بسبب الروابط العنكبوتية التي تجمع الاقتصاد الاميركي باقتصاديات اوروبا وجنوب شرق اسيا ومجمل العالم الثالث فان هناك مخاطر تحدق بالجميع. فحتى اوروبا التي ارتفعت عملتها في مواجهة الدولار.. وقوي مركزها الاقتصادي بسبب ذلك فان أضراراً لابد من ان تلحق بها اقلها ارتفاع نسبة البطالة فيها.. وتوجه قطاع اكبر من المهاجرين اليها.. وكذلك انخفاض معدل النمو. بالطبع لا تقاس الاضرار التي يمكن ان تلحق بالاقتصادات القوية باقتصادات نامية كما في حالة الافارقة والشركاء العرب للتجارة مع الولايات المتحدة. فتراجع الطلب الاميركي على السلع التي تصدرها هذه الدول يؤدي الى عدم قدرتها على سداد فوائد الديون وكذلك على استمرارها في الاقتراض لزيادة دين خارجي يزيد كل يوم بعد ان وصل حسب صندوق النقد الدولي الى 2 تريليون دولار على دول العالم النامي بنهاية عام 2000. فما حدث للاقتصاد الاميركي حتى قبل انفجارات سبتمبر «خلال الربع الثاني من عام 2001» من انخفاض للناتج المحلي سبب خسائر جسيمة للمستثمرين في اسواق المال بلغت 1200 مليار دولار. الاقتصاد الاميركي هو الاخر يعيش على الدماء التي تتدفق في شرايينه من خلال الاستثمارات المالية خاصة في قطاع صناعة المعدات. فقد وصلت هذه الاستثمارات الى أعلى معدل لها خلال الفترة من سبتمبر 1999 وحتى ابريل 2000 حيث زادت بمعدل 69 مليار دولار.. هذا المعدل لم يرتفع الا 3 مليارات دولار خلال الفترة من اول يوليو 2000 وحتى مارس 2001.. وحدث توقف مفاجيء هبط بمعدلات النمو الاميركية من 6% الى اقل من 1%. وظل فريق بوش الاقتصادي يرى ان بقاء الدولار قويا يمثل مصلحة استراتيجية عليا لاميركا رغم الدعوات المتكررة بخفضه وهو ما اجبر على فعله فيما بعد حيث تم تخفيض سعر الدولار 11 مرة خلال شهور قليلة.. تحتاج الولايات المتحدة بشكل مستمر الى تدفق الاموال لانها انتقلت من موقع الدائن للعالم بنحو 340 مليار دولار عام 1980 الى مدين له عام 2000 بقيمة اجمالية تصل الى 1800 مليار وتعدى الرقم هذه الحدود فيما بعد ليصل الى نحو نصف الناتج القومي وهو ما يشكل خطرا بالغا في مواجهة الجميع. ولمواجهة العاصفة الاقتصادية حاولت ادارة الرئيس بوش منذ بدايات 2001 الانتهاء من منطقة التجارة الحرة العملاقة «فتا» بهدف تكوين اوسع منطقة تجارة بنواتج محلية لدولها تفوق 11 تريليون دولار وبتعداد سكان يفوق 800 مليون نسمة تضمهم قارتي اميركا الشمالية والجنوبية.. وحاول بوش نقل التأسيس الورقي للمنطقة الى شيء يدخل حيز التنفيذ على أرض الواقع. وكان الالحاح على تمرير الاتفاق يهدف الى استعادة مكانة الولايات المتحدة في محيطها الاقليمي بعد ان تربعت على عرش العالم حيث تعايشت واشنطن وفقا لمبدأ مونر والذي يرى اميركا اللاتينية محمية اميركية يحظر على الاطراف الخارجية الاقتراب منها. تحركت الادارة الاميركية الحالية مستحضرة روح جيمس مونر والذي وجه يوم 2 ديسمبر عام 1823 رسالة قوية الى اوروبا مطالبا اياها باسقاط اميركا اللاتينية من حساباتها التوسعية وان تنأى بنفسها عن الانغماس في منطقة تعتبرها اميركا محظورة الا لها هي وحدها. ورغم فشل الادارات الاميركية المتعاقبة في اضواء دول اميركا اللاتينية الا ان ذلك لم يمنعها من المحاولة.. وبدا ان هناك محاولة للاعتراف بالذنب عبر عنها روبرت تروبليك احد ممثلي اميركا التجاريين الى شيلي حينما قال «ان السياسة التجارية لأميركا انحرفت في السنوات الاخيرة وليس هناك احد يلام سوى انفسنا وهناك ثمن يتعين علينا دفعه لاننا تأخرنا». بالطبع سيحاول الاقتصاديون الاميركيون اللعب بكل الاوراق المتاحة للنجاة بالاقتصاد الاميركي من شبح الانهيار غير ان الممارسات السياسية «وأيضاً الاقتصادية» الاميركية لا تشجع احدا على مد يد العون لواشنطن الا بمقدار ما تقتضيه مصالحه الاقتصادية او تدفع عنه اذى سياسياً قد تمثل ثمناً لا يستطيع دفعه.