رغم التعليمات الصارمة التي فحّت بها مكبّرات الصوت المحمولة على آليّات الاحتلال، المصفّحة والمجنزرة، والمدجّجة بأحدث الأسلحة الفتاكة، فقد أدرك الأهل المرابطون ، في نابلس، أن سيل الإحتلال بلغ زُباهم، وأن عليهم الاختيار، فإمّا الغرق الصامت المذعن، أو التمرد والعصيان والتصدي، للجم سيل الاحتلال قدر المستطاع. وهكذا كان، فقد لبّى أبناء عاصمة جبل النار نداءَ قيادتهم السياسية، وخرجوا إلى الشوارع والأسواق أفواجاً، وفتحوا محلاّتهم التجارية، وعياداتهم الطبية، وأماكنهم العامة، غير عابئين بدمويّة رد الفعل المتوقع من جانب قوات الاحتلال. وتحت ضغط هذا التحدي النابلسي، والرأي العام العالمي، والجمعيات والمؤسسات الانسانية الدولية، فقط، اضطر الاحتلال إلى الانحناء أمام الإرادة الشعبية وإلى شيءٍ من التراجع في قلقيلية وطولكرم والخليل، وسينحني أمام هذه الإرادة في بيت لحم وجنين ورام الله وكل المدن والقرى ومخيمات اللاجئين، الرازحة تحت وطأته الثقيلة والقبيحة. وليس سرّاً أن الحصار المتواصل والمُحكم لأكثر من عشرة أيام متتالية، في كل مرة يُفرض فيها، يتحول إلى بواميرانغ يرتد إلى أصحابه، فهو ضرب من العقوبات الجماعية التي تحرمها جميع المواثيق الدولية، وهو مادة مناسبة جداً لمحكمة لاهاي بشأن جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية. ومن هنا، فإن الاحتلال يحاصر نفسه أيضاً، حين يضرب الحصار على ضحاياه، المباشرين، وسيعلم المحتلون أي منقلبٍ ينقلبون، فالعالم، رغم كل شيء ليس سائباً. خطة إقتصادية دراماتيكية، ميزانية مرعبة ومثيرة للجدل. تظاهرات أمام مكتب رئيس الحكومة. خبير كُلفتُه 15 مليون شيكل لمعالجة قضية البطالة. قرار شاروني مثير بترحيل خمسين ألف عامل أجنبي. وكل هذا ينتهي بهدوء على طاولة الحكومة في جلسة إقرار الميزانية بتصويت محسوب سلفاً 12 وزيراً «ضد»، لكن 14 وزيراً «مع».. وتعود المياه القليلة للجريان في الأردنّ المتضائل موسماً إثر موسم.. ورغم التهديد بالمواجهة في الكنيست، فإن قوة شارون المرئية والملموسة تكفي لتمرير هذه الميزانية برلمانياً أيضاً، بعد إقرارها حكومياً. وفق الميزانية الجديدة ستتضرر 350 ألف عائلة من السكان الذين يعتمدون على «تأمين الدخل»، وسيلحق الضرر أيضاً بـ 46600 أسرة أُحاديّة الوالدين، وسينخفض الدخل من مخصصات الأولاد لدى 27000 عائلة، ولعلّه من نوافل الكلام، أن نشير إلى كون المجتمع العربي الشريحة الأكثر تضرراً بهذه الخطة الاقتصادية الطاحنة. البروفيسور يعقوب نئمان، أحد وزراء الاقتصاد السابقين، وصف الوضع الاقتصادي الراهن بأنه الأسوأ منذ أكثر من خمسين عاماً.. ويكاد يُجمع الخبراء الاقتصاديون على أن حالة الحرب الراهنة دفعت الاقتصاد الاسرائيلي إلى شفير التدهور والانهيار، وليس إلى مجرّد تباطؤ النمو الذي شهدته حالات الحرب السابقة. وتكفي الإشارة إلى أن خسائر الاقتصاد الاسرائيلي المعلنة، جرّاء حرب الاحتلال على الشعب الفلسطيني، أو ما يسمى بالانتفاضة الثانية، تجاوزت الخمسين مليار شيكل «11 مليار دولار»، و«حبل» الخسائر على «جرّار» التصعيد، فمتى يدرك ربابنة السياسة أن مصير ربابنة الاقتصاد في أيديهم، وأن دم الاقتصاد في أعناقهم؟! إنتصار اليمين الديني بوصول الجنرال إيفي إيتام إلى كرسي الوزارة في الحكومة الإسرائيلية، بعد وصول الجنرال الراحل رحبعام زئيفي إلى هذا الكرسي، إلى جانب وزراء دينيين متطرفين آخرين، أصبح واضحاً أن اليمين الديني القومي اليهودي تمكّن من استقطاب قدر كبير من النفوذ السياسي، بحيث لا تستطيع حكومة شارون- بيريز القيام بأي إجراء لا يقرّه هذا التيار، التيار الديني، والذي يلتف حوله المستوطنون والمتشدّدون من جميع أجزاء الطيف السياسي والإيديولوجي المتشنج. وبوقوع عملية الجامعة العبرية في الوقت الذي كان فيه الرئيس عرفات يتحدث إلى جانب ضيفه القس جسّي جاكسون، في مؤتمر صحفي، معلناً رفض هذا الطراز من العمليات، فإن هذا يعني أن الكلمة الأخيرة هي على أرض الواقع كلمة اليمين الديني الفلسطيني. إن اليمين الديني هنا يصدر عن باطل الاحتلال والاستيطان والعنصرية العمياء ضد العرب والمسلمين والفلسطينيين، ولا يجوز وضع هذا اليمين الديني في خانة واحدة مع اليمين الديني الفلسطيني المنتمي إلى شعب واقع تحت الاحتلال، والمتعرض لجميع أشكال القتل والتدمير والإرهاب، لكن المرجعية الدينية هي التي تخلق التقارب الأيديولوجي والاستراتيجي بين اليمينيين الدينيين المتشابهين والمتنافرين في آن. ومن قاعدة رؤية هذا التقارب الفكري بين التيارين نستطيع القول، وبمنتهى الوضوح: بلى، لقد انتصر التيار الديني هنا، بمثل ما انتصر هناك.. ولعلّه يترتب على التيارات العلمانية أن تعيد حساباتها، إذا كانت معنية باستعادة مواقعها، وأن تجدّد ترتيب بيتها المتصدع والآيل إلى السقوط، أمام هدير الزحف الديني.. هنا.. وهناك.