تجمد الحوار السياسي بين احزاب المعارضة الرئيسية في اليمن والحزب الحاكم حول الية تقاسم اللجان الميدانية لادارة الانتخابات بعدما يقارب الشهرين من الاقتراحات المتبادلة والتقارب والتباعد. ورغم مضي اسابيع عدة على تعدد الاتصالات وتنوع المتدخلين بهدف تقريب وجهات النظر بين الطرفين حول الية توزيع ما يزيد على اربعين الف مقعد سيتولى اصحابها مهمة اعداد سجل انتخابي جديد في البلاد تمهيداً للانتخابات النيابية المقبلة وانهاء لصراع مرير بين الجانبين حول السجل الانتخابي القائم ومدى التزوير الحاصل فيه. في الحوار الذي جاء بناء على طلب من المعارضة يبدو الجميع غير متحمسين لوضع معيار ثابت للحصص في لجان ادارة الانتخابات حتى لا تتكرر الازمات والمساوامات السياسية التي رافقت الانتخابات اليمنية منذ بدئها على اسس التعدد الحزبي في عام 1993م. ومع ان احزاب المعارضة الرئيسية «الاصلاح، الاشتراكي، والناصري» ومعهم اربعة احزاب صغيرة اخرى استنجدت بالدكتور عبدالكريم الارياني الامين العام لحزب المؤتمر الشعبي الحاكم لإثناء اللجنة العليا للانتخابات عن قرارها بتشكيل اللجان الميدانية دون تحديد نسب معينة لكل حزب فان هذه الاحزاب لم تتمكن من التوصل الى اتفاق يحدد حصة كل حزب من الاحزاب الواحد والعشرين المرخص لها قانوناً بممارسة النشاط السياسي. بل ادى ذلك الى تأجيل بدء عملية القيد اكثر من مرة وتحول الحوار الى حجر عثرة وجعل خيارات الطرفين محدودة وصعبة. وهو امر عرفته الساحة السياسية اليمنية منذ ما بعد قيام دولة الوحدة.. غياب التوازن منذ ان قررت الدولة الجديدة في اليمن اجراء انتخابات نيابية قائمة على التعدد السياسي والحزبي واصدار قانون للانتخابات فانها لم تنص على قواعد لكيفية تشكيل لجان ادارة الانتخابات واكتفت الحكومة والاحزاب بالتركيز على تشكيلة اللجنة العليا التي تعددت والمزايا التي تمنح لاعضائها بعكس ما سارت عليه العملية الانتخابية. ففي اول انتخابات عامة في العام 1993 وبفعل التوازن الذي كان موجوداً في قمة السلطة بين الحزب الاشتراكي القريب من احزاب المعارضة والمؤتمر الشعبي الحليف الوثيق لتجمع الاصلاح الاسلامي تم تشكيل اللجنة العليا للانتخابات من جميع الاحزاب مع افضلية للحزبين الحاكمين حينها وبالمثل تم تشكيل اللجان الميدانية من كل الاحزاب وبالتساوي الا ان خروج الاشتراكي من السلطة كنتيجة لهزيمة قواته في حرب صيف 1994م على يد القوات الموالية للرئيس علي عبدالله صالح اخل بالتوازن السياسي في قمة الحكم لصالح الحليفين الرئيسيين المؤتمر الشعبي حزب الرئيس والاصلاح شريكه في الحرب على الاشتراكي، وجاءت التعديلات الدستورية والقانونية بعد ذلك لتعزز من الموقف الضعيف للمعارضة لصالح التحالف القوي. ما ان جاءت الانتخابات النيابية في ابريل 1997م حتى كان المؤتمر الشعبي في مواجهة حليف الامس بعد اعلان الاشتراكي المقاطعة ومطالبته بإجراء مصالحة داخلية لازالة اثار الحرب فيما ظل دور التنظيم الناصري محدوداً. وبإعلان النتائج النهائية للانتخابات واتضاح سقوط ابرز زعامات تجمع الاصلاح الاسلامي كانت الامور بين الحليفين تتجه نحو الصدام وصولا الى الانتخابات الرئاسية في عام 1999م حيث اختير علي صالح عباد «مقبل» مرشح المعارضة لمنافسة الرئيس صالح على موقع رئيس الجمهورية اذ كان ذلك بمثابة اعلان رسمي من الاشتراكي بإسقاط خيار المقاطعة والعزم على خوض المنافسة الانتخابية عبر تحالف عريض مع احزاب المعارضة الاخرى قابله تقليم السلطات لأظافر الاصلاح ويسعى الاخير لايجاد علاقة تنسيقية مع الاشتراكي خصوصاً وبقية احزاب المعارضة عموماً قبل ان يتحول هذا الامر الى واقع في الانتخابات المحلية عام 2000م. التقارب والمساومة ما ان جاءت الانتخابات المحلية حتى كان الاشتراكي يتزعم المعارضة والاصلاح في طريقه الى اعلان الطلاق مع الحزب الحاكم وقد رأى الكثيرون ان السلطات ستسعى هذه المرة الى تقديم اغراءات كبيرة للاشتراكي لاستخدامه اداة في ضرب الاصلاح الا ان تلك الخطة التي تنتعش عند كل انتخابات لم تتحول الى اجراء حتى الان.. ولهذا فقد وافق الحزب الحاكم حينها على ان تحتسب حصة الاشتراكي في مقاعد ادارة الانتخابات المحلية استناداً الى الاصوات التي حصل عليها في انتخابات 1993م مع اعتماد نتائج انتخابات 1997 اساساً لتوزيع حصص بقية الاحزاب.. واذ ظل الاصلاح محتفظاً بنوع من التميز في تشكيله اللجنة العليا للانتخابات بعضوين مقابل ثلاثة للحزب الحاكم ومقعد واحد للاشتراكي فان هذا التميز انتهى بانتهاء الانتخابات المحلية التي شكلت اول مواجهة دموية بين الاصلاح والحزب الحاكم.. اذ جاء تشكيك نائب رئيس اللجنة العليا للانتخابات القيادي الاصلاحي محمد دماج في نتائج الاقتراع اعلان تمرد على السلطات اعقبه فض رسمي للتحالف الذي استمر نحو عقدين من الزمان بين الحزبين عبر الامين العام للاصلاح محمد اليدومي.. وهو ما اغضب الرئيس علي عبدالله صالح حينها وقال صراحة انه سيسعى لتعديل قانون الانتخابات بهدف ابعاد التمثيل الحزبي منها ووضع عقوبات صارمة على اعضاء اللجنة الذين كانوا يتمتعون بحصانة تجعلهم غير معرضين للعزل الى حين انتهاء فترة عضويتهم. وبالفعل ما ان انتهت الانتخابات المحلية التي حصد حزب الرئيس اغلب مقاعدها السبعة الاف حتى قدمت الحكومة تعديلات على قانون الانتخابات وصلت حد تغيير معظم مواده وهو ما شكل اول معركة سياسية مبكرة ستحسم بموجبها نتائج الانتخابات النيابية المقرر اجراؤها في ابريل عام 2003.. وبعده حملة من الاعتراضات الشديدة دخل الطرفان في حوار استمر شهوراً تمكنت خلالها المعارضة من تعديل بعض المشروع الحكومي بصيغة توفيقية ابقت على التمثيل الحزبي في قوام اللجنة العليا ومنحت لرئيس الدولة حق عزل اي عضو فيها شريطة ان يستبدل بعضو اخر من الحزب الذي رشحه الا ان الحوارات والقانون الجديد لم ينصا صراحة على قواعد تقاسم تشكيلة اللجنة العليا واللجان الميدانية ولهذا جاءت التشكيلة الاخيرة ذات طابع حكومي اكثر من غيرها حيث مثل حزب المؤتمر الشعبي الحاكم بثلاثة مقاعد والمعارضة بمقعدين احدهما للاصلاح والاخر للاشتراكي في حين بقي العضوان الاخران محسوبين على الحزب الحاكم مع انهما مرشحان من احزاب معارضة صغيرة تحظى بالرعاية الحكومية. وكذلك الامر فيما يخص تشكيل اللجان الميدانية فقد رأت المعارضة ان مشروع القانون الحكومي الذي ينص على استبعاد التمثيل الحزبي معاد للحزبية التي يقوم عليها النظام السياسي ولهذا بلعت «الطعم» الحكومي حين عدل النص على ان تشكل اللجنة العليا للانتخابات اللجان الميدانية ولكن شريطة الا تكون اي لجنة من حزب واحد فقط. وهذا الخطأ الذي وقعت فيه المعارضة لم يكتشف الا عند مناقشة حصص الاحزاب في اللجان الميدانية اذ اصبح هذا النص سلاحاً في يد اللجنة العليا للانتخابات والحزب الحاكم.. فاللجنة تقول ان النص لا يعطي للاحزاب حق تقاسم اللجان الميدانية ولكنه يلزمها بأن لا تشكل من حزب واحد وفي المقابل فان المؤتمر الشعبي يحاجج بأنه لا توجد قواعد تحدد حصة كل حزب وبالتالي فلا مانع من ان يحصد هو مقعدين في كل لجنة ميدانية في مقابل مقعد لبقية الاحزاب استناداً الى نص القانون الذي لا يميز تشكيل لجنة بكاملها من حزب واحد ولكنه لا يمنع ان تكون هناك اغلبية لاحد هذه الاحزاب. وماذا بعد؟ مع تعدد المقترحات وفي ظل غياب نص قانوني واضح يعزز مطالب المعارضة بقي الموقف السياسي السلاح الوحيد القادر على اثناء السلطات ولجنة الانتخابات عن خططهما.. ولما كان الحزب الحاكم يدرك جيداً ضعف الموقف القانوني للمعارضة فقد بادر الى تقديم مقترحات ظاهرها الانصاف غير ان الايام اظهرت عكس ذلك. ففي بداية الحوار قال المؤتمر الشعبي وعلى لسان امينه العام معارضته لقرار اللجنة العليا للانتخابات تشكيل اللجان الميدانية بمعزل عن الاحزاب واكد على ضرورة ان تختار الاحزاب ممثليها وتحدد اليه لتقاسم المقاعد.. وهو ما رأت فيه المعارضة انتصاراً ولكن الموقف بدا بعد ذلك وكأنه مقدمة لسيناريو طويل ومرهق لن يوقف الا بتدخل الرئيس علي عبدالله صالح كما درجت العادة على ذلك في كثير من الازمات السياسية الداخلية. اذ طلبت اللجنة العليا للانتخابات من الاحزاب التوصل الى اتفاق وتحديد حصص كل حزب وابلاغها بذلك لتنفيذه مما جعلها في منأى عن الخلافات السياسية بين اطراف المنظومة الحزبية وما ان بدأ الحوار بين المعارضة والحزب الحاكم حول الحصص في اللجان الميدانية حتى كان الرد قوياً بأن المؤتمر الشعبي استناداً الى النتائج التي حصل عليها في الانتخابات النيابية عام 1997 وكذا الانتخابات المحلية في عام 2000 لن يقبل بأقل من 60% من اجمالي مقاعد اللجان الميدانية متسلحاً بنص قانوني فضفاض يعزز من مطالبه ويضعف حجة الاخرين.. ولما كان الحزب الاشتراكي اهم معادل في الحياة الحزبية والسياسية فان الحزب الحاكم عمل على تحييد موقفه في مقابل تقليص حصص تجمع الاصلاح وبقية احزاب المعارضة ولهذا طرح الحزب الحاكم منح الاشتراكي 16% من اجمالي المقاعد بصورة استثنائية استناداً الى نتائج الانتخابات النيابية التي حصل عليها عام 1993. واقترح منح الاصلاح 18% اي اقل من الحصة التي حصل عليها في السابق بحوالي 10%. وطالب الحزب الحاكم باعتمادات نتائج انتخابات 1997م او عدد الاصوات التي حصل عليها كل حزب في الانتخابات المحلية وهو ما قوبل بالرفض من الاصلاح والناصري وساندهم الاشتراكي ما جعل الارياني يحمل الاخير مسئولية فشل الحوار السياسي بين الاحزاب لسبب مساندته لمطالب الاصلاح. واذا كان حوار المعارضة والحزب الحاكم قد توقف منذ اسابيع عند عرض المؤتمر الشعبي على المعارضة اقتسام مقاعد اللجان بنسبة 57% له وللاحزاب المحسوبة عليه في مقابل 43% لاحزاب اللقاء المشترك «الاصلاح، الاشتراكي، الناصري، البعث، الحق، اتحاد القوى الشعبية، التنظيم السبتمبري» على ان تخصم منها نسبة 5% للجنة العليا للانتخابات مضافاً اليها حصة صغيرة لحزب البعث «الجناح السوري» وحزب رابطة ابناء اليمن ما يعني احتفاظ الحزب الحاكم بممثلين في كل لجنة ميدانية وممثل واحد لبقية الاحزاب فان الرئيس صالح سيكون المرجعية الاخيرة في حل الخلاف بين اطراف الحياة الحزبية الذي تلجأ اليه عندما لا تتوصل الى اتفاق مع الحكومة وتكرار ما حدث في السنوات الماضية حيث تحتل الصفقات السياسية والمساوامات والاغراءات مكان الصدارة بدلا عن القانون ما يجعل المعارضة عرضة للصفقات والاستجداء ومحل تساؤل من الشارع. بل ان الاكثر غرابة ان يلوح الحزب الحاكم بمقاضاة اللجنة العليا للانتخابات اذا لم تبدأ عملية القيد والتسجيل وتشكيل اللجان الميدانية دون انتظار اتفاق الاحزاب لان القانون ذو نصوص فضفاضة وانعدام التوازن السياسي وعدم تحمس بعض القيادات المعارضة للتحالف مع الاصلاح يسهل مثل هذه المهمة التي قد تنسف الامال بانتخابات حرة ونزيهة. اجتماع لـ علي عبدالله صالح مع عبدالله الاحمر