تتزايد اوجه الخطر على قضية الشعب الفلسطيني فلم تكتف اسرائيل بالقتل وهدم البيوت بل تستمر في تنفيذ مخططاتها غير الشرعية حيث تعمل على تهجير الفلسطينيين، من اراضيهم، تلك المخططات التي تسعى من خلالها لاطالة امد الصراع مع العرب والفلسطينيين خاصة، وتستمر في التسويف وخلق ذرائع واهية لسلب الاراضي والتوسع على حساب الشعب الفلسطيني صاحب الارض الحقيقي. حول هذه القضية الخطيرة التقى «الملف» في لاهاي بالدكتور مسعد نصيف خبير شئون الهجرة والتهجير غير الشرعي وسألناه عن بعض ابعاد هذا الملف الساخن.. ـ ما هي أبعاد وتفاصيل أهداف اسرائيل في تهجير الفلسطينيين؟ ـ لم تعد خطط اسرائيل في الاحتفاظ بالارض وابعاد اعداد كبيرة من الفلسطينيين بخافية على احد وهي خطة قديمة تتكشف اسرارها بفعل الاحداث العالمية، فقد جاءت استراتيجية حكومات اسرائيل المتعاقبة في ترحيل الفلسطينيين عن اراضيهم تعتمد على بناء مزيد من المستوطنات اليهودية وغلق الطريق امام سبل الحوار حول ملف اللاجئين ووضع كافة العراقيل امام فرص عودتهم من المهجر للاراضي الفلسطينية، وعلى المدى الطويل خلق مناسبات ملائمة لبث التوتر وعدم الاستقرار في اوساط مجتمعات فلسطيني الداخل، والذين يطلق عليهم «عرب اسرائيل» والتعلل بتورطهم في اعمال تخريبية ضد اسرائيل، لتكون هناك ذرائع تعلنها امام الغرب لتكسب موافقته او صمته اضافة للخطة السرية في توطين الفلسطينيين في مناطق بالشرق الاوسط. وكانت الاراضي المرشحة هي صحراء سيناء المصرية، الاردن، اجراء مفاوضات سرية بوساطة وضغوط اميركية تستخدم الاغراءات المالية لإسالة لعاب الحكومة اللبنانية لموافقتها على اضفاء شرعية حق الاقامة الدائمة للفلسطينيين المقيمين في لبنان، العنصر الاخير في هذه الاستراتيجية ويعتمد على اثارة الفتن واشعال نار الحرب ضد العراق لتوطين 3 ملايين فلسطيني في المناطق الكردية المتاخمة للاراضي العراقية. ـ هل من المعقول ان توافق الاحزاب الكردية على توطين هذا العدد الكبير من الفلسطينيين وهي تكافح من اجل وطن قومي للشعب الكردي؟ ـ اسرائيل لا يهمها موافقة الاحزاب الكردية من عدمها، ومساعي اتمام هذه العملية لن تتم بالطبع عبر القنوات الشرعية فحينما تشتعل الحرب الاميركية البريطانية ضد العراق، وتختلط الاوراق السياسية وتفرض الحرب متغيرات جديدة بتركيبة سكانية تبدو في البداية وكأنها مؤقتة لتتحول الى امر واقع، وان كان سيكون غير مقبول إلا انه بمرور الوقت سيصبح حالة قائمة تدور حولها مناقشات وحوارات ومفاوضات تحت مسميات السلام! العامل الاقتصادي ـ العراق لن يسمح بتنفيذ هذه الخطة، وكذلك تركيا فالجميع سيتصدى لها؟ ـ حقيقي ان العراق سيتصدى للخطة، لكن لا ننسى ان انشغاله في ترتيب دولته من الداخل، واصلاح ما ستسفر عنه الحرب المتوقعة من خسائر ستكون جسيمة جدا، واستعادة المعارضة العراقية لدورها والقيام بواجبها في حالة توليها زمام السلطة «فيما لو نجحت اميركا في ابعاد حكومة صدام حسين» كل ذلك سيستغرق وقتا طويلا من الممكن ان تتمكن خلاله اميركا واسرائيل من توطين الفلسطينيين. اما تركيا فموقفها السياسي تجاه الشرق الاوسط محل تساؤلات فهي من ناحية مرتبطة بعلاقات عسكرية وامنية باسرائيل، وثانيا علاقاتها المتنوعة مع الغرب واخيرا هدفها في الانضمام لعضوية الاتحاد الاوروبي، وهذه الامور ستجعل موقفها اقل تشدداً مما يعتقد البعض، وليس من المستبعد وجود سمة اتفاق سري بين حكومة انقرة واميركا واسرائيل لا استطيع تأكيده لكن توجد بعض الظواهر التي تشير له. ـ هل توجد دوافع اسرائيلية يمكنكم ذكرها لمعرفة خلفيات هدفها في تهجير الفلسطينيين؟ ـ لغة الارقام لا تكذب، والمصالح الاقتصادية تؤدي لان تفعل اسرائيل كل ما هو غير شرعي سواء التهجير.. او الحرب.. والتراجع عن اتفاقيات السلام. لقد وصلت الخسائر الاقتصادية الاسرائيلية حوالي 3.7 مليارات دولار منذ بداية الانتفاضة، بسبب تراجع السياحة الذي نتج عنه استمرار توتر الاوضاع بينها وبين الفلسطينيين وتأثر الدخل القومي الاسرائيلي بدرجة كبيرة. وقد يستطيع الاقتصاد الاسرائيلي الاحتفاظ بحركته والصمود حينا ولكن لا يمكن التكهن بمدى صموده خاصة مع الانعكاسات السلبية على الشعب الاسرائيلي، ولا تريد اسرائيل الاعتراف احيانا بحقيقة الخسائر لأسباب سياسية اهمها عدم فضح نفسها امام العرب، ومن ناحية اخرى عدم منح المقاومة الفلسطينية شرف تكبيد اسرائيل خسائر كبيرة على هذا النحو. وتوجد خلفيات قد لا ينتبه اليها إلا القلة فمثلا غصن الزيتون الذي يعد رمز السلام في الشرق الاوسط، اصبح هذا الرمز الآن غير مقبول عند الاسرائيليين بسبب التحول لاعمال العنف ونسف عملية السلام فهناك 14 الف طن من الزيتون تتعفن على الاشجار بسبب عدم اقبال احد على قطف هذه الثمار لاعتماد هذا العمل على الفلسطينيين ويبلغ عددهم 15 الف عامل سنويا، لكن بتداعيات الانتفاضة الثانية بقي 120 الف عامل فلسطيني بصفة عامة في منازلهم ورفضوا الذهاب لاعمالهم لدى الاسرائيليين وهو امر كان في البداية طوعا، ومؤخراً اصبح قسراً لاغلاق اسرائيل ابوابها امام العمالة الفلسطينية. وليس فقط اصحاب مزارع الزيتون الذين تأثروا بالانتفاضة، بل كل المصانع الاسرائيلية تعاني من ذلك بالاضافة الى السياحة الاسرائيلية والتي كانت تطمح بأن الالفية الجديدة ستكون لها الدجاجة التي تبيض ذهبا، ووصلت اعداد البطالة بين المرشدين السياحيين المسجلين رسميا 80% من عدد ألفين و500 مرشد، كما تفشت البطالة بين سائقي التاكسي الذين يعملون على خط مطار بن غوريون، وكذلك قطاع البناء في اسرائيل قد تأثر هو الآخر، اذ يرتبط بالعمال الفلسطينيين وهو يشهد الآن توقفا تاما، ولم يسلم الاقتصاد الاسرائيلي من الخسائر في اسواق المال اذ سجلت مؤشرات البورصة في تل ابيب هبوطاً في الاسهم بلغ 16%. ـ هل توجد معلومات حديثة واضحة المصدر حول خطة اسرائيل في تهجير الفلسطينيين؟ ـ لقد صدر مؤخرا تقرير من الاتحاد الأوروبي يحذر من ايجاد مزيد من العداء، اوضح بأن اسرائيل تخطط لترحيل كافة العرب عن اراضي دولتها، وتمليك اراضيهم وديارهم لمهاجرين يهود بمنحهم حق المواطنة، ونقلا عن لجنة «العلاقات الأوروبية ـ الشرق الأوسط» كشف التقرير عن المخطط الاسرائيلي الذي يهدف لترحيل كافة العرب الفلسطينيين عن اراضي الدولة الاسرائيلية، بما فيهم الحاملين للجنسيات او الهويات الاسرائيلية والبطاقات الزرقاء، وترحيلهم لقطاع غزة والمناطق الفلسطينية الأخرى، وتفريغ اراضي الدولة العبرية منهم بصورة تدريجية وتمليك اراضي ومساكن هؤلاء الفلسطينيين لليهود، بجانب منح الحق للمهاجرين اليهود من الخارج بالعودة لاسرائيل وتملكهم اراضي عرب اسرائيل، ومنح هؤلاء اليهود المهاجرين والقادمين الجدد حق المواطنة الكاملة وبصورة عاجلة. كما اكد التقرير ان التوجهات الاسرائيلية الجديدة لا تتوقف فقط عند اسر الفدائيين الفلسطينيين لابعادهم وطردهم، بل الى كافة عرب اسرائيل، وترتكز التوجهات الجديدة في ذلك على الاعمال الاستشهادية الفلسطينية، اذ ترى انه من الافضل لتوفير الامن للشعب الاسرائيلي ترحيل كافة عرب اسرائيل. ووفقا للمعلومات المتوافرة لدينا فإن الخطة تقضي بتطبيق قوانين تحظر على العرب شراء اية اراض لامتلاكها سواء من اليهود او حتى من العرب انفسهم، بجانب قرارات حكومية اسرائيلية تهدف لتقليص اعداد العرب على الاراضي التابعة لاسرائيل، بمنع توريث الاراضي والعقارات لابناء عرب اسرائيل من ذويهم، او نقل الملكية، او منح تراخيص للبناء، بجانب اطلاق يد الاسرائيليين للتحرش بعرب اسرائيل لمحاصرتهم، سواء بالتضييق عليهم في عملهم ومحالهم التجارية ووظائفهم بطردهم منها حتى لا تكون لهم مصادر رزق، مما يجبرهم على الهجرة وبيع ديارهم والرحيل، وطبعا الاجراءات الاسرائيلية قرارات عنصرية خاصة قانون الارض، ويجب فضحها في وسائل الاعلام الدولية. ـ مع كل ما ذكرت هل توجد بعد ذلك ثقة في ان اميركا تسعى بالفعل للتسوية؟ ـ اميركا تدعم اسرائيل.. حتى وهي تعلم بقانون الارض الذي صدر مؤخراً في اسرائيل، وما يرافق هذا القانون من اجراءات توجد مزيدا من العداء مع الفلسطينيين، وواشنطن تعلم بأن حكومة تل ابيب تسعى لتحقيق احلام وآمال اليهود في دولة كبرى لا يسكنها الا اليهود. ـ وماذا عن الموقف الأوروبي ازاء مخطط اسرائيل في تهجير الفلسطينيين؟ ـ سأذكر لك واحداً فقط من مواقف بعض البلاد الأوروبية في هولندا، ففي الوقت الذي يتصدر فيه ملف اللاجئين الفلسطينيين قمة القضايا الخلافية في المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية، وادعاء الاتحاد الأوروبي في تجمع باريس الدولي وقوفه بجانب حق عودة اللاجئين، كشف الهولندي يوسد لاخندايك، عضو البرلمان الأوروبي والمنتمى للحزب الديمقراطي الهولندي، عن النوايا والموقف الحقيقي للاتحاد الأوروبي. فقد اعلن عدم ترحيب الاتحاد الأوروبي بعودة ملايين اللاجئين وفقا للمطلب الفلسطيني، وهو امر مستحيل لتشكيله خطرا على المجتمع الاسرائيلي وتغييره الديموغرافية او التركيبة السكانية للدولة العبرية، وادعى ان اللاجئين الفلسطينيين انفسهم لا يريدون في جملتهم العودة لديارهم، ويمكن فقط عودة اعداد منهم في اطار لم الشمل العائلي، وعلى الفلسطينيين الا يطمحوا في اكثر من ذلك، والا تصر السلطة الفلسطينية على حل ملف اللاجئين او تطالب اسرائيل باعترافها بهذا الملف، والا تكون قضية اللاجئين هي الاساس لعمل اتفاقية فلسطينية اسرائيلية، اذ سيؤدي الاصرار الفلسطيني إلى انعدام الثقة لدى اسرائيل تجاه فلسطين. فهل بعد ذلك ننتظر من اوروبا المصداقية والجدية؟! لاهاي ـ د. سعيد السبكي