تمر حركة المقاومة الفلسطينية بمرحلة في غاية الدقة والتعقيد ربما لا يوجد مثيل لها في تاريخ حركات التحرير الوطني المعروفة، ويمكن تحديد أبعاد هذه المرحلة على النحو التالي: 1 ـ نجاح العدو الاسرائيلي في تصفية قيادات هامة ومؤثرة في حركة المقاومة، اضافة الى اعتقال واصابة الآلاف من الكوادر المدربة. 2 ـ اتجاه العدو الاسرائيلي الى تبني سياسة العقاب الجماعي ضد الشعب الفلسطيني، مع البدء بأسر الشهداء الذين يقومون بعمليات استشهادية. 3 ـ دخول الولايات المتحدة كطرف متحالف مع اسرائيل في سياستها الارهابية في الأراضي الفلسطينية سواء تجاه الشعب الفلسطيني أو سلطته الوطنية. 4 ـ ضعف المساندة العربية والدولية، بل إن هناك بعض القوى الدولية صارت أقرب الى الموقف الأميركي تجاه القضية الفلسطينية، نتيجة للضغوط الأميركية الشديدة، والتي وصلت الى صدور التقرير الفضيحة عن الأمم المتحدة بشأن مجزرة جنين5. ـ الضغوط الشديدة التي تتعرض لها السلطة الوطنية الفلسطينية الأمر الذي يجعلها تتبنى مواقف مضادة للعمليات الاستشهادية التي تنفذها قوى المقاومة. 6 ـ بروز اتجاه داخل منظمة فتح لاعلان وقف لاطلاق النار من جانب واحد ودون الزام اسرائيل بأي شروط مقابل ذلك. 7 ـ استمرار سياسة شارون الرامية الى اجهاض أي محاولة للتهدئة، فبمجرد تناقل وسائل الاعلام الغربية والاسرائيلية لاتجاه منظمة فتح اعلان وقف اطلاق للنار جاءت مذبحة غزة، التي أدت الى ردود أفعال قوية من جانب قوى المقاومة الأخرى، تمثلت في عملية الجامعة العبرية في القدس وغيرها من العمليات، الأمر الذي أدى الى تأجيل فتح لاعلان وقف اطلاق النار. رؤى جديدة وقد أدى هذا الموقف الشاروني الى حدوث اختلاف في وجهات النظر على المستوى الفلسطيني، حيث رأى البعض أن شارون يريد أن يدفع قوى المقاومة الى القيام بالمزيد من العمليات الأمر الذي يوفر له المبرر لتنفيذ سياسته الخاصة بتهجير أعداد متزايدة من الفلسطينيين، ودفع الفلسطينيين الى الانتحار، حيث أن توازن القوى الميداني ليس في صالح الفلسطينيين، الأمر الذي يعني أن تكاليف وأعباء عمليات المقاومة تفوق أي عائد متوقع منها، بل أنها تزيد من تعقد وصعوبة الأوضاع المعيشة للشعب الفلسطيني البالغة السوء، وهو ما قد يؤدي الى ظهور قوى رافضة لأعمال المقاومة من داخل الشعب الفلسطيني. في حين يرى فريق آخر أن هذا الموقف الشاروني يؤكد أنه لا سبيل لإدارة الصراع مع اسرائيل خلال هذه المرحلة إلا من خلال المقاومة المسلحة والأعمال الاستشهادية، ووفقا لهذا الاتجاه فإن استمرار هذه العمليات سوف يؤكد فشل شارون في تحقيق الأمن لاسرائيل، أما التوقف فإنه يعني نجاح شارون في تحقيق هدفه، كما أن التوقف الآن لن يكون له أي مردود على تحسن الأوضاع المعيشية للشعب الفلسطيني بدليل استمرار عمليات التصفية والقمع والارهاب الاسرائيلي حتى في الفترات التي لم تحدث بها أي عمليات، وكذلك عند اعلان فتح عن استعدادها لوقف اطلاق النار من جانب واحد، ومن ثم فلا سبيل بالنسبة لهذا الاتجاه إلا استمرار عمليات المقاومة. وهكذا فثمة رؤى جديدة بدأت تظهر حول جدوى استمرار المقاومة والعمليات الاستشهادية في ظل هذه الظروف المعقدة. وإزاء هذا الموقف الذي تمر به حركة التحرر الوطني يمكن أن نعرض لبعض السيناريوهات الممكنة والمتاحة لحركة المقاومة الفلسطينية على النحو التالي: أولا: سيناريو توقف العمليات التي تقوم بها قوى المقاومة، ويقوم هذا السيناريو على عدة أسس أهمها ما يلي: 1 ـ أن تكلفة استمرار هذه العمليات تفوق أي عائد متوقع منها، بل أنها تساعد شارون على تنفيذ مخططه في افراغ الأراضي الفلسطينية من سكانها بالقتل والاعتقال والتهجير. 2 ـ إن توازن القوى الميداني لا يوفر امكانية استمرار هذه العمليات. 3 ـ إن حركات التحرر الوطني ووفقا للخبرة التاريخية يمكن أن تتوقف عن القيام بأعمال المقاومة المسلحة لبعض الوقت طالما كانت الظروف غير مواتية. 4 ـ إن هناك تحولا في مواقف المجتمع الدولي بفعل الضغوط الأميركية التي لا تستطيع دول العالم أن تتجاهلها. 5 ـ غياب الدعم والمساندة العربية اللازمة لاستمرار هذه العمليات. هذه هي الأسس التي تمثل الدوافع المحركة لتبني هذا السيناريو، إلا أنه على الجانب الآخر فثمة معوقات أمام هذا السيناريو أهمها ما يلي: أ ـ أن الشعب الفلسطيني لا يملك أي أوراق أخرى سوى المقاومة المسلحة، وأن اسقاط هذه الورقة معناه الاستسلام التام لشارون وضياع القضية. ب ـ إن ايقاف العمليات لن يؤدي الى أي تغير في الموقف الاسرائيلي والأميركي من القضية الفلسطينية. جـ ـ إن استمرار العمليات مهما كانت أعباؤها وتكلفتها سوف يؤكد عجز شارون عن تحقيق الأمن لاسرائيل، في الأمد المتوسط، بل أن هذا الاستمرار من شأنه أن يمثل عنصر ضغط على المجتمع الدولي وعلى الدول العربية من أجل اتخاذ مواقف أكثر ايجابية تجاه القضية الفلسطينية. د ـ إن ردود الأفعال الأميركية والاسرائيلية تجاه هذه العمليات تمثل وقودا لاستمرار حركة المقاومة لأنها تزيد من حدة الحقد والغضب الشعبي تجاه اسرائيل والولايات المتحدة، الأمر الذي يؤدي الى توالد كوادر جديدة راغبة في استمرار المقاومة ومؤيدة لها، ومستعدة للتضحية بحياتها من أجل الوصول الى الدولة الفلسطينية المستقلة. هـ ـ إن الخلل في توازن القوى الميداني أمر عرفته كافة حركات التحرر الوطني في العالم، وأنها استطاعت أن تتجاوزه من خلال ابتكار وسائل جديدة للتعامل الميداني مع العدو. و ـ عدم توافر القدر الملائم من الاتفاق بين فصائل المقاومة الفلسطينية حول هذا السيناريو. ومن ثم فهذا السيناريو بقدر ما تتوافر له دوافع موضوعية بقدر ما تواجهه العديد من القيود، وبالطبع يتوقف تحقيقه كليا أو جزئيا على نتائج التفاعلات بين الدوافع والقيود، وعلى نتائج التفاعلات بين فصائل المقاومة ذاتها، وتقديرها للموقف. التصعيد والتوفيق ثانيا ـ سيناريو تصعيد العمليات الاستشهادية، ويقوم هذا السيناريو على أساس اتجاه قوى المقاومة الى تصعيد عملياتها باستمرار، خاصة العمليات الاستشهادية التي تلحق عادة بالاسرائيليين خسائر بشرية كبيرة، والدوافع المحركة لهذا السيناريو هي: 1 ـ أنه لا جدوى من أي عمليات للتهدئة، فقد فات الوقت الملائم لهذا الاتجاه، يؤكد هذا السياسات الاسرائيلية على أرض الواقع والموقف الأميركي المعلن تجاه قوى المقاومة حيث يدرجها ضمن قائمة المنظمات الارهابية، ومن ثم فلا يوجد بديل سوى الاستمرار والتصعيد. 2 ـ إن تصعيد العمليات لا يجب أن يتقيد بأي قيود مثل القول بإصابة المدنيين من الاسرائيليين، حيث أن القوات الاسرائيلية توجه أسلحتها المتطورة ضد المدنيين الفلسطينيين، ويعجز المجتمع الدولي عن إدانة مثل هذه العمليات التي تقوم بها اسرائيل، ومن ثم فرد الفعل الناتج عن هذا لا يمكن القبول بإدانته، كما أن الحرب عادة لا تفرق بين عسكريين ومدنيين، ومن ثم لا يمكن القبول بأي قيود على عمليات المقاومة. 3 ـ إن الخبرة الميدانية أثبتت أن على الفلسطينيين الاعتماد على الذات لتحرير وطنهم، وأن كافة التنازلات التي قدمها عرفات والسلطة الوطنية لم تؤد الى تحقيق أي تقدم على طريق حل القضية. 4 ـ إن الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني ظروف ملائمة للتصعيد، فمع كل عملية يقوم بها الجيش الاسرائيلي يولد استشهادي جديد. 5 ـ إن التصعيد سيولد ظروفا جديدة على المستوى الداخلي والاقليمي والدولي، يمكن أن تساعد على التوصل الى حل. 6 ـ أنه لا يمكن تحميل قوى المقاومة مسئولية عدم الاستقرار في المنطقة، خاصة وأن الولايات المتحدة وحلفاءها يعدون لعملية كبيرة في العراق من شأنها ازدياد حدة الاضطراب والغليان في المنطقة. 7 ـ إن قوى المقاومة تستطيع التعامل مع الظروف الصعبة وتوفر الامكانيات اللازمة لتصعيد العمليات. ويواجه هذا السيناريو عدة قيود أهمها ما يلي: أ ـ إن هناك حدودا لقدرة البشر على التحمل وأنه لا توجد ضمانات قوية تساعد على استمرار تحمل الشعب الفلسطيني لأعباء هذا التصعيد في ظل المعطيات القائمة داخليا واقليميا ودوليا. ب ـ إن قوى المقاومة فقدت خلال المرحلة الأخيرة الكثير من قادتها وكوادرها المدربة، ومن ثم فهي قد تعاني من نقص في هذا المجال، يصعب توفير بدائل له في الأمد المنظور. ج ـ أن هناك خلافا في الرأي حول استهداف بعض العمليات للمدنيين من الاسرائيليين، وهناك إدانة عربية ودولية جاهزة دائما لهذا. د ـ إن هناك اختراقا لبعض قوى المقاومة من جانب المتعاونين مع أجهزة الأمن والمخابرات الاسرائيلية الأمر الذي يؤدي الى إفشال بعض العمليات المخطط لتنفيذها، وأن علاج هذا الوضع يتطلب قدرا من التهدئة والوقت لسد الثغرات. هـ ـ إن بعض العمليات تدور في نطاق رد الفعل على العمليات الاسرائيلية، الأمر الذي يوفر المزيد من المبررات لشارون للاستمرار في سياسته الارهابية. وهكذا توجد دوافع ومعوقات أو قيود على هذا السيناريو في ذات الوقت، الأمر الذي يحتاج الى قدرات خاصة لتوفير البيئة الخاصة لهذا السيناريو. ثالثا ـ السيناريو التوفيقي، وهو يقوم على أساس امكانية التهدئة لبعض الوقت، مع عدم الايقاف التام لأعمال المقاومة. ويقوم هذا السيناريو على عدة أسس تعد بمثابة الدوافع المحركة له أهمها ما يلي: 1 ـ إن عمليات المقاومة ليست غاية بحد ذاتها وإنما هي وسيلة لتحقيق غايات معينة. 2 ـ إن عمليات المقاومة يجب أن تكون مخططة بعناية ووفقا لرؤية استراتيجية متكاملة الأمر الذي يؤدي الى زيادة فعاليتها. 3 ـ أنه لابد من التنسيق بين أعمال المقاومة والعمل السياسي، كما لابد من التنسيق بين قوى المقاومة ذاتها. 4 ـ إن الخسائر الاقتصادية والبشرية التي لحقت باسرائيل من أعمال المقاومة كبيرة، ومن ثم فالابقاء على سلاح المقاومة أمر ضروري على أن يتم توظيفه سياسيا بفاعلية أكبر. 5 ـ أن قدرا من التهدئة يتيح الفرصة لقوى المقاومة لسد الثغرات وتعويض النقص في الأفراد والمعدات الذي لحق بها في المرحلة الماضية، كما أنه ربما يساعد القوى الداعية الى السلام على التحرك. هذا السيناريو التوفيقي يواجه بالعديد من القيود، منها امكانية عدم الاتفاق بين فصائل المقاومة حول وقت التهدئة ومداه بل وجدواه، كما أن اسرائيل والولايات المتحدة يمكن أن تفسره على أنه استسلام من جانب المقاومة، اضافة الى أن التهدئة ربما تولد اليأس في قطاعات كبيرة من الشعب الفلسطيني. وهكذا تعدد السيناريوهات أمام قوى المقاومة الفلسطينية في ظل ظروف صعبة بالغة التعقيد، وربما يكون المدخل للتوصل الى سيناريو ملائم خلال المرحلة المقبلة هو تشكيل قيادة مشتركة من قوى المقاومة لدراسة الموقف بجوانبه وتعقيداته المختلفة وبلورة رؤية استراتيجية متكاملة لادارة الصراع مع العدو الاسرائيلي في المرحلة المقبلة. ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان