أعلن في قطر مؤخرًا انتهاء اللجنة المكلفة بوضع مشروع الدستور الدائم من إنجاز عملها، وقام رئيس اللجنة الدكتور عبدالله الخليفي مدير جامعة قطر بتسليم المشروع لأمير البلاد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، من أجل التصديق عليه تمهيدًا لإصداره وبدء العمل به ،الامر الذي يعد وبحق خطوة كبيرة في مسيرة الديمقراطية التي بدأها الأمير منذ توليه الحكم في عام 1995. الوثيقة الأساسية التي يرتكز عليها الحكم في قطر هي النظام الأساسي المؤقت الذي صدر في عام 1970 والذي أُدخل عليه بعض التعديلات في عام 1972 ليصبح النظام الأساسي المؤقت المعدل، ويهدف هذا التقرير إلى مقارنة الدستور الدائم الجديد المزمع إصداره بذلك النظام في محاولة للكشف عن مدى التقدم والتطور السياسي الذي يحققه هذا الدستور، لاسيما في مجال فصل السلطات والصلاحيات التي تتمتع بها السلطة التشريعية والسلطة القضائية في مواجهة السلطة التنفيذية على أن نورد في النهاية بعض الملاحظات الختامية والتي تشمل بعض الوصايا المستمدة من التجربة الديمقراطية في الكويت والتي قدمها بعض المفكرين الكويتيين حرصًا على أن تتفادى التجربة القطرية ما من شأنه ان يعوق تطورها. اصلاحات محدودة اتسمت الإصلاحات السياسية التي شهدتها دولة قطر قبل تولي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم بالمحدودية، حيث تمثلت في إصدار أول نظام أساسي مؤقت للحكم في عام 1970، ثم إدخال بعض التعديلات عليه في عام 1972 ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام 1995 العام الذي تولى فيه الشيخ حمد السلطة عاشت قطر فترة وصفها البعض بفترة «الركود السياسي»، حيث لم تجد أي تعديلات جوهرية تمس جوهر نظام الحكم باستثناء بعض التعديلات البسيطة. وقد دفعت هذه الحال مجموعة من الشخصيات القطرية البارزة التي بلغ عددها خمسون شخصًا إلى تقديم عريضة إلى الشيخ خليفة آل ثاني في ديسمبر عام 1991 ينتقدون فيها غياب حرية التعبير في وسائل الإعلام والغموض الذي يحيط بحقوق المواطنة وعملية التوطين، وطالبوا بانتخاب مجلس نيابي له صلاحيات تشريعية واسعة تكون مهمته الأولى إصدار دستور دائم، وقد رُفضت تلك العريضة في وقتها وتم حبس اثنين من الموقعين عليها ومُنع ثلاثة آخرون من السفر لحضور مؤتمر في الكويت. ومع تولي الشيخ حمد الحكم في عام 1995 بدا أن قطر ستشهد مرحلة جديدة تتسم بالعمل على بناء دولة حديثة تأخذ بنظام حكم ديمقراطي.. وقبل أن نشير إلى مجموعة الخطوات التي جاءت في هذا السياق فإنه من الضروري الإشارة إلى ماهية الديمقراطية عند الشيخ حمد. في كلمته أمام «مؤتمر قطر للديمقراطية والتجارة الحرة» «2632002» أكد أمير قطر أن الديمقراطية تشكل الأساس الذي لا غنى عنه لبناء مستقبل الشعب القطري، وأضاف أنها بما تمثله من مشاركة مسئولة في عملية اتخاذ القرار، وبما تنطوي عليه من بناء لمؤسسات الدولة والتزام بحكم القانون، وما تتيحه من قدرة على المحاسبة وتقويم الإدارة الحكومية والإشراف على حسن سير شئون البلاد والمواطنين، هي الوسيلة المثلى لتحقيق أولويات التنمية والتطوير وأهداف التحديث، كما أكد الأمير أن الديمقراطية المطلوب تعزيزها وتكريسها كأساس للحكم في قطر تستقي أسسها وعناصرها من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وتراث التجارب الديمقراطية العريقة في العالم وتراعي في الوقت نفسه المثل والمبادئ العليا الاجتماعية والثقافية والسياسية والتاريخية للمجتمع. تدرج إلى جانب ذلك أشار الأمير إلى أن هذه الديمقراطية يجب أن تكون متعددة الجوانب ومتدرجة المراحل وأن تشمل جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والثقافية بقدر تركيزها على الجوانب السياسية المباشرة، حيث يتعين على المسار الديمقراطي أن يكون سليمًا وشاملاً وأن يتضمن حرية الرأي والتعبير، وأن يكفل استقلالية الإعلام وتعدديته وحريته في الانتقاد والمحاسبة دون رقابة أو تأثير من السلطات. بالإضافة إلى رؤية الأمير حمد بن خليفة آل ثاني للديمقراطية فقد كانت هناك بعض العوامل الأخرى التي كانت تدفع نحو ضرورة تنفيذ برنامج إصلاح سياسي في دول مجلس التعاون الخليجي عمومًا ومنها قطر، وهو ما سنشير إليه بصورة موجزة.. فالبعض أشار إلى أن النفط كعامل اجتماعي وسياسي كان عاملاً أساسيًا في التأثير في اتخاذ قرار الإصلاح السياسي فنشوء دولة الرفاه كوظيفة وكأداة لكسب الولاء السياسي لم يكن ليتحقق من دون وجود النفط ومداخيله، وبالتالي لم يكن مستغربًا تزامن الكثير من مشاريع الإصلاح السياسي مع تراجع مداخيل النفط، إلى جانب ذلك يشير هذا الفريق إلى أن التحولات العالمية وموجة العولمة والحاجة إلى الشفافية ومشروع التجارة العالمية وحماية الملكية الفردية، قد أسهمت في الضغط على دول مجلس التعاون الخليجي لإعمال إصلاحات سياسية هيكلية، حيث بذلت هذه الدول بالفعل جهودًا متباينة في الدرجة والفعالية للتفاعل مع تلك الضغوط. ولم يستبعد آخرون أن تكون التغيرات الحاصلة في قطر هي نتاج ضغوط دولية خارجية، بل وأكدوا أن ذلك لا يسيء في شيء.. وقد أشار د.عبد الحميد إسماعيل الأنصاري عميد كلية الشريعة في قطر أن الشعوب والأمم تتفاعل والتغير حاصل لا محالة.. وقد تقاربت الشعوب في العصر الحالي وأصبحت تملك تراثًا مشتركًا وانتهى العهد الذي كان فيه كل شعب منعزلاً عن الآخر، وبالتالي فإن ما يحصل في أي بقعة من العالم يكون له صدى تأثير في مناطق أخرى سلبًا وإيجابًا. في ظل رؤية الأمير حمد بن خليفة آل ثاني للديمقراطية وتوافر تلك العوامل السابقة اتخذ الأمير عدة إجراءات كرست الانطباع بمضي قطر نحو إجراء إصلاح سياسي، وكان من أبرز تلك الإجراءات ما يلي: 1-إطلاق حرية التعبير عن الرأي والرأي الآخر، في كل وسائل الإعلام القطرية وإلغاء وزارة الإعلام والثقافة، الأمر الذي أضعف من دور الرقيب الإعلامي وقلص حدود الرقابة، كما جاء إنشاء قناة الجزيرة ليكرس الانفتاح الإعلامي على الرغم مما أثارته القناة من تقاطعات حادة مع السياسة الخارجية القطرية في أكثر من مناسبة، ويمكن القول أن افتتاح قناة الجزيرة في نفس الوقت الذي توفر فيه هامش من الحرية للإعلام المحلي قد أدى إلى حصول سجال ثقافي وفكري واسع ساهم في تطوير حالة النقد والمحاسبة والرقابة على الأداء الحكومي. انتخابات كانت الانتخابات البلدية الأولى في قطر التي أجريت في مارس 1999 حلقة في مسلسل التطورات السياسية التي شهدتها قطر مع تولي الأمير حمد الحكم، والأمر الجدير بالملاحظة أن المرسوم رقم 17لسنة 1998 الخاص بنظام الترشيح والانتخاب للمواطنين القطريين لعضوية المجلس البلدي المركزي، قد وسع كثيرًا من حجم المشاركة الشعبية المتاحة أمام القطريين وخاصة قطاع الشباب، حيث نزل القانون بعمر الناخب إلى 18عامًا كما نزل بعمر المرشح إلى 25عامًا فقط، الأمر الذي كان حافزًا نحو تفعيل المشاركة الشعبية في تلك الانتخابات. وقد شهدت هذه الانتخابات معارك ساخنة بين المرشحين الذين بلغ عددهم 229مرشحًا، من بينهم ست سيدات تنافسوا على 29مقعدًا عدد مقاعد المجلس البلدي المركزي- بمعدل يزيد على 10مرشحين لكل مقعد واحد، كما بلغت نسبة المشاركة الشعبية في التصويت حوالي 79%، حيث شارك نحو 17532ناخبًا مدونين في الجداول الانتخابية النهائية، والأمر اللافت للنظر هو ارتفاع نسبة مشاركة المرأة القطرية التي كانت 45% من إجمالي عدد الناخبين. وقد أشار المراقبون إلى أن العملية الانتخابية قد اتسمت بقدر كبير من النزاهة والبعد عن التزوير، ولعل ما يدل على ذلك هو خسارة بعض الشخصيات العامة والوزراء السابقين وكان منهم على سبيل المثال وزير العدل القطري السابق نجيب محمد النعيمي، وينبغي التأكيد في هذا السياق على أن القيادة القطرية كانت قد اتجهت منذ البداية نحو تأكيد نزاهة وحرية الانتخابات، حيث أكدت ضرورة الإشراف القضائي على سير العملية الانتخابية عن طريق ترؤس قاض لكل لجنة انتخابية. وفي إطار تقييم تجربة المجلس البلدي المركزي تباينت الآراء، فالبعض رأى أن أهم إيجابيات المجلس هي أنه جسد المشاركة الشعبية في صنع القرار وإن كان في مستويات ذات طابع خدمي تتعلق أساسًا بالشئون البلدية.. إلا أن نجاحه على هذا الصعيد يمهد للخطوة الأهم على الصعيد الديمقراطي المتمثلة في تشكيل برلمان منتخب طبقًا لما أعلنه الشيخ حمد، على الجانب الآخر أشار البعض إلى أن المجلس البلدي في قطر ليس إلا مجلساً استشارياً ذا صلاحيات ضعيفة لا يملك أي دور تشريعي، ومن ثم فليس هناك أي فرق بين مجلس استشاري معين وآخر منتخب طالما أن الدور الحقيقي لن يتجاوز الدور الاستشاري وربما الرقابي. فصل رئاسة الوزراء ظل منصب رئيس الوزراء مرتبطًا بالأمير طوال فترة طويلة إلى أن أصدر الشيخ حمد بن خليفة قرارًا بتشكيل حكومة جديدة في 30أكتوبر 1996، والأمر المهم في هذا القرار هو إسناد رئاسة هذه الحكومة إلى الشيخ عبدالله بن خليفة آل ثاني، وذلك في خطوة كانت الأولى من نوعها في تاريخ قطر، إلى جانب ذلك سعى الأمير إلى إيجاد منصب نائب رئيس الوزراء، وفيما بعد أقدم على إيجاد منصب نائب الأمير وسعى إلى فصل السلطات ومنح صلاحيات واسعة للوزراء. تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي خصائص تراثية مميزة الأمر الذي يفرض عليها اتباع منهج يتفق مع تلك الخصائص، فهذه الدول جميعًا تتفق على نسق واحد متشابه في هيكلية الحكم، يستمد كيانه ونشأته من نظام «الأسر الحاكمة» التي قادت وتقود الحياة السياسية العامة فيها، وهذه الأسر اجتمعت لها الرياسة والإدارة وتولت شئون الحكم، ونتيجة لعدة معطيات تاريخية كانت هذه الأسر هي المؤسس الفعلي للإمارة وهي الآن تواصل القيام بأعبائها مضفية على النظام الحاكم سمة الاستمرارية والاستقرار، وقد كان هذا مدعاة لأن تسبغ الدساتير الشرعية على النظام السائد من قبل بإقرار الإمارة في الأسر الحاكمة وإضفاء صفة الشرعية على النظام الأميري مع إحاطته بالضمانات والإجراءات القانونية التي تكفل صيانته وديمومته، ومن هنا فقد نص النظام الأساسي المؤقت المعدل على أن الإمارة في قطر تنحصر في أسرة آل ثاني معترفًا لها بالشرعية. في ضوء هذه الخلفية أصدر الشيخ حمد بن خليفة في يوليو عام 2000 قرارًا بإنشاء مجلس العائلة الحاكمة يضم في عضويته 22شخصية من أبرز شخصيات أسرة آل ثاني يمثلون اتجاهات مختلفة وموزعين بين وزراء وسياسيين ودبلوماسيين ورجال أعمال، وقد رأي المراقبون إن إنشاء هذا المجلس يعد خطوة مساندة للنهج الديمقراطي الذي تنتهجه قطر في السنوات الأخيرة، فالأسرة الحاكمة التي تعد من صميم الشعب وتحس إحساسه كونها نسيجاً جوهرياً في تركيبته تشكل دعمًا وسندًا للشعب بما تبديه من آراء ومقترحات لها وزنها وتقديرها عند صانع القرار، مما يتمخض في النهاية عن صدور قرارات تصب في اتجاه تحقيق الصالح العام، ومن هناك يمكن القول أن تشكيل مجلس للعائلة الحاكمة في قطر يعد خطوة نحو استكمال دولة. ملامح النظام الأساسي المعدل ليس الغرض من هذا الجزء هو مجرد سرد ملامح النظام الأساسي المؤقت المعدل، وإنما هو إعطاء صورة واضحة عن طبيعة الحكم والسلطات في هذا النظام، وذلك حتى يمكن رصد التقدم الذي جاء به مشروع الدستور الدائم الجديد الذي تسلمه أمير البلاد مؤخرًا تمهيدًا للتصديق عليه ثم إصداره. بداية يجب التفرقة بين النظام الأساسي المؤقت والنظام الأساسي المؤقت المعدل، فالأول صدر في عام 1970 وكان بمنزلة دستور مكتوب ونص في مواده على وجوب إنشاء مجلس للشورى يساعد الحاكم ومجلس الوزراء في أداء مهامهما ويعبر عن رأيه في شكل توصيات، كما قضى هذا النظام بأن يتألف هذا المجلس من عشرين عضوًا منتخبين، وللحاكم أن يصدر قرارًا بتعيين عدد من الأعضاء لا يتجاوز ثلاثة إذا رأى أن الصالح العام يقتضي ذلك، ورأى البعض أن هذا الوضع يوضح مدى الوعي بضرورة وأهمية المشاركة الشعبية في نظام الحكم من خلال انتخابات حرة منذ البداية فمما لاشك فيه أن الحكم في قطر ومن خلال النص في النظام الأساسي المشار إليه على مبدأ الانتخاب كوسيلة للوصول إلى مجلس الشورى إنما قصد أن يجاري الاتجاه السلمي للتطبيق الديمقراطي في بلد كان لا يزال في تلك الفترة خاضعًا للاحتلال، ورغم ذلك فإن المجلس المنتخب لم يقدر له أن يرى النور وظل تطبيقه معطلاً. أما النظام الأساسي المؤقت المعدل فقد ظهر في عام 1972 على إثر الحركة التصحيحية التي قادها الشيخ خليفة آل ثاني في 22فبراير من هذا العام، وتم إدخال تعديلات على النظام الأساسي المؤقت، ويمكن الإشارة إلى عدة سمات اتسم بها هذا النظام: 1- الإشارة إلى أن قطر دولة عربية مستقلة ولغتها الرسمية هي العربية ودين الدولة هو الإسلام.. والشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، مع النص على أن حرية الاعتقاد مطلقة كما تصون الدولة القيام بشعائر الأديان، مع التأكيد على أن الناس متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم بسبب العنصر أو النوع أو الدين. 2- الأمير هو رئيس الدولة والحكم وراثي في أسرة آل ثاني. 3- النص على أن دولة قطر «نظامها ديمقراطي»، وعلى أن توجه الدولة عنايتها في كل المجالات لإرساء الأسس الصالحة لترسيخ دعائم الديمقراطية الصحيحة وإقامة نظام حكم إداري سليم يكفل العدل والطمأنينة والمساواة بين المواطنين ويؤمن الاحترام للنظام العام ويصون أمن الوطن واستقراره ومصالحه العليا. 4- النص على الطبيعة المؤقتة للنظام الأساسي المؤقت المعدل، فقد نص هذا النظام في ديباجته على أنه ذو طبيعة مرحلية مؤقتة تطبق في فترة دستورية انتقالية تمهد لمرحلة دستورية دائمة يتم خلالها وضع دستور دائم، بيد أن المشروع القطري قد ترك فترة الانتهاء دون تحديد. 5- الاتجاه نحو تقوية السلطة التنفيذية برئاسة الأمير الذي يتولى سلطاته بمعاونة وزرائه، وبصفة عامة لم يأخذ النظام الأساسي المؤقت المعدل في قطر بمبدأ الفصل بين السلطات ويرجع ذلك إلى الظروف التي كانت سائدة في دولة قطر والتي جعلت من الأمير السلطة العليا المهيمنة على كل السلطات. 6- الاتجاه نحو تقليص دور السلطة التشريعية.. فرغم أن ديباجة النظام الأساسي المؤقت المعدل قد جاء فيها تشكيل مجلس شورى «الانتخاب العام السري المباشر» بعد انتهاء مدة مجلس الشورى الأول المعين التي حدد لها عام واحد فقط، إلا أن ذلك لم يحدث وتم التأكيد على أن مجلس الشورى ذو طبيعة استشارية، فطبقًا للمواد 17، 51،40 فإن مجلس الشورى هيئة استشارية تعاون الأمير بالرأي والمشورة في دراسة القوانين قبل إصدارها دون أن يكون لآرائها قوة ملزمة تجاه الأمير أو مجلس الوزراء، كما منح النظام الأساسي الأمير حق تعيين وإعفاء أعضاء مجلس الشورى البالغ عددهم 30عضوًا بعد أن كان الانتخاب هو الأساس، وكذلك منح الأمير حق دعوة مجلس الشورى للاجتماع، وكذلك حق تحديد اختصاصاته وعمله والقضايا المطروحة عليه، مع التأكيد أنه لا يجوز للمجلس أن يتدخل في الأعمال التي تندرج ضمن اختصاصات السلطتين التنفيذية والقضائية إلا بعد موافقة الأمير على ذلك، إلى جانب ذلك فإن للأمير حق حل المجلس متى توصل إلى قناعة تفرض الإقدام على اتخاذ مثل هذه الخطوة انطلاقًا من مقتضيات المصلحة العامة. أدخلت بعض التعديلات البسيطة على صلاحيات مجلس الشورى عام 1975 مثل إطالة المدى الزمني للمجلس والسماح له بالمبادرة في مناقشة المسائل الاجتماعية والثقافية من تلقاء نفسه، فضلاً عن إقرار قاعدتين أخريتين تنص الأولى على جواز تدخل عضو مجلس الشورى في الأعمال التي تعد من صميم اختصاص السلطة التنفيذية أو القضاء، وتضمنت الثانية توفير نوع من الحصانة لحماية عضو مجلس الشورى عند إبداء رأيه وإتاحة الحرية له للتعبير عن تلك الآراء في المجلس، وبصفة عامة تمثلت أهم اختصاصات مجلس الشورى المعين في قطر فيما يلي: 1- مناقشة مشروعات القوانين التي يقترحها مجلس الوزراء قبل رفعها للحاكم للتصديق عليها وإصدارها. 2- مناقشة السياسة العامة للدولة في أي مجال يعرضه عليه مجلس الوزراء. 3- مناقشة مشروع الموازنة للمشروعات الرئيسية العامة. 4- تقديم التوصيات فيما يتعلق بالمسائل المشار إليها. ملامح الدستور الجديد أصدر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر قرارًا في 13يوليو عام 1999 بتشكيل لجنة لإعداد الدستور الدائم للبلاد برئاسة د.عبدالله صالح الخليفي مدير جامعة قطر وعضوية 31عضوًا من أبرزهم مبارك علي الخاطر نائب رئيس الوزراء الأسبق والشيخ حمد بن جبر آل ثاني وزير الخارجية وستة من أبناء الأسرة الحاكمة، بالإضافة إلى أعيان ومثقفي البلاد خاصة في القانون، وذلك على أن تنتهي هذه اللجنة من عملها خلال ثلاث سنوات، ورأى المراقبون أن قرار الشيخ حمد هو دليل على الانفتاح وتأكيد للمساعي التي يبذلها الأمير لبناء دولة المؤسسات والتي طالما تحدث عنها في أكثر مناسبة. في أعقاب صدور قرار الأمير المشار إليه عبر القطريون عن طموحاتهم بخصوص الدستور الدائم، حيث رأى البعض أن ذلك الدستور يجب أن يكون دستورًا ديمقراطيًا، وأوضح هؤلاء مجموعة من المعايير التي يمكن من خلالها أن يتم وضع دستور ديمقراطي وأبرزها ما يلي: 1- أن يكون الدستور الديمقراطي عقدًا مجتمعيًا متجددًا في إطار عقيدة المجتمع وهويته يشارك في مناقشته أفراد الشعب وجماعاته، ويتم وضعه من قبل جمعية تأسيسية منتخبة. 2- أن يلتزم بمبادئ ومؤسسات وآليات وضمانات ديمقراطية ويقوم على أساس مبادئ المواطنة المتساوية، والشعب مصدر السلطات ويرسي أسس حرية التعبير والتنظيم وتحقيق مشاركة سياسية فعّالة، كما يؤسس قيم الديمقراطية في الثقافة والمجتمع ويجعل منها معيارًا للسلوك الاجتماعي. 3- أن يلتزم على الأقل الحد الأدنى المشترك في جميع الدساتير الديمقراطية، وذلك من خلال النص على أن الشعب مصدر السلطات والتأكيد على حكم القانون والنص على الفصل بين السلطات وعلى حرية التعبير والتنظيم، وعلى آلية تداول السلطة التنفيذية والتشريعية عن طريق الانتخابات. في ضوء تلك المبادئ طالب أحد الكتاب القطريين بضرورة أن يكون البرلمان بالانتخاب وليس بالتعيين، لأن المبدأ الأخير فيه إخلال بمبدأ «الشعب مصدر السلطات» ومبدأ «تداول السلطة عن طريق الانتخاب»، كما أكد هذا الكاتب أيضًا ضرورة ألا تحرم السلطة التشريعية من حقوقها الطبيعية، لاسيما حق مراقبة السلطة التنفيذية، فمبدأ الفصل بين السلطات ومراقبة بعضها البعض يقتضي أن يراقب البرلمان الحكومة ويقيم أداءها، ويستجوب أعضاءها ويمنح الثقة ويسحبها منها، كما يجب أن يكون للمجلس التشريعي أيضًا حق التشريع والرقابة على موارد الدولة ومصروفاتها واحتياطياتها وأملاكها العامة، وذلك عن طريق تبعية ديوان المحاسبة له، وحقه في إقرار الميزانية العامة بكل أبوابها وبنودها، وكذلك الحسابات الختامية للدولة. والتساؤل الذي يطرح نفسه هو: هل يحقق الدستور الدائم الجديد طموحات القطريين؟، وهل يأتي بجديد يختلف عن النظام الأساسي المؤقت المعدل؟ الإجابة على هذا التساؤل ستكون عن طريق استعراض ملامح ذلك الدستور، غير أنه ينبغي الإشارة أولاً إلى إحدى الخطوات التمهيدية التي اتخذها أمير البلاد قبل تسلمه مشروع الدستور من اللجنة المكلفة بإعداده، حيث قام الأمير في 5يونيو 2002 بإصدار قرار أميري بمد مجلس الشورى القطري لمدة سنتين ميلاديتين تنتهيان في يوم 30يونيو 2004، كما صرح خلال جولته الأوروبية الشرق أوسطية الأخيرة أن الانتخابات التشريعية الأولى في قطر ستجري خلال سنة ونصف. وقد رأى المراقبون أن تمديد العمل بمجلس الشورى القطري لمدة سنتين يعد فترة كافية لاستصدار القوانين الخاصة بتطبيق الدستور وتدارس كيفية إجراء الانتخابات البرلمانية، كما أن هذا التمديد سيمنع حدوث أي فراغ تشريعي أو دستوري في البلاد حتى يتم انتخاب المجلس التشريعي الذي سيحل محل مجلس الشورى القائم حاليًا. وقد أنهت لجنة وضع مشروع الدستور الدائم أعمالها، حيث تسلم الأمير المشروع في 2يوليو2002، ورغم أن الدستور الجديد لم يتم إصداره حتى لحظة كتابة هذه السطور، إلا أن هناك بعض الملامح العامة التي أشار إليها رئيس اللجنة فيما يتعلق بالدستور، والتي يمكن من خلالها رصد التطور والتقدم الذي جاء به فيما يتعلق بالتجربة الديمقراطية في قطر. يتكون الدستور الجديد من 150مادة ضمن خمسة أبواب هي «الدولة، وأسس الحكم، والمقومات الأساسية للمجتمع، والحقوق والواجبات العامة، وتنظيم السلطات، والأحكام الختامية»، وقد نصت المادة الأولى منه على أن «دولة قطر عربية إسلامية دينها الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي لتشريعاتها وهي جزء لا يتجزأ من الأمة العربية والمنظومة الدولية»، ويتمتع الدستور بحصانة لمدة عشر سنوات، حيث لا يجوز تعديله خلال تلك الفترة، وبعد ذلك فإن التعديل يقتضي موافقة ثلثي أعضاء المجلس المنتخب بالإضافة إلى الأمير، وبذلك يكون الدستور واضحًا في تعيين الطريقة التي يمكن من خلالها فقط إجراء أي تعديلات عليه، ولكن على أن يكون قد مر على العمل به مدة عشر سنوات. شدد الدستور على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاثة من خلال التفرقة بين السلطة التنفيذية برئاسة الأمير ويعاونه مجلس الوزراء والسلطة التشريعية «مجلس الشورى المنتخب» والسلطة القضائية، وقد ظهر جليًا مبدأ الفصل في السلطات الممنوحة للسلطة التشريعية والقضائية في مواجهة السلطة التنفيذية. أما السلطة التشريعية فإنها تتكون من مجلس الشورى المكون من 45عضوًا ومدة ولايته أربع سنوات على أن يتم انتخاب ثلثا أعضائه «30عضوًا» بالاقتراع السري المباشر من قبل المواطنين ذكورًا وإناثًا، ويعين الأمير الثلث الباقي «15عضوًا» ويتولى المجلس سلطة التشريع والمراقبة وإقرار الموازنة العامة ومحاسبة الوزراء ومراقبة السلطة التنفيذية، وله حق مساءلة الوزراء واستجوابهم وطرح الثقة بهم، وقد أشار رئيس لجنة وضع الدستور إلى أن اللجنة اعتمدت مبدأ تشكيل برلمان واحد منتخب وليس مجلسين نظرًا إلى صغر حجم السكان في قطر ورغبة الأمير في أن يكون هناك مجلس تشريعي ديمقراطي، وكذلك إرساءً للديمقراطية وحتى لا يحد المجلس المعين ـ حالة وجوده ـ من صلاحيات المجلس المنتخب. أما السلطة التنفيذية التي يرأسها الأمير ويعاونه مجلس الوزراء فقد أتاح الدستور للأمير حق تعيين ثلث عدد أعضاء مجلس الشورى، بالإضافة إلى حقه في حل المجلس، وذلك في «حالات سياسية»، ولكن إذا تم حل المجلس لابد من إجراء انتخابات، أما بالنسبة للسلطة القضائية فقد أكد الدستور على أنها سلطة مستقلة لا سلطان عليها إلا للقانون مع التأكيد على أن الناس سواسية أمام القانون في الحقوق والواجبات. إلى جانب ذلك ضمن الدستور الكثير من الحريات العامة مثل حرية التجمع وحرية تكوين الجمعيات وحرية الصحافة والطباعة والنشر وحرية الفكر وحرية البحث العلمي وحرية العبادة والفكر، غير أن التساؤل الذي طرح نفسه في هذا الخصوص هو مدى السماح بتكوين الأحزاب.. وقد أشار رئيس لجنة وضع الدستور إلى عدم السماح بإنشاء الأحزاب وذلك بسبب أن «المجتمع مازال قبليًا صغيرًا ومتجانسًا»، كما أن الدستور «قضى بأن ينتخب المجلس من كل المناطق وفئات الشعب وهناك قسم آخر معين ليغطي إذا كان هناك نقص في التمثيل البرلماني»، والواقع أن المراقبين كانوا يستبعدون أن ينص الدستور على حق إنشاء الأحزاب مستندين في ذلك على تصريحات وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، الذي أشار إلى أن قطر بلد صغير بعدد سكان محدود بما لا يتناسب مع حياة سياسية حزبية. وفي محاولة أولية لتقييم هذه الملامح الذي جاء به مشروع الدستور القطري الدائم فإنه ينبغي التأكيد أن المشروع قد حقق تقدمًا وتطورًا هائلاً بالنظر إلى النظام الأساسي المؤقت المعدل، فالدستور الجديد قد نص على مبدأ الفصل بين السلطات ووضع الخطوات العملية لترجمة هذا المبدأ إلى واقع فعلي، في حين أن النظام الأساسي لم يأخذ أصلاً بمبدأ الفصل بين السلطات، حيث جمعها كلها في يد الأمير، كما أن الدستور الجديد منح السلطة التشريعية صلاحيات وحقوقاً لم تكن موجودة في النظام الأساسي، فبعد أن كان مجلس الشورى ذا صفة استشارية وليست له أي آراء ملزمة وينحصر دوره في القضايا المطروحة عليه فقط، وليس له حق التشريع أو الرقابة أو محاسبة السلطة التنفيذية أصبح المجلس يملك الصلاحيات الموجودة في النظم الديمقراطية الأخرى والتي تتيح له مراقبة ومحاسبة وتقييم أداء السلطة التنفيذية، في الوقت نفسه تم النص على استقلالية السلطة القضائية وعدم خضوعها لأي سلطة أخرى. غير أن الملاحظة المهمة هنا هو أن الأمير يمتلك تعيين 15عضوًا من أعضاء مجلس الشورى المنتخب والذي يبلغ عدد أعضائه 45عضوًا، بمعنى أن الأمير يمتلك تعيين ثلث الأعضاء، وهو رقم كبير يعطي للسلطة التنفيذية نفوذًا كبيرًا داخل السلطة التشريعية، لاسيما وأن هؤلاء المعينين قد يعملون لصالح السلطة التنفيذية، ومن جهة أخرى فإن إعطاء الأمير حق حل المجلس في «حالات سياسية» معينة يحمل في طياته نوعًا من الغموض وعدم الوضوح حول ماهية هذه الحالات السياسية وكيفية تحديدها معناها، وأيًا كان الأمر فإن المؤكد أن قطر مع هذا الدستور تخطو خطوة قوية وهائلة نحو دولة المؤسسات، وصياغة مسيرة ديمقراطية عبر برلمان منتخب لأول مرة في تاريخها. ملاحظات ختامية حرصًا على الاستفادة من تجارب الآخرين لاسيما المحيطين بدولة قطر ومن أجل تفادي أي أخطاء وقعت فيها تلك التجارب وبما ينعكس بالإيجاب على التجربة الديمقراطية في قطر فقد عمد أحد المفكرين الكويتيين إلى تقديم بعض الوصايا المستخلصة من التجربة الكويتية إلى القائمين على المسيرة القطرية، وأهم هذه الوصايا ما يلي: 1- يجب أن يتضمن الدستور الجديد الحقوق الكاملة المعروفة للديمقراطية وهى الاقتراع الكامل للجنسين بسرية مؤمنة، والتعددية والمداولة وسيادة القانون والشفافية والمحاسبة والمعارضة وثقافة الحوار وتقبل الرأي الآخر وأخلاقية التخاطب، وذلك تفادياً لما قامت به التجربة الكويتية التي لم تأخذ ببعض هذه الحقوق فمنعت المرأة من ممارسة حقوقها الديمقراطية وأدارت انتخابات فردية لا تستند على تجمعات حزبية أو على حكم الأغلبية أو على برامج سياسية ملزمة للمنتمين إليها. 2- الحرص على أن تكون قطر دائرة انتخابية واحدة حفاظًا على سلامة الوحدة الوطنية واللحمة القطرية من مشاكل الطائفية القبلية والفئوية وتجاوز العصبية السياسية.. فتوزيع الدوائر الانتخابية في الكويت إلى نحو 25دائرة أسهم في تفتيت البنية الكويتية الواحدة مما أفرز عدة ظواهر مثل «التوسل القبلي والتجنيد الطائفي والشحذ المعنوي من أجل الحصول على الأصوات»، الأمر الذي أنتج «لوحة سياسية سيريالية مملوءة بالموزاييك القبلي مع تحالف إسلامي سياسي أضر بالكويت». 3 - الانتباه إلى بعض إفرازات الممارسة السياسية التي تشيد جدران عازلة بين أبناء المجتمع، حيث ظهرت في الكويت بعض الطروحات التي وصفت أهل الكويت الحاملين للاستنارة التقليدية بـ «الفئة النخبوية» التي لا تهتم بالمطالب الشعبية. 4 - التفكير في الأضرار التي يمكن أن تترتب على تطبيق قاعدة المساءلة الفردية الوزير فقط، بدلاً من مساءلة أو طرح الثقة في الحكومة كلها، لاسيما وأن هذه القاعدة قد يتم تطبيقها دون اعتبارات للصالح العام أو بلا أسباب مقنعة. 5 - ضرورة توفير الكوادر المزودة بالمعلومات القادرة على الاحتفاظ بالمبادرة في التشابك التثقيفي مع أبناء الشعب، لاسيما عند حدوث أي أزمات سياسية داخلية.. وتبدو أهمية هذه النقطة في ضوء الأزمة الأخيرة التي شهدتها الكويت بسبب استجواب وزير المالية، حيث لم تستطع الحكومة أن تتواصل تثقيفيًا مع الشعب عبر ندوات تلفزيونية وصحفية وفتح الصالونات للدفاع عن سياستها وتوضيح المبالغات والتشويهات في طرح المعارضة التي كانت تلاحق وزير المالية. 6- ضرورة التأكيد على هيبة القانون وحضور السلطة لأن الديمقراطية ليست غوغائية وفوضى، وإنما هي جدل واضح حول برامج ومذاهب وتوجهات.