أمضى الملك عبدالله الثاني، عاهل المملكة الاردنية الهاشمية الاسبوع الماضي في رحلة موسعة ومكثفة في القارتين الاوروبية والأميركية، والتقى بخمسة رؤساء حكومات ودول، وأجرى على اقل حد اربعة لقاءات صحفية. فقد زار سويسرا، فرنسا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، والتقى في سويسرا بكل من خادم الحرمين الشريفين وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وفي فرنسا التقى الرئيس جاك شيراك، وبريطانيا رئيس الوزراء توني بلير، وفي الولايات المتحدة التقى بكل من شيمون بيريز وزير خارجية اسرائيل والرئيس جورج بوش. وقلما لقيت زيارة مثل هذا الاهتمام الكبير والموسع الذي لقيته هذه الزيارة من قبل الاعلام الدولي والعربي المسموع والمرئي منه والمقروء. ولذلك فقد اكتسبت ابعاداً واعماقاً. وقد يعود هذا الاهتمام لعدد من الاسباب اهمها هو ان المنطقتين المشتعلتين في الشرق الاوسط هما التي يتوسطهما، ويفصل بينهما الاردن وهاتان بالطبع العراق شرقاً، وفلسطين غرباً. وقد ابدى الملك في مختلف مقابلاته وتصريحاته وخطبه، اراءً واضحة محددة في عدد من القضايا مصنفة حسب الاولويات التالية: اولويته الاولى والسيناريو الاقرب والمفضل اليه هو ايقاف اي مساع لضرب العراق، واستبدال الدبلوماسية والحوار بالتهديدات والحشود والخطط العسكرية البديلة. وأما على الجبهة الفلسطينية، فالملك يريد ان تنتهي حلقة العنف والتفجيرات والقصف الجوي وسفك الدماء على الجانبين، وتفعيل الدور الأميركي والدولي من اجل الوصول الى تصور عملي مضمون لاقامة دولة فلسطينية خلال ثلاث سنوات. اما تفضيله الثاني في حالة عدم تحقيق السيناريو السابق، فهو تأجيل الضربة ضد العراق كسباً للوقت، وذلك لان العالمين العربي والاسلامي لن يقبلا بضرب العراق طالما لم تحل قضية فلسطين. ومع ان بعض المحطات الفضائية، مثل قناة الجزيرة، حاولت تفسير ذلك على أساس ان الملك عبدالله الثاني لم يعارض ضرب العراق، ولكن جعله مرهوناً بحل القضية الفلسطينية. وحالة التذاكي التي تسعى القناة للوصول اليها لا تتفق مع روح التصريحات الملكية، ولا مع نصوصها. والتفسير الوحيد المقبول لها، هو ان امام الملك عبدالله الثاني سيناريوهات مختلفة ومرتبة حسب الاولوية. وحيث ان الاردن والعرب لا يملكون كل اوراق اللعبة، فانهم لا يستطيعون فرض الحوار الاثير لديهم وعلم السياسة هو السعي للوصول لافضل ما يمكن في حدود اقصى الممكن. ولذلك فان تفسير قناة الجزيرة او غيرها بأن الملك عبدالله الثاني يقبل بفكرة ضرب العراق هو تفسير غير مقبول، ولا منسجم مع الواقع. فالملك قد بذل جهداً كبيراً ومحموداً كي يفسر النتائج الخطيرة التي قد تترتب على المنطقة عامة، والاردن خاصة، جراء ضرب العراق، خاصة اذا اتت هذه الضربة خلال الاشهر الستة المقبلة، وهي فترة لا تكفي على الاطلاق لوضع اي سيناريو مقنع لحل القضية الفلسطينية، ومن هنا، فان ضرب العراق وفق البدائل المطروحة سيكون كارثة بكل معنى الكلمة. واما السيناريو الثالث، والذي تتبناه الكويت حسب رأي بعض مسئوليها وليس وزير اعلامها المعبر عن موقفها الرسمي، فهو إذا كان ولابد من ضرب العراق، فليكن ذلك العمل ضامناً لوحدة العراق، وعدم السماح بتجزئتها، ومؤكداً ضرورة انهاء نظام الحكم فيه حتى لا يعود الرئيس العراقي ـ حسب تصريحات بعض الجهات الكويتية ـ اقوى مما كان عليه قبل الضربة العسكرية. وهذا السيناريو الثالث لم يتكلم به الملك عبدالله الثاني، والذي اصر على عدم تغيير الانظمة من الخارج، ورفض المبدأ كلية في حالتي العراق وفلسطين. وبالطبع، فان الملك عبدالله الثاني آثر الصمت حيال الضجة التي اثارتها مشاركة الامير الحسن بن طلال في المؤتمر العسكري للمعارضة العراقية، واكتفى بما قاله بعض المسئولين الوزراء والصحافة حول الموضوع، ولكن هذا الصمت انتهى في المقابلة التي اجراها الملك مع صحيفة «التايمز» اللندنية، والتي وصف فيها مشاركة الامير في المؤتمر العسكري للمعارضة العراقية بانها «غير موفقة» وباشارته للامير الحسن فانه «اخطأ خطأً فادحاً». وهكذا، يكون الملك عبدالله قد نفى علمه المسبق بتلك المشاركة حيث ان الامير حسن اخذ هذا القرار بنفسه وهو ما اكده الامير الحسن في مقابلة له مع محطة «MBC» بعد يوم واحد من المشاركة. وكذلك فان تصريحات الملك تؤكد عدم رضاه عن تلك المشاركة لما سببته من اشكاليات سيبذل الملك عبدالله جهداً خاصاً لاحتوائها، حسب التصريحات التي أدلى بها للصحيفة اللندنية. ومما لاشك فيه ان الملك عبدالله قد اثبت انه قادر على اخذ زمام الامور بيديه، وتوجيهها حسب ما يريد بحنكة وجدارة. ولكنني كنت قد تعرضت سابقاً لانتقاد شديد من بعض المحيطين بجلالته لما نشرت مقالاً هنا قبل سنتين اقترحت فيه اشراك الامير الحسن في ملف اللاجئين والملف الاقتصادي لخبرته الطويلة في هذين المجالين. وفسر البعض للملك عبدالله انني المح الى ان الملك ليس قادراً على مواجهة الامور بدون الامير الحسن وبالطبع ليس هذا قصدي ولم يكن. وانما انطلاقا من ايماني بكفاءة الامير الحسن، وبطاقته الكبيرة التي لابد ان تجد لها متنفساً. وقلت ان الامير الحسن كان نعم الناصح والمعاون لشقيقه الملك الحسين بن طلال رحمه الله، وسيكون كذلك للملك عبدالله الثاني، وبالطبع فان البعض فسر كلامي انه انتقاص من قدرات الامراء الشباب، او السعي للدخول من قبلي الى عالم المناصب عبر شباك الامير الحسن. سامحهم الله على اية حال. مما لاشك فيه، ان الايام المقبلات في الاردن وفي المنطقة هي ايام عصيبة. وان التحديات الاقتصادية الداخلية في الاردن سوف تتزامن مع اشتداد الامور في الخارج. ولدى الملك عبدالله همة عالية لمواجهتها. لقد افلح ان يحتل مكانة مرموقة على شاشة العالم، وان تكون كلماته ومواقفه موضع استئثار كبير، واستقطاب من القريب والبعيد، والصديق والناقد، وهذا هو النجاح بعينه. اما الملك عبدالله فلن يكون عوناً للعراق وقيادته، اكثر من العراق نفسه وقيادته. ومن المؤمل ان يتخذ العراق المواقف التي تنأى به وبشعبه عن الكوارث والنكبات ومن الواضح ان الاولوية الاسرائيلية هي فك الارتباط بين العراق وفلسطين. وهم يباشرون في الوقت الحالي ضغوطاً مستمرة لكي يقوم الرئيس الاميركي بضرب العراق بحجج يسوقها بعض المحللين في الغرب من الموالين لاسرائيل بأنها شريك الولايات المتحدة في محاربة الارهاب وأنها تتعرض له باستمرار وانها يجب الا يمارس عليها ضغوط كي تدفع ثمناً مقابل سعي الولايات المتحدة لغزو العراق، وتغيير نظام الحكم فيه. ولهذا، فان جهد الملك عبدالله في زيارته الاخيرة كان يسير باتجاه معاكس لما يريده بعض المحافظين المتشددين في الولايات المتحدة بمشاركة انصار الليكود في الكونغرس والادارة الاميركيين. ومن هنا اكتسبت زيارته اهتماماً خاصاً وكبيراً. وستجد ياأخي القاريء لو مسحت «الانترنت» عشرات المقالات المؤيدة للملك عبدالله وتصريحاته وبعضها الاخر الذي يسعى للانتقاص منها، مثل انها لا تخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة. ان مهمة الملك عبدالله كانت عسيرة، وللانصاف له، فقد ابلى بلاء حسناً في ظرف معقد ليس للاردن وحده، بل للمنطقة العربية بأسرها.