لعل ترحيل الفلسطينيين الذين كانوا محتجزين في كنيسة المهد فتح الباب من جديد للفكر الصهيوني بأن يعود إلى صياغاته الايديولوجية الأولى حول موضوع الترانسفير، وبهذا النمط الفكري العنصري صارت الدعوة لترحيل الفلسطينيين دعوة علنية، رغم ان الحجج المقدمة من الكيان الصهيوني واهية وتناقض كل المواثيق الدولية خاصة معاهدة جنيف الرابعة التي وقعتها اسرائيل. وإذا كانت اليوم هذه الدعوة جزءًا من الحرب العنصرية التي يقودها الكيان الصهيوني، فهي بحد ذاتها تعتبر تنفيذاً عملياً لسياسة صهيونية قديمة هدفها الأساسي السيطرة الكاملة على الأرض للخروج من الأزمة الديمغرافية التي غالباً ما تأخذ شكلاً مبالغاً فيه ضمن الوعي الحزبي الاسرائيلي، وعلى كافة مستوياته، خاصة ان حلم اسرائيل الكبرى ما زال يعيش في ايديولوجيات الغالبية العظمى من التيارات السياسية عبر امتداد نشوء الحركة الصهيونية وتبدلاتها، مع ثبات واضح في طرد وابادة الفلسطينيين سواء بالقتل أو التهجير القسري أو الحضاري. يقول رئيس اركان الاحتلال السابق شاؤول موفاز: «لابد من هزيمة الوعي الفلسطيني حتى يدرك الفلسطينيون بأن طريق القوة في مواجهة اسرائيل لن ينجح» ورغم العنصرية الواضحة في قول موفاز، فإنه من طرف آخر اعترف بأن الوعي الفلسطيني ما زال صامداً رغم كل المجازر. لذلك فإن العمليات التي يقوم بها الكيان الصهيوني تعتبر شكلاً من أشكال الافلاس العسكري رغم كل ما قامت به قوات الاحتلال، وإذا كانت عمليات نسف منازل عائلات الاستشهاديين وطرد عائلات أخرى جزءًا من المشروع الصهيوني الهادف إلى اضفاء الصيغة اليهودية على الدولة القائمة على الاحتلال والمصادر، فإن هذه الصيغة لا تعتبر على الاطلاق طارئة بقدر ما هي جزء رئيسي في تفكير الاحزاب الاسرائيلية سواء ما يقال عنها يمينية أو يسارية. وضمن تركيبة هذه الايديولوجيات فإن الدعوة إلى تهجير الفلسطيني من أرضه واقتلاعه من جذوره تمتد تاريخياً إلى مراحل سابقة تعيش في العقلية اليهودية التي ما زالت تحمل شعار «شعب الله المختار»، مع بروز ظواهر معاصرة لتنفيذ ما يسمونه بالوعد التوراتي. ايدويولوجية الترانسفير وفي عودة تاريخية ليست بعيدة نجد ان فكرة الترانسفير اخذت اشكالاً متعددة في البرامج الحزبية الصهيونية حتى قبل نشأتها العملية وعندما رفض العرب اعلان وعد بلفور اقترح ماكس ذورداو واسرائيل رنغفيل مساعدا هرتزل عام 1917 ترحيل نصف مليون عربي إلى الدول العربية، ومن ثم توطينهم. المفارقة ان حزب العمل آنذاك ايد هذه الفكرة بتصريح واضح من أحد قادته وهو بريل كيتنيلسون، مما يشير إلى ان فكرة الترانسفير لم تكن في يوم من الأيام تقتصر على اليمين الاسرائيلي، بل انها تدخل في صلب التفكير الصهيوني حتى قبل وعد بلفور. وفي عام 1933 كتب «زئيف جبوتينسكي» متحدثاً عن التخلف الديمغرافي قبل نشوء الكيان الصهيوني ومقارناً الأراضي الفلسطينية بوصفها وعداً توراتياً مع المساحة الشاسعة للوطن العربي وعدد سكانه مع عدد اليهود في العالم، ليصل إلى نتيجته حين يقول: «ان مصادرة أرض اسرائيل من أصحاب الأراضي الشاسعة من أجل اقامة وطن لشعب مشرد هي خطوة عادلة، وإذا كان الشعب صاحب الأراضي الواسعة لا يريد ذلك، فيجب اجباره على ذلك، ان الحقيقة التي تتجسد بالقوة تكون حقيقة مقدسة، من هنا تنبثق السياسة الوحيدة ازاء العرب والأراضي المحتلة بالنسبة لنا من ناحية موضوعية». ان قول جبوتينسكي هذا لا يحتاج إلى تفسير ولكنه في الوقت ذاته يفرض نوعية التفكير القديم عند منظري الصهيونية، فهو يقول: «ان مصادرة ارض اسرائيل»، وبالتالي يعكس بشكل مباشر مفهوم المصادرة والتي لا تكون لمن يقوم بهذا الفعل، ومن ثم يضع مفاهيم الاجبار كشكل من اشكال التفكير العنصري التي يدعو الى ممارستها بالقوة لتحقيق تهجير الفلسطينيين من ارضهم. وضمن هذا السياق فان سيطرة فكرة الترانسفير على الكيان الصهيوني لم تكن في يوم من الايام فكرة عابرة بل هي جزء رئيسي من الثقافة التوراتية التي تدعو الى القتل والتدمير والحرق عبر سياقها المتغير، سواء من الناحية التاريخية او الناحية العلمية، وقد اوضح موشي شريت الذي شغل منصب رئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية فكرة تهجير السكان العرب من فلسطين وكان ذلك عام 1967، حينما رفض المقاربة مع المانيا ولما فعلته مع اليهود حسب ادعائه وهو يدعو الى تهجير الفلسطينيين بطريقة طوعية او اجبارية اذا دعت الحاجة ويعتبر ذلك مسألة اخلاقية، والمشكلة انه يعود ويقول في رسالة الى ناحوم جولدمان: «ان تفريغ الدولة من العرب في ايامها الاولى يعتبر اهم حدث في تاريخ الصهيونية وربما يكون اهم من اعلان الاستقلال». اما ديفيد بن جوريون فانه ومنذ عام 1937 شجع على تهجير العرب من ارضهم، وهو يقول في هذا الاطار: «يجب علينا ان ننزع من قلبنا و من الجذور الفرضية القائلة بأن هذا الامر غير ممكن، انه ممكن وممكن. لم نكن نريد اغتصاب اراضي العرب ولكن كما كانت انجلترا ستسلم جزءا من الاراضي التي وعدتنا بها فان هذا يعني ان ينتقل العرب من دولتنا الى الشطر العربي «وبالطبع فان الشطر العربي برأي بن جوريون وحسب الرأي الصهيوني لن يكون فقط في اسرائيل الحلم بل سيمتد ويمتد لاضعاف العرب وكسر شوكتهم». ان دعوات الترانسفير في مدونات الكيان الصهيوني كثيرة جدا فهي تأخذ احيانا شكل شعارات كما يطلقها السياسيون منهم، فها هو يوسف فاتيس احد قادة الاستيطان يقول: «لا مكان لشعبين معا واذا نزح العرب ستكون البلاد واسعة وشاسعة، لا مكان هنا للحل الوسط ولا توجد وسيلة اخرى سوى نقل العرب الى الدول المجاورة.. وفقط مع هذا النقل تستطيع البلاد استيعاب الملايين من اخوتهم وبهذه الطريقة تحل مشكلة اليهود ولا يوجد حل آخر». وقد تبدو انعكاسات كل هذه الاراء على الواقع الحالي امتدادا للفكر التهجيري القديم، خاصة ان فكرة ترحيل الفلسطينيين عن وطنهم يقابلها فكرة استقدام اليهود من العالم الى فلسطين، فجميع الحكومات الاسرائيلية تتنافس في قدرتها على استقدام يهود العالم وتضع ذلك في اولويات برنامجها السياسي خاصة في المرحلة الراهنة وبعد انكماش واضح في عدد المهاجرين اليهود الى فلسطين، وذلك بتأثير فعل الانتفاضة التي استطاعت ان تقلب موازين الهجرة وتجعل اسرائيل تعاني من الهجرة العكسية مما رسم صورة جديدة لديمغرافية الكيان، فابناء أوروبا والولايات المتحدة من اليهود باتوا ينقسمون الى قسمين غير متناظرين، القسم الاول ونسبته ضئيلة جدا يريدون الهجرة لمساندة الكيان الصهيوني وهم بطبيعة الحال اما فقراء معدمون او متدينون متطرفون، بينما اعاد الجزء الثاني التفكير بموضوع الهجرة ورفضها خاصة اولئك الذين يتمتعون بدخول اقتصادية كبيرة، وهذا ينطبق ايضا على النموذج اليهودي داخل الكيان، فمعظم الاغنياء يفكرون عمليا بالهجرة الى الولايات المتحدة او الى أوروبا، وهذا ما يجعل رجال الدولة الصهيونية يعيشون قلقا ديمغرافيا حقيقيا لأن ذلك يقوض احلامهم الطامحة الى تكوين كيان يهودي خالص. أنماط عنصرية ان الكيان الصهيوني يرسم خارطة جديدة لبناء يهوديته، تتجلى بالتفرقة العنصرية في الاراضي المحتلة عام 1948 وبمحاولاته كسر الوعي النضالي الفلسطيني. لذلك تبدو فكرة توطين اللاجئين بحد ذاتها نوعا من الترانسفير المبرمج، خاصة ان جميع الاتفاقيات التي وقعت لم تأخذ هذا الموضوع بالكثير من الجدية، ولعل الاحزاب الصهيونية تأخذ على عاتق برامجها السياسية الفكرتين كعنوان رئيسي لكل الاحزاب يمينية كانت أو يسارية، حتى حزب العمل الذي ما زال يعد نفسه كيساري يرى بأن الدولة العبرية يجب ان تتمتع بيهوديتها، وحزب الليكود الذي كان يمتنع عن الحديث بالترانسفير خوفا من بعض الأصوات العربية فانه بدأ ينفذ عمليا هذه الفكرة متناسيا حساباته القديمة ليدخل في حسابات التطرف والتي يبدو انها بدأت تغري الشارع الاسرائيلي، وبالطبع هذا ينطبق على حركة كاخ وبالتأكيد على كل افكار وبرامج حركة موليدت «حركة امناء اسرائيل» التي اسسها رحبعام زئيفي وهذه الحركة ترى في برنامجها السياسي ان اوسلو فاشلة بالنسبة الى اسرائيل ويجب ان يقابلها مشروع آخر، والمشروع الاخر هذا برأي موليدت ينطلق من محاور متعددة ومتداخلة ليصب معظمها ضمن فكرة الترانسفير، وتبدأ متدرجة من الترحيل الطوعي الذي يجب ان يترافق مع اقامة المستوطنات وتشجيع الهجرة اليهودية وبالمقابل تشجيع هجرة العرب الفلسطينيين، ولأن الحركة تتبنى فكرة الترانسفير فانها سرعان ما تبنت فكرة الترحيل بالقوة وتهجير الفلسطينيين عمدا وبالارهاب خارج ارضهم، وترى موليدت ايضا ان يتم الترحيل الى الاردن مع توطينهم فيها وتوطين الاخرين في بلاد الشتات، كما ان الحركة ترى ضرورة عدم تشغيل العمال من الضفة وغزة في الاراضي المحتلة عام 1948، ومنع دخول الاموال الى مناطق الضفة والقطاع، وبالنهاية يجب تكوين صبغة يهودية للدولة العبرية. وينسحب هذا الفكر الصهيوني العنصري المنطلق من مفهوم الابادة الى الجيل الصهيوني الجديد من مؤيدي الترانسفير بالقوة الذي يمثله نظريا بلماح زئيفي، ضمن تمثيل متكامل عملي بات ينطبق على تفكير الكيان الصهيوني بقادته وشارعه. لكن مفهوم الترحيل الآن ان كان يتم بصورة قسرية فانه بالمقابل يواجه من الشعب الفلسطيني بثبات وتشبث بالارض، وتجربة النكبة في هذا المجال لن تتكرر، عمليا فان الفلسطينيين رغم كل المجازر التي ترتكب بحقهم والحياة الصعبة التي يعيشونها فانهم لم يهاجروا اطلاقا من الضفة وغزة او حتى اراضي عام 1948، رغم كل الاغراءات التي تقدم لهم بهذا الشأن، بل ان فلسطينيي الشتات ما زالوا يحملون مفاتيح منازلهم ويتوارثونها ويدافعون عنها، وحتى اولئك الذين ولدوا خارج وطنهم يحملون بحقهم في العودة، ويدرك الكيان الصهيوني هذا جيدا فموشي ديان يعترف بذلك حين يقول: «كما ان الفلسطينيين لم يندمجوا في بلاد اللجوء فقد استمروا في الحفاظ على هويتهم الفلسطينية وينوون العودة الى موطنهم الاصلي.. ان قادة اللاجئين هم من مواليد عكا والرملة ويافا وباقي المدن وهم يتطلعون الى اعادة عقارب الساعة الى الوراء واقامة دولة فلسطينية بدل اسرائيل، ان اسرائيل لن تقبلهم لا طوعا ولا قسرا». ان فكرة الترانفسير باتت اليوم تقابل بفكرة تشبث الفلسطيني بأرضه وهي حالة نضالية وتحد كبير بين المقاوم والمحتل، واذا كانت الانتفاضة قد استطاعت ان تعطل مشروع شارون باستقدام مليون مهاجر يهودي، فان متابعة الصمود الفلسطيني لابد ان تكون متصلة بشروطها على مستويين: الاول هو دعم هذا الصمود كحد ادنى من الوجهتين السياسية والاقتصادية، والثاني المطالبة المستمرة بقرارات الشرعية الدولية والمعاهدات الخاصة ببقاء السكان في ارضهم وبالطبع التغذية المستمرة لحق عودة اللاجئين الى اراضيهم والحفاظ على وجودهم الفلسطيني. والواضح ان ما يقوم به الاحتلال اليوم من محاولات للتهجير تعتبر من الخطوات الخطيرة جدا في برنامج الحرب الصهيونية على الشعب الفلسطيني والتي تتناقض مع المفاهيم الانسانية والدولية، وعمليا فان طرد عائلات الاستشهاديين هو مشوار اولي صهيوني لطرد الفلسطينيين وتشكيل خارطة ديمغرافية جديدة واعادة احياء مخططات قديمة لتوطينهم خارج ارضهم الام، والمواجهة هنا لن تكون سهلة امام كيان عنصري ودعم اميركي وصمت عربي ولكنها في الوقت ذاته ليست مستحيلة وباستطاعة العرب التصدي لها خاصة اذا اعترفوا بامكاناتهم السياسية والاقتصادية والبشرية. ـ كاتب فلسطيني