جرب ارييل شارون اسلوب الاغتيالات الفردية، والاجتياح العسكري الشامل، والحصار الاقتصادي، وحظر التجول، ومنع الانتقال، ورغم ذلك كله لا يظهر، في الافق ـ حسب قول دراسة اعدها مركز ستراتفور للمعلومات والدراسات ـ ان رئيس الوزراء الاسرائيلي تمكن من كسر روح المقاومة لدى الشعب الفلسطيني. وتقدم الدراسة تحليلاً ليس فقط لنتائج تلك المحاولات المختلفة التي يصفها المركز بانها وصلت الى ذروتها في عملية «السور الواقي» العسكرية الشاملة، ولكن لما يمكن ان تتطور اليه الامور في المستقبل. ويقول تحليل المركز ان اي دراسة شاملة لخيارات ارييل شارون توضح انه يواجه مأزقا استراتيجياً بعد اخفاق «سلاحه النهائي»، اي اجتياح المناطق الفلسطينية عسكرياً. بل يرى التحليل ان ذلك الاجتياح يكشف عن فشل المخابرات الاسرائيلية التي لو كانت علمت بالشبكات الفلسطينية لاختارت العمليات الجراحية الدقيقة لاستئصال هذه الشبكات بدلا من استخدام المطرقة العسكرية التي ادت الى خفض للعمليات الاستشهادية الا انه خفض مؤقت ولا يعني بحال ان هذه العمليات لن تستأنف، كما حدث بالفعل. وفسر المعهد احجام اسرائيل عن اقتحام غزة بانه راجع لعدد من الاسباب، منها ان الاسرائيليين انفسهم لم يكونوا واثقين من ان هذا الاقتحام سيحقق اي نتائج ايجابية. واضاف التحليل واذا ما قدر للعمليات الاستشهادية الفلسطينية ان تستمر بعد اقتحام غزة والعمليات العسكرية الاسرائيلية الكبيرة في الضفة الغربية فان ذلك كفيل بخلق ازمة ثقة في استراتيجية الجيش الاسرائيلي. وعلى نحو معاكس فقد كان ذلك كفيل ايضا بتعزيز ثقة المنظمات الفلسطينية في قدراتها على البقاء رغم الضربات الاسرائيلية. ولان القدرات المخابراتية الاسرائيلية سبق ان فشلت في وضع صورة دقيقة لشبكات العمليات الاستشهادية، ولان العمليات العسكرية في الضفة، ثم في غزة ـ لو كانت اسرائيل قد قامت بها ـ لم تكن لتضع حدا لتلك العمليات، فان خيارات الاسرائيليين بعد اقتحام غزة ـ لو كانوا قد اقتحموها ـ كانت ستصبح معدومة تقريباً. فقد جربوا ما اطلقوا عليه اسم عمليات الاغتيال الوقائي ثم جربوا الاجتياح العسكري لكافة المناطق الفلسطينية ولم يسفر ذلك كله عن توقف العمليات الاستشهادية. ويعني تحليل المعهد ان الحكومة الاسرائيلية ـ في نظر ذلك التحليل ـ ابقت ورقة اجتياح غزة كي تترك لنفسها خياراً واحداً على الاقل تلوح به في حالة تجدد العمليات الاستشهادية رغم اقتناع هذه الحكومة نفسها بأن اجتياح غزة او المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية لن يحقق هدفها بوقف تلك العمليات، ورغم ادراكها لان كافة السبل الاخرى ـ غير سبيل المفاوضات ـ لن يحققه ايضا. ويعكس ذلك في رؤية ستراتفور البعد الاول لازمة ارييل شارون، اي اخفاقه الكامل في فرض الصمت والاذعان على الشعب الفلسطيني باستخدام القوة المجردة. اما البعد الثاني لتلك الازمة كما يرد في تحليل المعهد الاميركي فانه بعد دبلوماسي. اذ يشير ستراتفور الى ان الولايات المتحدة وصلت الى ادراك انه يتحتم عليها ـ خدمة لمصالحها ـ ان تحتوي المواجهة الفلسطينية ـ الاسرائيلية. ويقول التحليل ان الجانبين ـ الولايات المتحدة واسرائيل ـ ادركتا ان اقتحام قطاع غزة لن ينهي عمليات المقاومة ضد اسرائيل، وان واشنطن كانت ستتفهم اي قرار اسرائيلي باقتحام القطاع لو كان من شأن ذلك ان يوقف تلك العمليات. الا ان المعادلة بدت واضحة ولن تحقق اسرائيل هدفها في وقف هذه العمليات اذا ما دخلت غزة، ولكنها ستؤجج فحسب من التهاب الموقف في المنطقة، اي انها عملية بلا ارباح لاسرائيل، وبكثير من الخسائر للولايات المتحدة التي تريد تجنب المزيد من التوتر في الشرق الاوسط. وكان من شأن اصرار اسرائيل على القيام بعملية لها مثل هذه النتائج ـ التي لن تفيد اسرائيل وستضر بالسياسة الخارجية لواشنطن ـ ان يؤدي الى ازمة دبلوماسية مع ادارة الرئيس بوش. سيناريو استراتيجي ويقول تحليل ستراتفور ان شارون يعلم ان هناك سيناريو استراتيجيا له ابعاد الكابوس بالنسبة لاسرائيل، وهو سيناريو يذكر بما حدث قبل نحو 30 عاماً، ويلخص المعهد ذلك السيناريو الذي يشكل افق المخاوف الاسرائيلية في المستقبل على النحو التالي: اذا ما قامت حكومة مصرية بالغاء اتفاقيات كامب ديفيد وصياغة تحالف اقليمي يهدف الى مهاجمة اسرائيل من كل الاتجاهات مع وجود ما يزيد على 3 ملايين فلسطيني داخل المناطق الخاضعة لسيطرة اسرائيل، وبوسع الفلسطينيين في هذه الحالة قطع خطوط الامدادات الاسرائيلية وارباك خطوط الاتصالات وشن هجمات داخل اسرائيل. ان حرباً من هذا النوع لا يمكن لاسرائيل ان تنتصر فيها. ويضيف ستراتفور «من الوجهة العملية لاتزال اسرائيل بعيدة كثيرا عن مثل هذا السيناريو، ولكن من الوجهة العسكرية العملية فان شارون يدرك ان التوصل الى تفاهم مستقر مع الفلسطينيين هو امر جوهري للامن الاسرائيلي. فضلا عن ذلك فانه يدرك ان امامه الكثير من الوقت للتوصل الى مثل هذا التفاهم». رغم ذلك فانه ـ اي شارون ـ يعي ان على اسرائيل ان تتفاوض مع الفلسطينيين من موقع القوة القصوى، وهو الموقع الذي سعى شارون من البداية للوصول اليه. فقد اراد رئيس الوزراء الاسرائيلي ان يجعل الفلسطينيين غير قادرين على ممارسة اي عمل عسكري هجومي ضد اسرائيل ايا كان نوع هذا العمل. وعند وصوله الى هذه النقطة فانه ينوي كما اوضح ان يبدأ محاولته التوصل الى تسوية مع الفلسطينيين. واضاف التقرير «الا ان شارون يواجه في هذا السياق ثلاث مشاكل. الاولى هي ان الواضح ان عملياته العسكرية ادت الى تراجع القدرات الفلسطينية على شن هذا النوع من الهجمات الا ان الجميع يعلمون انها لم تقض تماما على هذه القدرات. ويشير المنطق الى ان هذه القدرات ستعود للنمو بمرور الوقت. المشكلة الثانية هي ان رئيس الوزراء الاسرائيلي لا يمتلك الآن اي خيارات عسكرية متبقية لمواصلة استراتيجيته. اما المشكلة الثالثة فإنها تتمثل في تصويت اللجنة المركزية لليكود اخيرا برفض اقامة دولة فلسطينية. ويشير التحليل الى هذا التصويت باعتباره يعكس خلافا داخل اسرائيل في رؤية الدور المتوقع للدولة الفلسطينية من زاوية علاقته بالامن الاسرائيلي، اذ يقول ان من يقبلون باقامة دولة فلسطينية يقولون ان اقامتها ستؤدي الى انهاء «التهديد من الداخل» الذي تتعرض له اسرائيل. الا ان اغلبية اعضاء اللجنة المركزية لليكود بقيادة بنجامين نتانياهو يرون ان افتراض تحول الدولة الفلسطينية الموعودة الى دولة تابعة لاسرائيل او حليفة لها هو افتراض خاطيء تماماً. ويعكس هذا التحليل ربما اصرار ارييل شارون ـ كما فعل في خطابه الى الكنيست مؤخراً على امرين محددين، الاول هو وقف العنف و«الارهاب» والتحريض الفلسطيني تماما، والثاني هو «اصلاح» السلطة الوطنية الفلسطينية، وذلك كشرطين مسبقين لبدء التفاوض مع الفلسطينيين. ويتفق هذان الشرطان مع تحليل ستراتفور عن رغبة شارون في التفاوض من نقطة القوة القصوى التي لن تتحقق الا بعد انهاء قدرة الفلسطينيين على القيام بأي عمليات ذات طابع هجومي ضد اسرائيل ـ حسب قول المعهد ـ فضلا عن ضمان الا تتحول الدولة الفلسطينية المقبلة الى تهديد لاسرائيل وذلك عبر ادخال «اصلاحات» على السلطة الوطنية على نحو ما يريده شارون وليس على نحو ما تريده هذه السلطة نفسها. فضلا عن ذلك فان تحليل المعهد الذي صدر قبل ان يلقي شارون خطابه في الكنيست اشار ـ كما سبق ـ الى سعي رئيس الوزراء الاسرائيلي الى الوصول الى «تفاهم مستقر» ـ وهو ليس حلاً نهائياً ـ مع الفلسطينيين. ويتفق ذلك مع ما ورد بخطاب شارون من سعيه الى التوصل الى «اتفاق مرحلي طويل الامد» مع الفلسطينيين قبل التقدم نحو الحل النهائي. ويشير تحليل ستراتفور الى ان من يقفون وراء تصويت اللجنة المركزية لليكود برفض اقامة الدولة الفلسطينية يفكرون بلا توقف في السيناريو الأسوأ الذي سبقت الاشارة اليه، اي سيناريو الغاء اتفاقيات السلام بين مصر والاردن واسرائيل ـ في ظروف مستقبلية مختلفة ولا يمكن التكهن بها الآن ـ ومن ثم تحول الدولة الفلسطينية الى شوكة في قلب اسرائيل اذا ما تمكن العرب من ردم الفجوة التي تفصل قدراتهم العسكرية عن القدرات الاسرائيلية ومن ثم اذا ما قرروا شن الحرب ضد الدولة اليهودية. ويضيف ستراتفور وليست وجهة نظر الليكوديين المعارضين لاقامة دولة فلسطينية وجهة نظر حمقاء تماماً، فهناك قوى فلسطينية مؤثرة ترى ان هذه الدولة ما هي الا خطوة تجاه تل ابيب. فضلا عن ذلك وبصرف النظر عن المشاعر والاقوال السائدة الآن فان الدولة الفلسطينية التي يدور الحديث عنها الآن ستعاني من نواقص كثيرة من الزوايا الاقتصادية والجغرافية والعسكرية والسياسية. ان هذه الدولة لا تستطيع ان تضمن وجود فلسطين مستقلة. الدولة الفلسطينية يستطرد المعهد ولكن مشكلة الرؤية التي طرحها الليكود برفضه اقامة دولة فلسطينية هي ان التجمع لم يطرح أية رؤية اخرى بديلة تشكل حلا للنزاع. فاذا كان تدمير المقاومة الفلسطينية هو امر مستحيل بالقوة العسكرية التي استخدمت خلال الشهر المنصرم فان ذلك يعني ان الليكود يقترح احد امرين: الاول هو استخدام المزيد من القوة العسكرية العنيفة ضد الفلسطينيين وهو امر قد يؤدي الى اخضاعهم ولكن لفترة مؤقتة وبصورة جزئية. اما الحل الثاني فهو اجبار الفلسطينيين على الرحيل الى الاردن. الا ان اجبار 3 ملايين انسان على عبور النهر لن يكون امراً صعباً فحسب، ولكنه سيخلق ايضا ازمة داخل اسرائيل وعلى مضار علاقتها بالعالم ويمكن له ان يؤدي الى تأثيرات بالغة السلبية على الأمن لاسرائيل رغم انه امر يحدث بحجة خدمة هذا الامن. ويقول ستراتفور ان تصويت الليكود ترك اسرائيل وشارون بدون اي هامش للمناورة. فاذا لم تكن الدولة الفلسطينية موضوعة على المائدة، فليس ثمة اساس للتفاوض من الاصل. لقد تحمل الفلسطينيون مشقات هائلة للوصول الى دولة، واي تصور بأنهم سيخضعون ويستسلمون اذا ما تلقوا وعدا بادارة ذاتية باهتة وضعيفة تحت الحكم الاسرائيلي هو عبث كامل. لقد برهن الفلسطينيون على قدرتهم على التحمل وعلى استطاعتهم الرد على اسرائيل رغم كل ما يواجهونه. ويستطرد التحليل ويترك هذا شارون في مواجهة مشكلة لا تكاد تصدق. فقد عجز رئيس الوزراء عن خلق الشروط التي أمل في خلقها حين استخدم القوة العسكرية، كما انه لا يمتلك بدائل عسكرية في الوقت الراهن على الاقل كما اثبتت قرارات الغاء اقتحام غزة. لقد تلخصت ورقته الاساسية في التحرك من اقصى موقع للقوة نحو اقامة دولة فلسطينية مشروطة وقد اتضح انه اخفق اولا في الوصول الى اقصى موقع للقوة، ثم ها هو حزبه يجرده من هذه الورقة النهائية التي حددها لنفسه منذ اسبوعه الاول في رئاسة الحكومة الاسرائيلية وربما قبل ذلك. ويقول ستراتفور «وليس من الواضح الآن ماذا سيفعل ارييل شارون. ان استراتيجيته تبدو معلقة في الهواء بسبب الرفض الفلسطيني للاستسلام وبسبب تصويت لجنة الليكود المركزية. ولن تلبث واشنطن ان تسأل رئيس الوزراء عن توضيح لموقفه ازاء تصويت الليكود. فاذا ما وقف شارون مع حزبه فان ذلك لابد ان يؤدي الى توتر كبير في علاقته بالولايات المتحدة. وبوسع رئيس الوزراء ان ينشق عن الليكود ويشكل تحالفاً سياسياً يضم عدداً كبيراً من اعضاء الحزب، الا ان الارقام لا تشجع على الاعتقاد بنجاح هذه المناورة. كما ان بوسعه ان يعلن عن اجراء انتخابات عامة جديدة، الا ان هناك احتمالا بان يخسر هذه الانتخابات. فضلا عن هذا فان الانقسام الحاد الذي شطر المجتمع الاسرائيلي طيلة السنوات الماضية لن يتبدد.. ان شارون يواجه مأزقاً حقيقياً. وليس من السهل التكهن بالطريقة التي سيخرج بها رئيس الوزراء من هذا المأزق.