العكس من النقل الخجول الذي اتسمت به بعض القنوات الرسمية العربية، فان الجزيرة كانت حاضرة عند الحدث، مما اعطى المشاهد العربي داخل الوطن العربي وخارجه فرصة ليرى بديلا عن المحطات الدولية والقنوات الفضائية والتطور الثاني الذي اكسبها شهرة دولية بين الناطقين باللغات العربية وغيرها هي انها احتكرت نقل الاحداث الشهيرة والدامية التي جرت في افغانستان خلال الفترة التي تلت احداث 119 وانتهت بالغزو الدولي لها. وكانت المقابلات التي يجريها المسئولون من الطالبان والقاعدة مع الجزيرة حكراً، هو الذي جعلها مصدر الاخبار الاساسي، وظهر اسمها على كل شاشات العالم بكل اللغات، وجرت المقارنة بين ما جري لمحطة الـ «سي ان ان» الاميركية باحتكارها نقل الأحداث من العراق عامي 1990 و1991 وما تمتعت به قناة الجزيرة في افغانستان في العامين 2001 و2002. والتطور الثالث هو ان المواطن العربي قبل بكل اخطاء الجزيرة وتجاوزاتها مقابل الصراحة والجرأة في طرح الموضوعات الساخنة، والتي يجري الحديث حولها همساً وفي الغرف المغلقة والجماعات الصغيرة، ويمنع الحديث فيها علناً امام الناس وعبر وسائل الاعلام. ولذلك صارت تجسد للمواطن العربي متنفساً ومصدر معلومات سرية عبر برامجها الحوارية خاصة. ومما لاشك فيه ان ما كتبه «توماس فريدمان» عن الجزيرة بانها حولت دولة قطر الصغيرة الى ظل كبير على الساحة الدولية مستفيدة من ظاهرة العولمة الحديثة في مجال الاتصال، وما نشرته صحف رائدة مثل «نيويورك تايمز» و«الواشنطن بوست»، و«وول ستريت جورنال»، و«التايمز اللندنية» و«لوموند الفرنسية» وغيرها من الصحف الدولية عن قناة الجزيرة وقد اعطى كل ذلك الجزيرة والمسئولين عنها ثقة متزايدة بأنفسهم، وبأنهم قادرون على استيعاب جرعات اكثر وأكثر من الجرأة والمساس بالدول ورموزها، وقد اشتكى كثير من المسئولين العرب الى المسئولين القطريين من قناة الجزيرة مثل الرئيس المصري حسني مبارك، والمرحوم الملك الحسين، ومسئولين اخرين في دول مجلس التعاون ودول شمال افريقيا، الا ان الجواب الوحيد الذي كانوا يسمعونه من وزير خارجية قطر تحديداً هو ان هذه القناة هي قناة مستقلة، ولا دخل للمسئولين القطريين فيها او في سياساتها وهو بالطبع رد لا يقنع احداً. لقد تسببت الجزيرة خلال الاسابيع الماضية في اثارة ردود فعل غاضبة من المملكة العربية السعودية ومن الاردن. ومما زاد غضب المملكة العربية السعودية هو تزامن حملة الجزيرة عليها، او اثارتها لموضوعات حساسة عن السعودية، في الوقت الذي تحمل فيه الصحف الاميركية ضد هذه الدولة العربية المهمة. وتسرب عنها اخبارا بانها عدوة للولايات المتحدة. واما الاردن فقد جاء تقويم دور جهودها السياسية والدبلوماسية في برنامج صاخب في الوقت الذي يتعرض فيه الاردن لحملة تشكيك واسعة، ولذلك اتخذ الاردن قراراً باغلاق مكاتب الجزيرة في عمان، ومنع ارسال اي تقارير من الاردن عنها عبر مراسلي الجزيرة هنالك. ولقد اطلعت على عدد كبير من المقالات والاراء التي نشرت في الصحف الاردنية عن قناة الجزيرة ووجدت ان بعضها بذل جهدا لضبط النفس والاعصاب، بينما الاكثر كان اتهامياً وانفعالياً وقد يقول البعض ان الاردن كان يجب ان يدافع عن كرامته، وان يصونها من اي عابث، وان يظهر تعاضداً واصطفافاً مع رموز الوطن. وهذا صحيح الى درجة ان التأكيد عليه قد يرقى الى مرتبة الريب في المؤكد، ولكنني لست موافقاً على قرار الحكومة باغلاق مكاتب الجزيرة واذا لم يقلها احد فيجب ان تقال. ان الاردن لن يحول دون رؤية الناس للقناة باغلاق مكاتبها، بل على العكس تماماً، فان هذا سوف يؤدي الى زيادة عدد المتفرجين ولا أقول المشاهدين لهذه القناة. وسوف يزداد الناس قناعة انها جريئة الى اي حد يمكن وصفه، وبأنها هي «محطة الناس» وليست محطة الحكومات. ومن هنا، فان ردة الفعل العاطفية لم تكن مدروسة، بل هي محاولة في غير مكانها، ولقد كان الاجدى للحكومة ان تستمر في انعقادها للجزيرة، وتقدم برامج تفند سياسة قطر مستعينة برموز المعارضة الخارجية لها. وما اكثر الناقدين لوزير خارجيتها، والمتهمين اياه انه هو الذي يحكم فعلا هنالك. ان قناة الجزيرة صارت ظاهرة قد تطول وقد تقصر. ولكنها ظاهرة بكل ما لها وما عليها، بكل من يؤمن بها او يشكك فيها، ولكنها تلعب لعبة الاعلام الحديث بجدارة فهي مستفزة، مستنصرة، وجاذبة للمتابعين. بالطبع، هنالك اردنيون كثيرون يعملون في هذه القناة ممن سيشعرون بالحرج والارتباك، وممن سيسألون عما يفعلونه ازاء الهجمات على الاردن، ولكن على المسئول الاعلامي الاردني ان يسأل نفسه كذلك «وماذا فعلت انا للدفاع عن الاردن، وما هي ادواتي لذلك؟ وكم عددا من الناس اقنعت بالاسلوب الذي اخترته للدفاع عن البلد العربي الاشم ورموزه؟ ان الحكومة الحالية في الاردن بحاجة ماسة الى اعادة النظر في اسلوبها الاعلامي، وطريقة تعاملها مع كثيرين داخل الاردن وخارجه. وكنت قد كتبت سابقا ان سياسة «ينفلقوا»، واتهام الاخرين بـ «الصالونية» والسعي للعودة الى العهود السابقة لن تبقي لها اصدقاء كثرا في هذا الزمن الصعب، ومن الضروري استخدام البصيرة قبل اللسان.