ملأت إسرائيل الدنيا صراخا عبر موجات متتالية من الحملات الإعلامية تتهم العرب بالدكتاتورية وكبت الحريات، وفي المقابل سعت لتصوير نفسها على أنها واحة الديمقراطية والحرية في المنطقة، فهل توجد حرية تعبير في إسرائيل كما تدعي دوما؟ وهل تتيح الديمقراطية المزعومة للبحث العلمي أن يدلى برأيه في إطار أكاديمي؟ الإجابة قدمها منذ أيام تقرير مهم نشرته جريدة «هآرتس» . التقرير كشف عن سلسلة طويلة من التخويف والترهيب والملاحقات التي يتعرض لها أكاديميون مؤخرا في إسرائيل بشكل اعتبره «مردخاي كريمنيس« )وهو بروفيسور في القانون بالجامعة العبرية( خطرا داهما على حرية التعبير والرأي يتفشى بتشجيع من حكومة شارون التي تهدف من هذا تكميم الأفواه المعارضة لسياستها مؤكدا أنه حتى في وقت الحرب تمنح الدول المتقدمة الأكاديميين حرية تعبير واسعة وهو ما تجلى في ظهور أصوات معارضة للسياسات الأميركية خلال الحرب الباردة وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر دون أن تتعرض لما يتعرض له الأكاديميون في إسرائيل. الهجمات المتتالية على الباحثين تتركز على هؤلاء المؤيدين لرفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي، و تأتي المضايقات التي قد تصل لرفع دعوى قضائية أو تقديم شكوى أمام إدارة الجامعة في أحيان كثيرة من وزيرة التعليم الإسرائيلي نفسها. ومن النماذج الكثيرة على ذلك رفع دعوى قضائية ضد المؤرخ «موشية سميرمان» )استاذ في الجامعة العبرية( بسبب موقفه المؤيد لرفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي، الدعوى كان هدفها المضايقة والإرهاب فقط على كل ما يبدو فقد سقطت فور نظرها لعدم استيفائها للأدلة التي تشير لوقوع )جريمة(. في جامعة بن جوريون تم تحريض الطلبة لرفض زيارة كان من المخطط أن يقوم بها قيادي حزب العمل يوسي بيلين )بسبب مواقفه اليسارية ورفضه الانضمام لائتلاف شارون- بيريز ( ،في الوقت الذي وصلت فيه الهجمات لجامعة حيفا أيضا حيث تقدمت وزيرة التعليم الإسرائيلية «ليمور لفنات « بشكوى لإدارة الجامعة تتهم فيه «أفراهام عوز» أحد الأستاذة: بالتعبير عن مواقف سياسية خلال محاضراته في الجامعة وهي )التهمة( التي وجهتها الوزيرة في وقت لاحق لأحد زملاء «عوز» أيضا. هجمات وزارة التعليم بقيادة ليمور ليفنات )قيادية حزب الليكود المتطرفة طالت كذلك الدكتورة فيرد كراوس المتخصصة في الاحصاء في اعقاب محاضرة القتها في الجامعة وتطرقت خلالها للأوضاع الحالية داخل إسرائيل! مواقف الوزيرة جاءت بهدف إرهاب نحو 250 عضو هيئة تدريس في جامعات إسرائيل المختلفة قاموا بالتوقيع على بيان يؤيد اتجاه الشباب لرفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي طالما كانت الخدمة في الأراضي المحتلة. وقد استعانت الوزيرة في هذا المجال ب«الياكيم روبنشين» المستشار القانوني لحكومة شارون الذي افتى لها بأن التصدي للأكاديميين قانوني لأنهم يشجعون على الخروج على القانون، وبل يدعون للتمرد والعصيان. الأمر الذي دفع عضوة الكنيست عن حزب ميريتس «زهافا جلاؤون» للتقدم بشكوى أمام الكنيست تتهم فيها وزيرة التعليم صراحة بانتهاك الحريات وتكميم أفواه البحث الأكاديمي وهو الموقف الذي وجدت نفسها فيه بمفردها تقريبا وسقط الاحتجاج. وكانت لجنة التعليم داخل الكنيست قد سعت بشكل فج لدفع أحد الأساتذة بالجامعة العبرية للتجسس على زملائه خاصة وأنه يناصر سياسات شارون بقدر كبير. والأغرب أن مستشار حكومة شارون نفسه بدأ يتهرب من مسؤولية ملاحقة الأكاديميين ملقيا باللوم على وزارة التعليم حيث قال تلقيت أكثر من شكوى من وزيرة التعليم ضد أساتذة الجامعات وقد وجدت أن بعض الحالات ـ الدكتور ستمرمان تحديدا ـ عبرت عن مواقف غير مسؤولة وتدعو للغضب إلا أنني أرى أن محاكمته على أقواله ومواقفه تستوجب المزيد من الحذر. في القوت نفسه لوحت النيابة العامة بأن من سيناصر مواقف الرافضين للخدمة العسكرية سيقدم بدوره للمحاكمة. على الجانب الآخر قال الدكتور افنيري وهو أحد الأصوات المعتدلة داخل جامعة تل أبيب: من يعلن تأييد لحركة رفض الخدمة في المناطق المحتلة يعلم تماما أنه معرض للتصفية لكن في المقابل لا يجب على وزيرة التعليم أن تتخذ إجراءات ضد أكاديميين. من حقها أن تعبر عن رأيها داخل الحكومة لكننا نرفض السياسات البوليسية ونرفض أن تفرض رأيها وتكمم حرية التعبير داخل الجامعات. الوزيرة أعلنت أن حرية التعبير ليست غير محدودة وليست مطلقة بل تسرى فقط على التعبير عن الرأي في مضامين المناهج التدريسية والأمور التي من شأنها تطوير مهارات الطالب. الكنيست أعرب في النهاية عن دعمه للوزيرة ووصف ما قامت به ضد أساتذة الجامعات بأنه مشروع ولا يضيق الخناق على حرية التعبير والبحث العلمي!