يبدو واضحاً ان هناك حالة من توازن الرعب بين اسرائيل والفلسطينيين الآن، وهي ناجمة عن ضربات المقاومة الموجعة والعمليات الاستشهادية التي تهز الكيان الصهيوني في العمق. ففي الوقت الذي توهم فيه ارييل شارون انه قد نجح في قمع الانتفاضة والقضاء على جذوة النضال الوطني الفلسطيني، خاصة في اعقاب سلسلة المجازر التي نفذتها قوات الاحتلال في الضفة الغربية وغزة، عادت المقاومة الفلسطينية الى استئناف العمليات الاستشهادية ودخلت هذه الاخيرة في منعطف خطير وذلك بعد العملية الكبيرة التي وقعت في القدس المحتلة يوم الاربعاء الماضي. فهذه العملية اعادت شارون ومخططاته الى نقطة الصفر وعجلت بأمر سقوطه خاصة وان عملية القدس جاءت عقب المجزرة الدموية التي وقعت في غزة والتي اعتبرها رئيس وزراء الاحتلال شارون بأنها من انجح العمليات العسكرية لإسرائيل. ولكن المؤكد ان ما جرى في القدس قد اعاد الكرة الى الداخل الصهيوني وفجر سلسلة من التفاعلات التي ستقود الى حالة من الانهيار التام. الاحتقان السياسي ولا حاجة للتأكيد ان المسألة هي تعبير واضح عن حالة الاحتقان السياسي التي تعيشها إسرائيل، ذلك ان التحالف العدواني القائم بين الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس وزراء الاحتلال الصهيوني ارييل شارون انما يسعيان الى تحقيق هدفين اساسيين خلال هذه المرحلة: الأول هو القضاء نهائياً على الانتفاضة وعمليات المقاومة ولو كان الثمن ارتكاب المزيد من الفظائع والجرائم الدموية البشعة ضد الشعب الفلسطيني. والثاني اطلاق سياسة «الترانسفير» من جديد، حيث يجري الحديث الآن عن «وطن بديل» للفلسطينيين في الأردن أولاً والعراق ثانياً. فقد كشفت بعض التقارير الغريبة ان الولايات المتحدة عرضت على النظام العراقي صفقة سياسية ترتكز على تجميد ضرب العراق عسكرياً وربما رفع العقوبات عنه، مقابل موافقته على توطين اللاجئين الفلسطينيين وهو سيحصل على الكثير من المساعدات الاقتصادية والمعونات من كل دول العالم. وتؤكد هذه التقارير ان واشنطن لاتزال تنتظر رد العراق النهائي على العرض الاميركي، وفي حال رفض فانه سيتم تقديم موعد الضربة الاميركية، وربما افسح المجال هذه المرة امام اسرائيل لكي تشارك في العدوان. الوضع الاقليمي والسؤال الذي يطرح نفسه في ضوء معطيات الوضع الاقليمي الراهن هو: هل ستكون اسرائيل قادرة على انهاء الانتفاضة واجبار الشعب الفلسطيني على رفع الراية البيضاء أي التسليم بكل شروط شارون؟ ان هناك معطيات مضادة تؤكد بأن إسرائيل غير قادرة على تصفية الانتفاضة، بدليل ان وتيرة العمليات الاستشهادية قد ازدادت وهو الأمر الذي يطرح مؤشرات في غاية الأهمية. كما ان الأزمة الاقتصادية التي تعصف باسرائيل الآن والناجمة عن تداعيات الانتفاضة والفعل الاستشهادي، تعد احد العوامل البارزة التي تضغط على شارون من الداخل. وكما انتهت الخطط التي وضعت من قبل ميتشل وتنيت الى الجمود، فإن مصير المشاريع والمقترحات الاميركية والاسرائيلية الجديدة سيكون مشابها، ذلك ان ارادة الشعب الفلسطيني هي الاقوى. ولابد من الاعتراف بهذه الحقيقة. وثمة من يؤكد ان إسرائيل والولايات المتحدة قد تراجعتا عن الخطة المتعلقة بتغيير القيادة الفلسطينية الحالية وتحديداً ياسر عرفات، فقد اكتشف الاميركيون والاسرائيليون على السواء ان الشعب الفلسطيني سيلتقط أي زعيم سياسي آخر. التحركات السياسية وإلى جانب ذلك لابد من التعامل بشيء من الشفافية مع التحركات السياسية المكثفة التي تشهدها المنطقة الآن، والتي ادت الى حدوث حركة اتصالات غير عادية على محور القاهرة ـ الرياض ـ عمان والرياض ـ دمشق في الآونة الأخيرة فالقوى الاقليمية والعربية تحاول ان تواجه حملة الضغوط الاميركية والاسرائيلية بنوع من الاصطفاف السياسي الجديد، وبالتالي فإن الوقت لن يطول حتى تأتي النتائج بصورة مغايرة. واذا كان المطلوب خلال هذه المرحلة هو رأس الانتفاضة والمقاومة، فإن عملية القدس الأخيرة قدمت الجواب المطلوب وبرهنت بقوة ان ارادة الشعب الفلسطيني على الصمود والتحرير هي الاقوى بالفعل، وهي المؤهلة لأن تفرض شروطها على الطرف الآخر. وتشير كل التوقعات الى ان شارون اصبح مضطراً الى مراجعة حساباته واعادة النظر بكل ما لديه من مشاريع لتصعيد المواجهة والعدوان ضد الشعب الفلسطيني، ذلك ان الفشل الأمني الكبير الذي سجله جيش الاحتلال حتى الآن يؤكد بأن المأزق الذي يواجه شارون لابد ان يقود إلى امرين لا ثالث لهما: اما شن عدوان واسع النطاق ضد الفلسطينيين ولبنان وسوريا من اجل تصدير الأزمة إلى الخارج، واما التنحي أو على الاقل تقديم موعد الانتخابات العامة. وفي كلتا الحالتين فإن شارون سيكون هو المهزوم وعليه ان يستعد لهذه الصدمة. الموقف الأميركي واذا كانت الإدارة الأميركية تدعم شارون وتسانده في كل تحركاته واعماله العدوانية ضد الفلسطينيين، الا ان هناك نقطة مهمة لابد من الاشارة اليها وهي ان الولايات المتحدة باتت مشغولة كلياً بعقدة مكافحة الإرهاب وتوفير الحماية لأمنها القومي، وما عدا هذه القضية فهو في نظرها من القضايا الثانوية التي لا تستحق الكثير من الوقت والتأمل. واذا كان شارون استطاع خلال الأشهر الماضية ان يقنع الرئيس جورج بوش بأن حملة مطاردة الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة هي جزء من الحرب الأميركية ضد الإرهاب، فإن هذه القناعة بدأت تتعرض لنوع من الاهتزاز الآن، خاصة بعد ان فشل شارون في اخراج نفسه من المأزق الأمني والعسكري. ومن هنا التوقع ان الفترة المقبلة قد تشهد نوعاً من التوتر في العلاقة بين واشنطن وتل ابيب، لأن كل طرف سيحاول ان يفرض اولوياته وشروطه على الطرف الآخر وبالتالي فإن احتمال التغير يصبح وارداً، سيما وان الرئيس الأميركي جورج بوش مقبل على انتخابات الكونغرس ويريد فوز حزبه بأي شكل. ـ صحفي سوري