تصدرت أحدث فضيحة اقتصادية من مسلسل فضائح الفساد الصحف الأميركية، وازاحت حملات التحريض لضرب العراق إلى المرتبة الثانية في اهتماماتها، وان خرجت بعض الصحف على الاجماع، وركزت على خطاب صدام حسين الرئيس العراقي، وجعلت منه موضوعاً رئيسياً لغلافها، فيما تواصل الصحف البريطانية العزف على وتر تحذير جورج بوش الرئيس الأميركي من المضي في مغامرة شن هجوم عسكري على العراق، معتبرة ان مثل هذه الغزوة ستشعل حروباً تجتاح منطقتي الشرقين الاوسط والأردني ووسط آسيا، وعكست الصحف البريطانية اتساع نطاق المعارضة داخل اوروبا شعبياً ورسمياً لخيار بوش العسكري. واحتلت الفضيحة الجديدة لمؤسسة «وورلدكوم» الأميركية العملاقة العناوين الرئيسية لكبريات الصحف الأميركية «الواشنطن بوست، نيويورك تايمز، لوس انجلوس تايمز، وول ستريت جورنال، يو اس ايه توداي، واشنطن تايمز». ففي عنوانها الرئيسي تناولت «واشنطن تايمز» فضيحة «وورلدكوم» جديدة حيث تكشفت تفاصيل اختلاس ثلاثة مليارات و300 مليون دولار ليرتفع حجم الأموال المنهوبة إلى أكثر من سبعة مليارات دولار. وطبقاً لمراجعة كشوف حسابات المؤسسة للاعوام ما بين 1999 و2001، تبين ان الأموال المنهوبة والمختلسة وقعت في العامين الاخيرين، حيث سيتفاقم حجم الاتهامات الموجهة إلى سكوت سوليفان المسئول المالي السابق للمؤسسة المسجون حالياً وزميله الفاسد ديفيد مايرز كبير مراقبي «وورلدكوم». وتناولت صحيفة «واشنطن تايمز» خطاب صدام حسين وجعلت منه عنوانها الرئيسي، حيث توعد الاعداء بأن النعوش في انتظارهم، رغم انها بدأته بوصف صدام بالزعيم المهزوم، وقالت انه توعد قوى الشر ـ في اشارة لبوش ـ بأن يحمل نعشه عندما يبدأ غزوته. ونقلت الصحيفة عن ناطق بلسان الشريف علي المرشح ملكاً للعراق حال اسقاط النظام الجمهوري، طبقاً للمخطط الأميركي، قوله ان تهديدات صدام مجرد كلمات حماسية لا وقع لها. وتأكيداً لاتساع شقة الخلاف الأميركي البريطاني جعلت صحيفة «الاندبندنت» البريطانية عنوانها الرئيسي: بريطانيا تحذر الولايات المتحدة: الحرب على العراق قد تعم المنطقة بأكملها. ونقلت «الاندبندنت» عن مصادر دبلوماسية وعسكرية مسئولة ان لندن نصحت واشنطن بألا تبادر بمهاجمة العراق. وقالت ان التحذير البريطاني تضمن ان ضرب العراق سيؤدي إلى اشعال حروب في فلسطين وكشمير واشعال الاوضاع في افغانستان وشبه القارة الهندية. على ان اقوى تعليق للصحف البريطانية امس نشرته «الاندبندنت» تحت عنوان نعم نحتاج تغييراً في نظام هذه الدولة المارقة. واوضحت الصحيفة ان الدولة المارقة هي الولايات المتحدة الأميركية، التي تحكمها إدارة بلا شرعية، وتتبنى خطاباً دولياً عدوانياً، وتضع خصومها في السجون دون محاكمة، وتعادي الزعماء المنتخبين ديمقراطياً، مثل محمد خاتمي في ايران، وياسر عرفات في فلسطين. وتقترح «الاندبندنت» وضع الولايات المتحدة الأميركية تحت وصاية ديمقراطية لمدة خمس أو عشر سنوات، على غرار تجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، لحين تبني نظام انتخابي يقوم على الاغلبية المطلقة. ويؤكد مقال الاندبندنت ان حكومة بوش تخصص اعلى النفقات لأسلحة الدمار الشامل وتبني ترسانة عسكرية لم يعرف العالم مثيلاً لها، موجودة في واشنطن. ويضيف «انها حكومة موجودة في السلطة دون شرعية الاغلبية الديمقراطية، وان كلماتها هي الاكثر عدوانية تجاه كل من تصنفه عدوا لها، كما ان خصومها يقبعون في السجون دون محاكمة. ويقول المقال انه لا يوجد صديق للديمقراطية سوى أميركا قد رفض التعامل مع الزعيمين الوحيدين اللذين انتخبا ديمقراطياً في العالم الإسلامي وهما محمد خاتمي الرئيس الإيراني وياسر عرفات الزعيم الفلسطيني. ويعدد مقال الاندبندنت مساويء الإدارة الأميركية حتى يطرح اقتراحاً لتغيير النظام في الولايات المتحدة بوضعها تحت وصاية ديمقراطية حقيقية لمدة خمس أو عشر سنوات على غرار التجربة الأميركية في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، لحين تبني نظام انتخابي يقوم على الأغلبية المطلقة، لتأخذ الولايات المتحدة مكانها بين الدول المحبة للسلام. صحيفة «التايمز» تابعت الموقف في العراق وانعكاساته على السياسة المحلية وقالت في عنوانها الرئيسي: نقابات العمال تتحدى بلير فيما يتعلق بالحرب على العراق. وتقول «التايمز» انها علمت ان نشطاء الحزب ونقابات العمال تعد لقرارات طارئة ستطرحها على المؤتمر السنوي للحزب في بلاكبوول الشهر المقبل تطالب فيها الحكومة بمعارضة أي حرب تقودها الولايات المتحدة ضد الرئيس العراقي. وفي صفحة داخلية تنشر «التايمز» تقريراً عن الوضع في العراق بعنوان يقول: العراق يخطط لاستدراج القوات الأميركية من الصحراء إلى حرب شوارع. وتنقل الصحيفة عن تقارير استخباراتية قولها ان العراق يعتزم تجنب معارك الصحراء مع القوات الأميركية وانه سيستدرجها بدلاً من ذلك إلى المناطق السكنية، وانه بمقتضى هذه الاستراتيجية قد يضع العراق ملايين المدنيين في المناطق التي يستهدفها القصف الأميركي ليجعل من ذلك عائقاً امام القصف يدفع القوات الأميركية إلى خوض حرب شوارع. ونشرت «التايمز» عدة تقارير عن الشأن الفلسطيني منها تحذير على لسان الوفد الفلسطيني الذي يجري محادثات مع المسئولين الأميركيين في واشنطن يقول: اما عرفات أو الفوضى. وتنقل «التايمز» عن صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين قوله «لم يكن مقبولاً من الرئيس الأميركي ان يطرح مطلباً كهذا فكلنا نعرف ان البديل لعرفات هو الفوضى. وانتقد عريقات في محاضرة القاها بمركز بحثي في واشنطن تصريحات منسوبة إلى دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي اعرب فيها عن شكوكه في حق الفلسطينيين في الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام سبعة وستين. وقال عريقات ان موقف رامسفيلد يتناقض كلياً مع موقف الرئيس الأميركي. أما صحيفة «ديلي تلجراف» المعروفة بنزعتها الاستعمارية المتطرفة فنشرت مقالاً يحرض على توجيه ضربة وقائية ضد العراق. وهاجم كاتب المقال صحيفة «الجارديان» لرفضها المشاركة في الضربة الأميركية للعراق، واتهمت كاتباً في الجارديان بأنه رجل صدام في لندن. في الشأن الفلسطيني رصدت «الجارديان» الاوضاع في جنين المحاصرة، التي تتعرض في باقي مدن الضفة وغزة لعدوان متواصل وضربات انتقامية مركزة بدلاً من الاحتياجات الواسعة. مراسل «الجارديان» ينقل عن مصادر إسرائيلية قولها ان شارون وكبار قادة الجيش الإسرائيلي قد غيروا تكتيكاتهم في الآونة الأخيرة بسبب الانتقادات الدولية المتصاعدة، فهم لا يعتمدون على الهجمات الواسعة ويتبعون ضبط النفس بدلاً من الانتقام الفوري. وترصد «الجارديان» الاوضاع في جنين بهذه الكلمات: لا يمكنك ان تتجنب الاحساس بالغضب والرهبة وهو يغشاك وانت تزور اكوام الركام في جنين أو منظر الهوة التي خلفتها قنبلة اسرائيلية وزنها طن سوت منزلاً بالأرض في غزة.. الرهبة ازاء القدرة التدميرية للأسلحة الحديثة، والغضب تجاه القتل العشوائي للمدنيين. ويستخلص مراسل «الجارديان» من واقع معايشته لجحيم الاحتلال، ومشاهدته الرصاص الذي يطلقه الجنود الإسرائيليون ان المقاومة مستمرة طالما استمر الاحتلال.