الملف السياسي: العمليات الاستشهادية المتلاحقة التي نفذها المقاومون الفلسطينيون خلال الأيام القليلة الماضية، برهنت للمرة الألف على الفشل الذريع لسياسة الدولة الصهيونية، الهادفة إلى تركيع الشعب الفلسطيني والقضاء على مقاومته المسلحة، من خلال القمع الوحشي والحصار والتجويع، واغتيال قيادات ونشطاء المقاومة. وقد جاءت الموجة الأخيرة من العمليات في إطار الرد الفلسطيني على اغتيال الشهيد صلاح شحادة القائد العام لكتائب عز الدين القسام «الجناح العسكري لحركة حماس» في عملية وحشية راح ضحيتها خمسة عشر شهيدا، بينهم تسعة أطفال، فضلا عن عشرات الجرحى، واستخدمت القوات الصهيونية فيها قنبلة زنتها طن كامل من المتفجرات أطلقتها طائرة مقاتلة، لتنسف مبنى سكنيا بأكمله، دون أدنى مبالاة بما يترتب على ذلك - حتما - من قتل وجرح عشرات المدنيين العزل بمن فيهم النساء والاطفال. العملية الوحشية الإسرائيلية أطاحت بمحاولة كادت تصل إلى غايتها للخروج بمبادرة فلسطينية لوقف العمليات الاستشهادية داخل الخط الاخضر « الأراضي المحتلة عام 1948» لمدة ستة أشهر. فقد كان ممثلو السلطة الفلسطينية وحركة « حماس » وفصائل مقاومة أخرى، بصدد وضع اللمسات الأخيرة على بيان بهذا الصدد كان مقررا له أن يصدر صبيحة نفس الليلة التي قامت فيها إسرائيل بجريمتها.. وكان بديهيا أن تتراجع «حماس » عن توقيع البيان، وأن تعلن تصميمها على الانتقام لدماء الشهداء، وفي مقدمتهم قائد جناحها العسكري. وحشية الجريمة الإسرائيلية أثارت استنكارا عربيا ودوليا واسعا لم يمنع شارون من التبجح بأن هذه العملية من أنجح العمليات التي قامت بها القوات الإسرائيلية في الفترة الأخيرة !! إلا أن الرد الفلسطيني على جريمة غزة سرعان ما جاء ليبرهن على أن تبجح شارون لم يكن في محله. أوهام التهدئة سلسلة العمليات الاستشهادية « والعسكرية » الأخيرة اثارت ردود فعل واسعة النطاق بين شعبية ورسمية.. فلسطينية وإسرائيلية. وعربية ودولية وسلطت الضوء بقوة مجددا على عديد من القضايا المرتبطة بالكفاح المسلح الفلسطيني وأهدافه وعلاقته بعملية التسوية وانعكاساته عليها، ومواءمته لهذه اللحظة أو تلك من لحظاتها.. وصولا إلى شرعية هذا الكفاح أصلا، وخاصة من وجهة النظر الإسرائيلية والأميركية. ومعروف أن السلطة الفلسطينية وأصوات وأقلام سياسية عربية عديدة كانت قد دعت« حماس » في أعقاب جريمة غزة إلى ضبط النفس وعدم الانسياق للقيام بعمليات انتقامية، بدعوى أن هذا بالذات هو ما يريده شارون، وأن الأخير قد اختار توقيت عملية غزة خصيصا لينسف المبادرة الفلسطينية، ويقطع الطريق على الجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات ومساعي السلطة الفلسطينية لتخفيف المعاناة اللا إنسانية التي تتعرض لها جماهير الضفة والقطاع. وكان هذا بالذات أحد الانتقادات الأساسية التي وجهت إلى العمليات الاستشهادية « والعسكرية » الاخيرة. فهل صحيح أن شارون ارتكب جريمة غزة خصيصا لكي يستدرج «حماس » وغيرها من منظمات المقاومة الفلسطينية للرد عليها بعمليات انتقامية تتخذها حكومته ذريعة للتخلص من المفاوضات، والمضي قدما في تصعيد قمعها الوحشي للشعب الفلسطيني؟؟ في تقديرنا أن طرح القضية على هذا النحو ينطوي على قدر كبير من التبسيط المخل، ومجافاة الواقع الذي يتسم بدرجة كبيرة من التعقيد. وصحيح أن شارون تذرع بالعمليات لإلغاء موعد كان مقررا له مع وزيري الداخلية والمالية الفلسطينية والغاء أو تأجيل « تسهيلات » كان مقررا بحثها وتقديمها للسلطة الوطنية إلا أن الصحيح أيضا - وهو ما تؤكده الخبرة التاريخية - أن إسرائيل لم تعدم أبدا الذريعة لتعطيل أية مفاوضات أو اتفاقات مع الجانب الفلسطيني، أو لشن أو تصعيد العدوان على الفلسطينيين. ومن الضروري أن نضع في اعتبارنا حقيقة أن المحادثات بين السلطة والفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حماس، كانت تجري بهدف الاتفاق على مبادرة وقف العمليات الاستشهادية داخل الخط الأخضر « الارض المحتلة عام 1948 » وعدم شموله لأراضي الضفة والقطاع من جهة، وتحديده بمدى زمني قدره ستة أشهر من جهة ثانية. وهذا في حد ذاته مكسب مهم لإسرائيل، بلا أدنى جدال. وفي الوقت نفسه فإن الدولة الصهيونية « وأميركا » لم تكونا تخفيان عزمهما مواصلة الضغوط على السلطة لتقوم هذه « بمسئولياتها الأمنية».. أي مواصلة اعتقال ناشطي «حماس» وغيرها من منظمات المقاومة، ومنع العمليات ضد المستوطنين وقوات الاحتلال!! ونظرا لأن الأمر كله « مبادرة فلسطينية » فإن إسرائيل لم تكن تلزم نفسها بأي شئ في المقابل.. اللهم إلا بعض التسهيلات الاقتصادية التافهة، وخاصة دفع بعض مستحقات السلطة من أموال الجمارك والضرائب الموجودة لدى الدولة الصهيونية!! وبالطبع.. وفقا لجداول تقسيط مريح للغاية، وعبر مفاوضات معقدة بطريقة إسرائيل المعروفة، مع ربط ذلك كله بما يسميه الإسرائيليون والأميركيون تقدم « عملية الإصلاح » الأمني والمالي والسياسي للسلطة!! ومن جانب آخر فإن إسرائيل لم تشأ تفويت فرصة اغتيال الشهيد صلاح شحادة حين أتيحت لها، لأن كثرة تنقل قادة المقاومة، في إطار إجراءات تأمين أنفسهم، لا تجعل هذه الفرصة متاحة دائما أما ردود فعل «حماس» على مثل هذه الجريمة، فإسرائيل تعتبرها دائما مسئولية السلطة الفلسطينية، التي تتعرض باستمرار لأعنف الضغوط لكي تقوم هي بنفسها بضرب «حماس » وغيرها من منظمات المقاومة، لكي تبرهن على جدارتها بأن تكون شريكا في المفاوضات. وبالطبع بمقدار ما تصلح نفسها وفقا للمعايير الإسرائيلية والأميركية! وفي غضون ذلك كله تعتبر إسرائيل نفسها طليقة اليدين تماما في اقتحام مناطق السلطة للقبض على نشطاء وقادة الانتفاضة والمقاومة المسلحة، أو اغتيالهم، ونسف منازلهم، وفعل كل ما تراه ضروريا للحفاظ على أمن الدولة الصهيونية وقواتها ومستوطنيها في الضفة والقطاع !! وإذا تجرأ الفلسطينيون على إبداء أي مظهر للمقاومة، فهو الاجتياح، وهو القتل الجماعي، والعقاب الجماعي، وحظر التجول وإغلاق المناطق.. وتحميل المسئولية للسلطة الفلسطينية المحاصرة والمغلوبة على أمرها تجاه إسرائيل وحدها، والمطلوب منها أن تستأسد على شعبها وحده !! فأية تهدئة تلك التي يجرى الحديث عنها؟! وهل المطلوب من «حماس» أن تقف مكتوفة الأيدي إزاء اغتيال قادتها وقادة جناحها العسكري واحدا أثر الآخر؟! وهل المطلوب من منظمات المقاومة أن تتفرج على عمليات اغتيال قادتها ونشطائها وأبناء شعبها دون أن تحرك ساكنا؟! وهل يمكن وقف جرائم الدولة الصهيونية بإدارة الخد الأيسر لها؟! أم أن جعل هذه الدولة تدفع ثمن إرهابها هو الذي من شأنه أن يجعل قادتها يفكرون مليا قبل أن يأمروا بارتكاب مزيد من الجرائم ضد الشعب الفلسطيني وقيادته؟ لقد كان مؤلما للغاية لكل عربي أن نرى السلطة الفلسطينية مضطرة لإدانة عمليات استشهادية، خاصة إذا كان ضحاياها من العسكريين الصهاينة كما هي الحال في عملية صفد.. تماما كما كان مؤلما ان يدين رئيس السلطة الفلسطينية عملية الشهيدة آيات الاخرس، ضمن صفقة رفع الحصار عن مقره.. ذلك الحصار الذي لم يلبث أن عاد.. ولا يعلم مافي القلوب الا خالقها.. لكننا لا نستطيع ان نتصور أن هذه الإدانة تعبر عن الموقف الحقيقي لرجل أطلق شرارة الكفاح المسلح عام 1965، وأفنى عمره في النضال ضد اسرائيل.. وانما هو الواقع العربي المخزي الذي يترك الفلسطينيين وحيدين في مواجهة العدوان الصهيوني - الأميركي، ويترك رئيسهم عرضة لكل هذه الضغوط ولكل هذا الاذلال. حق المقاومة واذا كانت سلسلة العمليات الاستشهادية الأخيرة قد اعادت تسليط الضوء على قضية الكفاح الفلسطيني المسلح، فمن الضروري بصورة مطلقة التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكل الأشكال الممكنة سواء أكانت سلمية أم عسكرية.. ويبقى اختيار هذا الشكل أو ذاك من أشكال المقاومة حقا مشروعا لهذا الشعب ولفصائله المناضلة من اجل تحرير أرضه. وهو حق تكفله كل القوانين والشرائع الدولية، وان كانت القوة العظمى الأميركية قد اصبحت تشارك اسرائيل في اعتباره ارهابا. فأصل المشكلة في فلسطين - كما هي الحال في كل بلد محتل - هو الاحتلال، ومحاولة الدولة الصهيونية لابتلاع ماتبقى من أرض فلسطين واخضاع شعبها وتركيعه بأشد أشكال العنف والارهاب. وبالنسبة لانتفاضة الاقصى، فإن العمليات الاستشهادية «والعسكرية» قد أصبحت طابعا مميزا لها بصورة متزايدة بقدر تزايد القمع الوحشي الذي تمارسه قوات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، من اغتيال بدم بارد لنشطاء وقيادات الانتفاضة والمدنيين العزل بمن فيهم الاطفال والنساء.. الى الاعتقالات «الجماهيرية» التي شملت آلافا مؤلفة.. الى الاذلال الذي يفوق طاقة البشر على الاحتمال عند الحواجز المقامة في كل مكان.. الى حرب التجويع الشاملة المفروضة على شعب بأكمله وتدمير اقتصاده بصورة منهجية لقطع كل مصادر عيشه.. ونسف منازل ابنائه وتجريف حقولهم واجتثاث اشجار بياراتهم. وحتى مجزرة جنين بكل بشاعتها لم تحرك المجتمع الدولي بل ولا الحكومات العربية لدعم الشعب الفلسطيني بصورة جدية، وبغير كلمات الشجب والاستنكار العاجزة. وكان منطقيا أن يؤدي هذا القمع الوحشي، والانسداد التام لأي أفق لتسوية سياسية عادلة الى مزيد من العمليات العسكرية والاستشهادية. ويخطئ من يعتقد أن الدافع الاساسي لانخراط اعداد متزايدة من ابناء الشعب الفلسطيني في هذه العمليات هو اليأس. فاليأس يمكن أن يؤدي، بنفس الدرجة الى الاستسلام. وهذا هو مايغفله تماما اولئك الذين يتصورن ان تضحية الفلسطينيين بحياتهم في النضال من أجل حرية وطنهم انما دافعها اليأس، وان بعض فتات التسوية أو «تخفيف المعاناة» من شأنه أن يضع حدا للعمليات الاستشهادية. كما يخطئ المتفلسفون - عربا كانوا أم أجانب - الذين يتحدثون عن «ثقافة الموت» التي تدفع الفلسطينيين الى الهرب من هذه الدنيا التماسا لحياة أفضل في الآخرة، في الجنة التي وعد الله بها الشهداء. فهؤلاء المتحدثون لا يفقهون شيئا عن معنى الشهادة في الاسلام.. التي لا يربطها رابط «بثقافة الموت» المزعومة. وعلى اصحاب هذا التفسير أن يتأملوا في معنى المقولة التي تعتبر دستورا لقتال المسلمين: احرص على الموت توهب لك الحياة. وقد يطول الجدل حول دوافع العمليات الاستشهادية لكن الامر الأكثر أهمية أنها تظل أحد الأشكال الأكثر أهمية للكفاح الفلسطيني المسلح الى جانب مختلف اشكال العمل السياسي والدبلوماسي. فهذه العمليات تكبد العدو الصهيوني ثمنا باهظا ومؤلما لاستمرار الاحتلال والاستيطان، وتسلبه الشعور بالأمن.. وتجعله يدفع ثمن جرائمه الوحشية ضد ابناء الشعب الفلسطيني.. وتحمل أفراد مجتمعه على التفكير بجدية في أن حيواتهم ستظل معرضة للحظر مادامت دولتهم مستمرة في سياساتها العنصرية الهمجية. كما أن العمليات الاستشهادية «والعسكرية النوعية» تسلب الدولة الصهيونية أهم ميزاتها في مواجهة الفلسطينيين والجيوش العربية.. نعني ميزة التفوق العسكري.. فما قيمة حتى الترسانة النووية امام إرادة انسان مصمم على التضحية بحياته من أجل حرية وطنه؟؟ انك لن تضرب كل استشهادي بقنبلة نووية!! ولن تقصفه بصاروخ «توماهوك»!! ومن ناحية أخرى - لا تقل أهمية - فإن العمليات الاستشهادية «والعسكرية النوعية» بما تلحقه من خسائر بشرية ومعنوية مؤلمة بالعدو تتسم بأهمية كبرى للحفاظ على صلابة معنويات الشعب الفلسطيني، في ظل علاقات قوى مختلة بشدة لصالح العدو، وتواطؤ دولي أميركي خاصة، وتخاذل عربي مشين. من هنا فإن أضعف الايمان بالنسبة للعرب.. الا يخذلوا الشعب الفلسطيني المناضل بوصم كفاحه بالارهاب تارة، وبالحديث عن وقف العنف والعنف المضاد تارة أخرى.. وبالمشاركة في الضغط على سلطته، الهشة أصلا، تارة ثالثة بدعاوى أولوية الاصلاح المزعوم، وخاصة في جانبه الأمني، وبالامتناع عن دعمه بجزء يسير من أموالهم تارة رابعة، وباعطاء الفرصة لزعماء الدولة الصهيونية للظهور امام العالم بمظهر «رجال السلام» تارة خامسة، وبالحديث عن «ايجابيات الموقف الأميركي» المخزي تارة سادسة.. وبمطاردة ناشطي حركات دعم الانتفاضة تارة سابعة وغير ذلك تارة ثامنة وتاسعة ومئة.. فالشعب الفلسطيني هو خط الدفاع الأول أمام مد صهيوني يهدد الجميع.. والتخاذل لن ينقذ أحدا من الطوفان المقبل، مهما اخفينا رؤوسنا في الرمال. ـ كاتب مصري