تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة في هذه المرحلة هجمة غير مسبوقة من انفلات الارهاب الصهيوني، يقابلها صمود أسطوري سواء على مستوى الشارع الفلسطيني أو من حيث تصعيد المقاومة المسلحة والعمليات الاستشهادية ، ضد الغزاة المحتلين. غير أن المتغيرات الإقليمية والدولية المحكومة بمعايير «الارهاب» الأميركية، تطرح الكثير من التساؤلات والإشكالات حول مسارات الصراع العربي الصهيوني عموماً ومستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته المزمنة بشكل خاص، وانعكاسات ذلك على الوضع الإقليمي وعلاقاته بالتهديدات الأميركية المتصاعدة بغزوة شاملة للعراق، وما يجري من حديث عن وجود خطة أميركية إسرائيلية لتهجير الفلسطينيين وتوطين جزء منهم في العراق، بعد الغزو وتغيير النظام. وتمثل قضية اللاجئين الفلسطينيين واحداً من أعقد الملفات الشائكة في هذا المجال وأكثرها حساسية، خاصة بالنسبة للدول المضيفة للاجئين ومن بينها لبنان الذي يعتبر مصير اللاجئين المقيمين فيه قضية داخلية كبرى، بقدر ما هي قضية إنسانية وسياسية على المستوى العربي العام. «الملف» التقى الأكاديمي والسياسي اللبناني الدكتور معن بشور، رئيس «المنتدى القومي العربي» وحاوره حول رؤيته للأوضاع الراهنة وقراءاته لآفاقها المستقبلية، وانعكاساتها على مستقبل الشعب الفلسطيني واستقرار المنطقة وأمنها. الحائط المسدود يبدأ بشور كلامه بالإجابة عن سؤال حول كيفية المقاومة الفلسطينية ومدى قدرتها على مواجهة التصعيد العسكري الصهيوني في فلسطين، فيقول: لا شك ان المستوى الذي وصل إليه العدوان الصهيوني من وحشية وشراسة، ومن استخدام كل الوسائل المعروفة وغير المعروفة قد جعل الكثيرين يظنون ان المقاومة قد وصلت إلى طريق مسدود، ولكنني من الذين يعتقدون انه كلما اندفع العدو الاسرائيلي في تصعيد أساليب عدوانه ووحشيته، فإنه يعبر أكثر عن تنامي حالة الضعف والارتباك في مشروعه العدواني، فالقتل الجماعي والتدمير الجماعي والتطرف العقائدي والتسلط السياسي، وما شابه ذلك، ليس في النهاية من مظاهر القوة بقدر ما هو تعبير عن الضعف والارتباك والتعثر. ومن هنا فإنني أعتقد ان المقاومة تستطيع أن تنتصر على هذا العدوان بالمزيد من المقاومة، وبإشعار العدو أنه مهما صعّد من عدوان، ومهما تمادى في غيّه وطغيانه، فإنه لن يستطيع ان يوقف عمل المقاومة لدى الشعب الفلسطيني، أو أن يطفيء جزءاً من لهيب اندفاعها لدى هذا الشعب. حينذاك، سيصل عدونا إلى ما وصل إليه كل مستعمر في تاريخ العالم، أي إلى سؤال حاسم: هل نستطيع ان نستمر هكذا مع استمرار المقاومة في عملياتها؟ وفي هذه الحالة سيصل العدو إلى حائط مسدود وسيضطر للتراجع. وليس صحيحاً ان العدو لا يتراجع. فقد لمحنا في لبنان مثلاً التحرير يخرج من دماء شهداء الأرض، وفي اللحظة التي كان يرتكب فيها العدو تلك المجزرة البشعة في مقر تابع للأمم المتحدة ضد أطفال وشيوخ ونساء احتموا في هذا الملجأ (مجزرة قانا) في تلك اللحظة، ونحن ندفن الشهداء، ونذرف الدموع عليهم، شعرنا أن لبنان قد انتصر، وكدلك ان المقاومة قد انتصرت. ويخامرنا هذا الشعور نفسه الآن في فلسطين ونحن ننظر باعتزاز إلى دماء الشهداء تروي ترابها المقدس.. ـ هل ترى ان ثمة خطة تستهدف «تجويف» المقاومة وتفريغها من خلال وسيلتين: الأولى تزايد عمليات اغتيال كوادرها وعناصرها، والثانية تنامي الامعان في ظاهرة الاعتقالات التي تطال حتى بعض الاركان البارزين في المقاومة الفلسطينية؟ ـ لم تتوقف إسرائيل يوماً عن تنفيذ مثل تلك الخطة، منذ اللحظة الأولى لانطلاقة مقاومتنا العربية ضدها، سواء في فلسطين أو خارجها. وهي تدأب على استخدام كل الوسائل لإرغامنا على الانصياع. لكن شيئاً من هذا لم يتحقق، ولن يتمكن العدو من تحقيقه في أي يوم، لأن شعبنا ببساطة هو شعب مقاوم بالفطرة، وطريقه إلى استعادة حقوقه، والدفاع عن قضاياه، ودحر أعدائه كان وسيبقى يمر عبر المقاومة والجهاد. وقد تعلّم الإسرائيليون تماماً، وإن كانت العبرة فيما يجب أن يتعلموه غير واردة لديهم في ذهنيتهم العدوانية والعنصرية وغطرستهم، وأطماعهم بالإطباق على الأرض والثروات وإرادات الشعوب الحرة، (تعلموا) انه كلما زاد عدوانهم، كلما تمسك شعبنا بقراره بالمقاومة، ومهما اعتدت إسرائيل، ونكّلت وارتكبت المجازر، وفرضت التهجير القسري والجماعي لشعبنا في فلسطين (الترانسفير)، فإن ذلك سيزيد المقاومة قوة واندفاعاً، وليس العكس، كما يمني الصهاينة أنفسهم به. تكرار التهجير لن يمرّ ـ هل تعتقد أن إسرائيل لن تتراجع عن عدوانها الشرس والمفتوح في فلسطين، لأنه جزء أساسي من خطتها الهادفة إلى مزيد من التهجير القسري «الترانسفير» من خلال عمليات الإبعاد الفردية والجماعية، وتضييق الظروف المعيشية والحياتية للفلسطينيين؟ ـ بالتأكيد إن في المخططات الصهيونية السعي للوصول إلى مرحلة يمكن من خلالها توسيع أبواب تهجير الفلسطينيين فردياً وجماعياً. وثمة تجارب عديدة نفذت في هذا الاتجاه، وأبرزها في حرب 1948 وعدوان العام 1967. هاتان التجربتان التهجيريتان ستبقيان طريتين في الذهن الصهيوني. لكن الأمور في المنطقة تختلف الآن عما كانت عليه سابقاً، إذ لم يعد التهجير عملية سهلة، وذلك لأسباب عدة، أهمها ان الشعب الفلسطيني مصمم على الاستمرار في المقاومة، وقرر أن يبقى في أرضه مهما كان الثمن. وهذا قرار نهائي وحاسم واستراتيجي، يرتكز إلى وطنية هذا الشعب، وتجاربه في مقاومة العمليات المماثلة في الماضي. والواضح ان هذه الصلابة أربكت المشروع الصهيوني. فرد ارييل شارون رئيس وزراء إسرائيل بشعار ينفذه ويقول: «ليذهب الفلسطينيون إلى الجحيم». واستخدم من أجل محاولة تنفيذ هذا مختلف أنواع الأسلحة المتوافرة لدى جيشه، حتى الثقيل منها، ضد المدنيين في فلسطين. لكن، وكما أشرنا، فإن هذا التصعيد لم يحقق أهداف إسرائيل، بل قلب السحر على الساحر، وبدل أن يزيد ذلك الكيان الصهيوني قوة بفرض وجوده على الأرض، زاد تمسك المقاومة بالاستمرار والرد وتقديم التضحيات من دون حساب في مواجهة العدوان وإحباط أهدافه. سر المخاوف الأميركية ـ هل ثمة علاقة برأيك بين إصرار إسرائيل على تنفيذ المزيد من مخططات «الترانسفير» وتوسعها من جهة، وتسارع الاستعدادات الأميركية لغزو العراق، والحديث عن احتمال توطين جزء من الفلسطينيين فيه من جهة أخرى؟ ـ لا يشكل مشروع توطين الفلسطينيين في العراق فكرة جديدة، فقد سبق أن طُرح هو نفسه في المؤتمر الصهيوني عام 1948، لكن لا يعني طرحه انه سيتحقق أو أن إسرائيل والدول الداعمة لها ستتمكن من فرض «دولة» للفلسطينيين فوق جزء من التراب العراقي. والدليل على ذلك أن أفكاراً أخرى كثيرة طُرحت في ذلك المؤتمر الصهيوني، لكن محاولات تنفيذها فشلت، ويئس المحاولون من تكرار محاولاتهم. ليس كل ما يقرره الصهاينة ينجح، في ظل وجود مقاومة فلسطينية باسلة ومقاومة عربية مستعدة باستمرار لاحباط أية أغراض مصيرية صهيونية ضد الفلسطينيين والعرب. فعلى مدى السنوات الخمسين الماضية أثبت الفلسطينيون والعرب ان لديهم من القدرات والارادة والايمان ما يمكنهم من افشال الكثير من مخططات تستهدفهم. ولعل الدليل الأبرز على ذلك ان الكيان الصهيوني اضطر إلى التراجع عن احتلاله لاجزاء عديدة من الأراضي العربية، فاضطر مكرهاً إلى الانسحاب منها، وغالباً ما انسحب نتيجة تصعيد المقاومة الوطنية والشعبية ضد احتلاله، خاصة في مصر وسوريا ولبنان وحتى في بعض المناطق الفلسطينية ذاتها. لكن ثمة عنصر جديد دخل على الخط هذه المرة لصالح العرب، حيث سقطت قوة إسرائيل (التي لا تقهر) أمام العالم وبرز عجزها في حربها المستمرة والمتمادية حالياً ضد فلسطين والفلسطينيين. وأثبتت عقم وعودها وانها غير قادرة على تحقيق أهدافها. وتحاول الادارة الأميركية ألا تصدق هذه الحقيقة الساطعة، لكن الكثيرين من الأميركيين يصدقونها، وان كانوا قد عبروا بخجل عن مخاوفهم وعدم اطمئنانهم لأن تأتي الحرب الإسرائيلية بنتائجها المرسومة، لهذا بادروا إلى تحذير الولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء من كارثة سياسية واقتصادية ستنتج عن ذلك وتهز العالم. لكن هناك تصميماً صهيونياً على ضرب العراق لأهداف عدة، منها السعي لتدمير قوة هذا البلد العربي الذي يشكل قاعدة قوية لكل العرب (أولا)، اضافة إلى الالتفاف على سوريا ولبنان والاردن ومنابع النفط والسعي لفرض تغييرات جغرافية وسياسية في المنطقة. ومن هذه التغييرات ما يقال عن تجهيز أراض تقام عليها الدولة الفلسطينية، أي يجري فيها توطين الفلسطينيين. إنما يجب ان نتنبه لنقطة مهمة في هذا السياق، وهي اننا كعرب نتعامل بسرعة وانفعال عند أية اشارة أو حديث عن تهجير لفلسطينيي الداخل ضمن مستلزمات اقامة الدولة الفلسطينية التي يطرحها المتآمرون تارة في الأردن، أو لبنان، والآن العراق وما شابه. لكن قبل ان نرفض مثل هذه الدولة المسخ، إلا إذا قامت في فلسطين، وهذا مطلبنا، ومن أجله نستشهد ونناضل، وهو رفض بديهي ومن قبيل تحصيل الحاصل يجب ان نتساءل: هل يمكن لإسرائيل ان تنجح في تهجير الفلسطينيين؟ في قناعاتنا الوطنية والقومية فإنها لن تنجح. فرفض الشعب الفلسطيني لاخلاء أرضه لم يعد قصيدة أو خطاباً طناناً ورناناً، بل ينطق به الدم الفلسطيني والعربي المستشهد. وعندما يتحدث دم الشهادة بالنسبة للشعوب الحرة يخرس كل شيء إلا صوت الحق الذي استدعى انصاره فاستشهدوا في سبيله. فلا دولة فلسطينية «استيطانية» لا في العراق أو في سواه، ليس لأن إسرائيل والولايات المتحدة ومن لف لفهما من المتآمرين على قضايانا لا يريدونها، بل هم يسعون إلى فرضها ونحن نقاومها ويزداد التشبث الفلسطيني بالأرض والاصرار على البقاء والعيش والجهاد من داخل فلسطين في سبيلها ومن أجلها. لذلك فربط غزو العراق باقامة دولة فلسطينية على جزء من أرضه هو مجرد ثرثرة إسرائيلية وأضغاث أحلام أميركية، بل هو في حقيقته «شطارة» إسرائيلية وأميركية في محاولة لطمس الأهداف الحقيقية للغزو، خاصة بما يهدد منها الاستقلالات الوطنية لدول المنطقة وحريات شعوبها واستمرار أنظمتها وسلبها المزيد من الثروات والخيرات، خاصة النفطية منها. اهتزاز «الصفاء» الصهيوني! ـ هل في قراءتك للأفق السياسي الاقليمي ما يظهر احتمال حدوث تسوية إسرائيلية مع الفلسطينيين، رغم الدعم الأميركي المطلق والمفتوح والمعهود لإسرائيل؟ ـ تبدو استراتيجية ارييل شارون واضحة، وهي الهروب دائماً من التسوية لأنها برأيه تفسد المشروع العقائدي للصهيونية. ويعتقد شارون ومن سبقه في رئاسة الحكومات الإسرائيلية وغيرهم من أركان الكيان العنصري، ان موافقة إسرائيل على بعض مشاريع التسوية في الماضي أدت إلى اهتزاز الصفاء العقائدي الذي تقوم عليه الحركة الصهيونية. لذلك قد يسعى النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة إلى شل أي دور سياسي أميركي في الشرق الأوسط، لذا نلاحظ انه لم تعد هنالك سياسة أميركية في هذه المنطقة. ضمن هذا التجاذب لا أرى ان ثمة امكانية للوصول إلى تسوية، حتى ولو كانت على حساب بعض الحقوق العربية. وأعتقد أن لا المشروع الصهيوني، ولا العقل الصهيوني قادران على التوصل إلى أية تسوية يرفضها الفلسطينيون فيقاومونها. ـ وهل يمكن القول ان العمليات الاستشهادية ستستمر وتبقى مخزوناً استراتيجياً لأسلحة ذلك الرفض الفلسطيني؟ ـ وقف العمليات الاستشهادية لا يتم لا بالاتفاقيات ولا بالتسويات، بل هي تتوقف من تلقاء نفسها عندما يزول الظلم والاحتلال. وبالتالي فإنه من الصعب جداً السيطرة على مزاج الشعب الفلسطيني الذي يُذبح ويُقتل كل يوم. بيروت ـ وليد زهر الدين