البداية هي إبراهيم نافع، لكنها لن تكون النهاية بكل تأكيد. ففي الأيام القليلة الماضية أصدر قاضي التحقيقات بالمحكمة الفرنسية العليا قرارًا باستدعاء رئيس تحرير «الأهرام» القاهرية للتحقيق معه بتهمة العنصرية ومعاداة السامية والحض علي كراهية اليهود. وهذا الاستدعاء يأتي على خلفية مقال كتبه الزميل عادل حمودة يحمل عنوان «فطيرة يهودية من دم العرب»، ويتعرض فيه لواقعة شهيرة هي واقعة مقتل الأب توما وخادمه إبراهيم عمارة، والتي تضمنها كتاب فرنسي سرد فيه مؤلفه شارل لوران تفاصيل الحادثة التاريخية التي وقعت في الشام عام 1840 التي تتضمن شهادات تثبت أن الحاخامات اليهود قتلوا الأب توما واستصفوا دمه لاستخدامه في صنع فطيرة عيد الفصح. ورغم مضي ما يقارب العامين على نشر المقال موضوع التحقيق إلا أن اللوبي اليهودي في فرنسا راح يدفع بكل قوة للتحقيق مع إبراهيم نافع أمام قاضي التحقيقات بالمحكمة الفرنسية العليا. وفي تقديري فإن قرار الاستدعاء الذي أثار ضجة في العالم العربي ليس مقصودًا به إبراهيم نافع رئيس تحرير «الأهرام» فحسب، بل المقصود منه هو إبراهيم نافع نقيب الصحفيين المصريين ورئيس اتحاد الصحفيين العرب، وهو أمر له دلالته ومغزاه. ويعجب المرء من أن واقعة تاريخية لا خلاف عليها تحرك الادعاء الفرنسي لاستجواب واحد من رموز الصحافة العربية، ولا يتحرك هذا الادعاء في مواجهة العديد من الشكاوى والوقائع التي تستهدف الاساءة للعرب والمسلمين، وإثارة النعرات العنصرية والطائفية ضد من يتواجدون على الأرض الفرنسية. بالأمس القريب حاكموا الكاتب الفرنسي الشهير «روجيه جارودي» بتهمة تتعلق بخرافة الأساطير الإسرائيلية حول الهولوكست، واليوم يقدمون إبراهيم نافع ارضاء للوبي اليهودي النافذ في الغرب وفرنسا. إن محاكمة إبراهيم نافع في تقديري سوف تفتح الباب واسعًا أمام محاكمة العشرات من الكتاب والصحفيين والإعلاميين الذين يتجرأون على انتقاد السياسة الصهيونية وفضح الأكاذيب وتسليط الأضواء على الإرهاب الصهيوني في مراحله التاريخية المختلفة. والهدف هو لجم أصحاب الرأي والموقف وإرهابهم بقصد التوقف عن فضح المخططات الصهيونية وتجاوز الحقائق والتسليم بمفردات جديدة في الخطاب الإعلامي ترضي الدوائر الغربية والصهيونية. وهكذا مطلوب منا أن نتحسس الرقاب قبل عملية الشروع في الكتابة، فنتخلى عن وصف الصهيونية بأنها حركة عنصرية، وأن نقدم الإرهاب على أنه فعل ضروري ودفاع مشروع، وأن نتغزل في أخلاقيات شارون، رجل السلام الأول حسب وصف رئيس مجلس إدارة العالم الرئيس جورج بوش. وإذا استمر الوضع هكذا، فقد يأتي وقت يحاكم فيه أصحاب الرأي بأثر رجعي على مواقفهم السابقة، ويطارد فيه العسكريون الذين قادوا الجيوش لتحرير أراضيهم من المغتصب الصهيوني باعتبارهم من مجرمي الحرب، وقد لا تتردد «إسرائيل» أيضًا في طلب التعويضات جراء ما لحق بها أسوة بما جري مع ألمانيا بعد سقوط النازية. والسؤال هنا: هل سنترك إبراهيم نافع وحيدًا إلا من حملات تضامنية على الورق،. أم أننا في حاجة إلى فعل حقيقي يردع هذه الدوائر ويوقف محاكم التفتيش ولا يخضعها لنزوات اللوبي اليهودي؟! إنه سؤال لا يخص النخبة العربية فحسب، ولكنه هو موجه بالأساس إلى صناع القرار ومن بيدهم الحل والعقد فماذا سيفعلون؟!