أثار البرنامج السياسي للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض في سوريا أسئلةً وردود فعل عديدةً عن الخط الذي قرر التجمع اتباعه في العمل المعارض بعد انتقال السلطة في سوريا إلى الرئيس بشار الأسد،، والذي يمكن تكثيفه بالتحول من الراديكالية إلى الإصلاحية. كي نفهم ردود الفعل هذه والتي صدرت أساساً عن كوادر حركية أو ثقافية قريبة بهذه الدرجة أو تلك من التجمع نفسه، أو من أحد أحزابه، لابد من تفحص جذور عملية التحول المعقدة تلك، ماقبل انتقال السلطة في سوريا بشار الأسد. ولابد هنا من الإشارة إلى أن هناك وضعاً خاصاً للأحزاب المعارضة التي يتألف منها التجمع، ويتمثل هذا الوضع في أن هذه الأحزاب برمتها قد انحدرت من لحم وشحم أحزاب الجبهة التي يعتبرها الدستور السوري قيادة سياسية عليا، وتعطيها السلطة من الناحية الفعلية حق احتكار العمل السياسي، ضمن منهاج الحزب القائد لها وهو حزب البعث، على أساس الوصول إلى تنظيمٍ موحد مابين مختلف أحزابها وتنظيماتها. فلكل حزبٍ في الجبهة شقيق معارض في التجمع، يعتبر نفسه الحزب الأم ومحور الشرعية، ويحكمه نوع من علاقة الأخوة الأعداء مع شقيقه الآخر المعارض، التي كرست تجربة المجابهة السياسية وعقابيلها القاسية مرارتها. وبكلامٍ آخر إن أحزاب الجبهة أو التجمع هي أحزاب منشقة عن بعضها في فتراتٍ مختلفة لأسباب إيديولوجية أو سياسية أو تنظيمية مركبة. إننا نستخدم هنا مصطلح المعارضة جدلاً، ذلك أن هذا المفهوم لايستقيم إلا في إطار نسقٍ سياسيٍ تعدديٍ ليبراليٍ يقوم على تداول السلطة، وحينئذٍ فإن المعارضة تشكل جزءاً من هذا النسق وليس نفياً له. لقد كانت الثقافة السياسية للنخب السورية على مختلف ألوانها الإيديولوجية والسياسية، وعلى مدى نصف قرنٍ ونيّف، وسواء كانت في مرحلة ما في السلطة أم في خارجها انقلابيةً طاردةً لهذا المفهوم. غير أن نواةً قائدةً في الحزب الشيوعي السوري المتعارف على تسميته بجناح المكتب السياسي بقيادة رياض الترك، وفي حزب الاتحاد الاشتراكي العربي «الديمقراطي لاحقاً» بقيادة الراحل الدكتور جمال الأتاسي، وهما حزبان انسحبا بين عامي 1973 و1976 من الجبهة كلياً وأصبحا في موقع المعارضة، قد قامت وبمعزل عن الهيئات الحزبية بخوض عملية حوارٍ ثنائية معمقة ومطوّلة حول تشكيل نوعٍ من جبهة معارضة لجبهة السلطة. ولقد تسارعت وتيرة هذا الحوارالثنائي وتشعبت لتشمل بقية الأطراف التي سيتألف منها التجمع، وهي جناح المكتب السياسي وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي «الديمقراطي لاحقاً» وحزب العمال الثوري «المنحدر من الجناح البعثي اليساري البعثي» وحركة الاشتراكيين العرب «كتلة الأستاذ أكرم الحوراني» وحزب البعث «الديمقراطي» الذي يمثل امتداداً لجناح اللواء صلاح جديد في الفترة الشباطية السورية «1970 ـ 1966». ولقد أفضت عملية الحوار إلى التوافق على نوعٍ من مخططٍ برنامجي قام الدكتور فايز الفواز منظّر تحول جناح المكتب السياسي إلى البرنامج السياسي الديمقراطي بصياغته، وطرحه داخل حزبه في شكل رسالة داخلية معمّقة، أقرتها اللجنة المركزية للحزب أخيراً، وشكّلت أساس مايعرف في وثائق الحزب بـ «الموضوعات «1979». ولعل برنامج التجمع الذي تم إعلانه لأول مرة في مارس 1980 وسط احتدام الاستقطاب الدموي الداخلي مابين السلطة و المعارضة الراديكالية الإخوانية المسلحة قد قام بشكلٍ أساسيٍ على تلك الوثيقة والموضوعات. شكّل هذا البرنامج في حينه ثورةً «ديمقراطيةً» مبكّرة، واستباقية بمنظور أيامنا، في العقل الشيوعي خصوصاً وفي العقل القومي والقومي اليساري الجديد المعارض غير المسفْيت، من ناحية تحوله لأول مرة من مفهوم الديمقراطية الشعبية ومن تعيين مرحلة التحول في سوريا على أنها مرحلة تحول نحو الاشتراكية إلى مفهومٍ يقع من الناحية البرنامجية السياسية في إطار المفهوم الليبرالي للديمقراطية. ولم يكن هضم هذا التحول يسيراً لاسيما في جناح المكتب السياسي نفسه أو في البعث «الديمقراطي لاحقاً» الذي أبدى تحفظاتٍ كبيرة خلال ورشات الحوار حول المفهوم «الليبرالي» الجديد هذا للديمقراطية. لقد كان هذا البرنامج في الواقع جرعةً صعبة الهضم في الوسط اليساري السوري عموماً، وفي الثقافة السياسية الشعبوية للنخب السورية عموماً، التي قامت على مختلف تلاوينها على تجاوز مرحلة المجتمع البورجوازي أو المجتمع المدني بمصطلح هيغل وماركس الشاب. ومن هنا تمثلت معضلته المركزية كما بيّن لي الدكتور فايز الفواز المنظّر الأساسي لهذا البرنامج والذي تولى بشكلٍ أساسيٍ مع الأتاسي صياغته النهائية، في حواراتٍ مطولة معه، في الفجوة مابين بنيته البرنامجية السياسية التي تقوم على الأولوية الديمقراطية، وبين بنيته التنظيمية الاستبدادية أو البيروقراطية الحديدية التي تقوم على المركزية الديمقراطية، وهي نظرية نظم التخطيط المركزي الشامل في الإدارة، وبين بنيته الإيديولوجية العقائدية الماركسية الموروثة عن البنية المسفْيتة «نسبةً إلى الإيديولوجيا السوفييتية» و«بلوكاتها» المبسطة، وإن كانت هنا أكثر نقديةً بحكم مجريات الاستقطاب مع المدرسة البكداشية الشيوعية السورية عميدة المدرسة الشيوعية العربية المسفْيتة في زمن الحرب الباردة. تغيير طرح التجمع وسط هذه الفجوات البنيوية برنامجه، الذي كان في حقيقته الوظيفية برنامجاً لايستهدف الحوار مع الجبهة، والتوصل إلى قواسم مشتركة في منتصف الطريق، بقدر ماكان برنامجاً يستهدف تغييرها، باعتبار تبني فرضية عجز الجبهة عن طرح طريقٍ ثالث بينها وبين الإخوان. بكلامٍ آخر لم يستهدف البرنامج أو يراهن أدنى مراهنة على إصلاح النظام بل على تغييره. وكان ذلك يعكس مبدأ الرغبة أكثر مما يعكس مبدأ الواقع، وهو مايفسر أن التجمع بتأثير موقف جناح المكتب السياسي قد رفض أي إشارة تدين عمليات الإخوان بالاسم. ولم يكن ذلك بسبب تحالف مزعوم لا أصل له ولايوجد أي صحة له، بين هذا الجناح وبين الإخوان بقدر ماكان نتاج التربية الشيوعية التقليدية الموروثة التي تقوم على رؤية كافة المسائل والمواقف في ضوء التناقض الأساسي واعتبار سائر التناقضات الأخرى ثانوية. والحال هنا أن التناقض الأساسي قد شخّص بوصفه تناقضاً مع السلطة وليس مع الإخوان، ومن هنا تم رفض أي حوارٍ مع لجنة تطوير الجبهة والسكوت عن عمليات الإخوان «بشكلٍ أدق توريط المجابهة مابين الطليعة المقاتلة وبين السلطة، في سياق مجابهة إقليمية أوسع للتنظيم العام الإخواني في العمليات». ولقد أدت محصلة المجابهة وتعقيداتها إلى مانصطلح على تسميته بأزمة الثمانينيات في سوريا، التي غيرت جذرياً طبيعة سلطة الدولة في سوريا، والتي كانت أي السلطة تفكر يومئذ في ضوء الضغوط الإقليمية الهائلة عليها بعقلية «القلعة المحاصرة» المستشرسة في الدفاع عن مصيرها. زلزلت عملية البيروسترويكا السوفييتية، وتهاوي المنظومة السوفييتية في أوروبا الشرقية العقل السياسي اليساري السوري عموماً سواء كان في الفضاء السوفييتي أم خارجه. ولقد تصادف ذلك مع ازدياد الضغوط الإقليمية على سوريا، بتأثير احتدام الاستقطاب ما بين محور دمشق ومحور بغداد على خلفية استقطابات حرب الخليج الأولى في النظام الإقليمي العربي. لقد خلقت تحولات البيروستوريكا شعوراً لدى التجمع المنهك بتأثير ضربة عام 1980 والحملات التي تلتها بالراحة من صدقية وصحة برنامجه في عام 1980، وكان ذلك هو شعور المتعب الذي تتمثل قيمته ببرنامجه المبكّر وليس بكثرة تنظيماته. غير أنه أخذ يتعرض هنا إلى ضغوطٍ كبيرةٍ لزجه في معمعان الاستقطاب العراقي-السوري الحاد، والذي وصل يومئذٍ أو قبله بقليل إلى حافة الانفجار، وتهديد بغداد بإرسال قواتٍ عراقية إلى لبنان لدعم الجبهة المارونية السياسية المعادية للوجود السوري في لبنان، والتلويح السوري في المقابل باحتمال تدخل وحدات إيرانيةٍ موازية. لقد وقعت حرب الجنرال ميشال عون قائد الجيش اللبناني المنقسم ضد الجيش السوري في لبنان تحديداً في سياق هذا الاستقطاب العراقي السوري. وشكّلت هذه الحرب مناسبةً للمعارضة السورية في الخارج، كي تعقد بدعمٍ مباشر من بغداد ومن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، مؤتمر ضغطٍ على دمشق يحاول عزلها سياسياً، ويسوّق حرب الجنرال، وسياسة بغداد في دعمها. غير أن من لعب دور كاسر الإضراب هنا لم يكن سوى التجمع نفسه، الذي اعتبر عرفات مشاركته شرطاً أساسياً لقوة المؤتمر باعتباره يمثل المعارضة في الداخل السوري. إذ رفض التجمع بشكلٍ حاسمٍ المشاركة في المؤتمر، وأدان صب الزيت على نار الاستقطاب العراقي السوري، واعتبره معادياً للشعب، وذهب طرفه الممثل بجناح المكتب السياسي الذي أمّنت استمراره الصعب في ظروف المحنة قيادة طواريء شابة متوارية ومطلوبة منذ حملة 1987 مؤلفة بشكلٍ أساسيٍ من قيادات الصف الثاني لاسيما في المنطقيات «الفروع في المحافظات»، إلى حد فصل كل من شارك من كوادر الخوارج في المؤتمر، وسحب الشرعية عن تمثيلهم للحزب والتجمع،والذين برروا مشاركتهم بأن موقف الحزب لم يصل إليهم، بل أخذ الأمر طابعاً أكثر حسماً حين تمّ حل منظمة باريس «فرنسا»، و إيقاف صدور مجلة المسار باسم الحزب، على خلفية مسائل مركبة كان المؤتمر أحدها أو صاعقها. وبعد الإفراج عنه كان رياض الترك الأمين الأول للجنة المركزية للحزب صريحاً معي حين رفض أي تبرير لمشاركتهم،و أكد أنه كان على الكوادر التي شاركت في المؤتمر الخضوع التام لقرار قيادة الحزب في الداخل. لقد كسرت افتتاحية صغيرة لجريدة «نضال الشعب» الناطقة باسم جناح المكتب السياسي في الداخل كل قيمة المؤتمر، وفرطت لجنته القيادية من حيث فشلت الأجهزة السورية السياسية والأمنية في اختراقه أو تطويقه. وبالطبع لم يتم كسر المؤتمر هنا نيابةً عن السلطة أو اتقاء بطشها بل انطلاقاً من الموقف المبدئي منه، ومن مفهوم المعارضة الوطنية المتركزة في الداخل التي ترفض الاستقواء بأي طرفٍ إقليميٍ عربيٍ ضد السلطة، وهو مايفسر حرص التجمع على الاستقلال مؤسسياً عن الجبهة السورية المعارضة التي ترعاها بغداد، وعدم تمكنها من تمثيل الدكتور محمد محفل بصفته الحزبية التمثيلية. انتحار سياسي لكن هذا الموقف المبدئي الذي يراعي عدم الانجرار تحت أي مبرر في «الحرب القذرة» ضد القيادة السورية، كما يرفض في الآن ذاته استفحال استخدامه في لعبة الاستقطاب بين دمشق وبغداد، قد تتابع مع مراجعة التجمع في وثيقة داخليةٍ له في أواخر عام 1989، لمرحلة الثمانينينيات، وتبنيه خطاً سياسياً يتجنب في الممارسة التصعيد والراديكالية ويقترب من الإصلاحية. من الممكن القول أن هذا الموقف قد أملته ظروف الإنهاك، وتغير موازين القوى، وإعطاء الحفاظ على الذات وتجنيبها الاختراقات أولويةً أساسيةً، واعتبار الدكتور جمال الأتاسي حرفياً الاستمرار في تصعيد الأمور بمثابة انتحارٍ «سياسيٍ» لكن هذا يعكس نصف الحقيقة، في حين يكمن نصفها الثاني في أن مراجعة تجربة الثمانينيات قد فتحت كوةً غير مرئية بوضوح يومئذ أمام إمكانية طرح الإصلاحية كعقلية سياسية وليس كمجرد تكتيك أسلوبي أملته تغيرات موازين القوى. إذ لم يترتب على وثيقة المراجعة أي تغير في الرؤية البرنامجية السياسية الأساسية للتجمع. وهناك إشارات تدعم هذا التلمس إذ تبنى حزب الاتحاد الاشتراكي العربي «الأتاسي» منذ مؤتمره العام السابع في عام 1985 تعديل بنيته التنظيمية ودمقرطتها كلياً بإلغاء مبدأ المركزية الديمقراطية فكراً وممارسةً ليتفق الحزب مع مبدأ العلنية، وهو ماتبناه التجمع داخلياً في عام 1989، وأخذ يطرح التحول إلى حركة واحدة، كان مدخلها توقيف نشرات أطرافه واستبدالها بنشرة موحدة ثم الارتقاء في مرحلة لاحقة إلى صياغة ميثاق ومشروع برنامج سياسي وتشكيل مكاتب متخصصة وهيئات فرعية عطلته العقلية الحزبوية الفصائلية لبعض كوادر المكتب السياسي «النضالية» بالمعنى النضالي القديم، والتي كانت لما تزل ترى أن التصعيد الضاغط هو الوسيلة الوحيدة في الظروف القائمة لانتزاع الحريات. رغم أن العلنية ظلت مجرد مبدأ ولم تترجم إلى عملٍ فعليٍ بتأثير أمور متعددة لاتتعلق كلها بالسلطة بل يتعلق بعضها بعقلية المنظمة السرية المؤامراتية، فإن التجمع أخذ حقيقةً منذ أواخر عام 1989 يتفادى أي تصعيد سواء في مرافعات معتقليه أمام محكمة أمن الدولة أم في ما تبقى من رمق في الحياة السياسية. ولقد كان موقف الدكتور الراحل جمال الأتاسي الأمين العام للتجمع وموقف قيادة جناح المكتب السياسي في ذلك قاطعاً. إن الجمود السياسي وتعليق القيادة السورية أي تحريك سياسي داخلي على تحقيق تقدم في عملية السلام المتعثرة، واستبدال الانفراج الديمقراطي المضبوط بغض النظر عن النشاط الثقافي السياسي، قد أدى إلى جفاف دورة النخب السورية، والتي كان عنوانها الحكومي حكومة رئيس الوزراء السوري محمود الزعبي التي شكلت نوعاً من غطاء لمراكز الطبقة الإدارية المسيطرة، وصل بالرئيس الراحل حافظ الأسد المعني في عاميه الأخيرين بطي ملف المجابهة مع الإخوان وإغلاق سجن المزة وإطلاق حملة مكافحة الفساد واتباع أسلوب التسامح مع الآراء والمواقف المختلفة، وغض النظر عن قيام نجله الدكتور بشار الأسد بتطبيش الرؤوس الكبيرة، إلى حد القول إنه لو خرجت تظاهرة ضد هذه الحكومة لقادها بنفسه. خلال هذه الفترة الممتدة من عام 1979 إلى عام 2000 اختار التجمع عملية انتظار التغيير. وكان حزب الاتحاد الاشتراكي العربي أول من التقطها وبادر إلى تنشيط دورته الداخلية بعقد مؤتمره الثامن 20 ـ 21 مارس، واتباع الأسلوب العلني فعلاً وليس قولاً، و التطلع إلى انتهاج أسلوب الهيمنة «الهيجيوميني» الغرامشي في العمل من خلال هيئات مجتمعية مدنية مع كفالة استقلاليتها عنه. ومن هنا استقبل الحزب خطاب القسم للرئيس بشار الأسد بشكلٍ إيجابيٍ. وكمن هنا في الحقيقة تحول من عقلية البديل إلى عقلية التعايش أو المساكنة من دون تنازل عن إطار المباديء، ومن العقلية الراديكالية إلى العقلية الإصلاحية. بالطبع كان ذلك تماماً هو موقف قيادة الطواريء في جناح الكتب السياسي وموقف معظم كوادره إذا ماتحدثنا عن الحزب كمؤسسة، وربما موقف البعث الديمقراطي في الداخل وليس في الخارج. لكن هذا لاينفي ماهو طبيعي في مثل هذه الحالات وهو بقاء مدرستين في حزب الاتحاد أم في المكتب تتجاذبان الراديكالية والإصلاحية. لاريب أن البرنامج الجديد للتجمع يعبر عن المدرسة الإصلاحية، ليس كتكتيك بل كعقلية تنطوي على فهمٍ جديد للسياسة، يتلخص في أن السياسة كما كان يقول دائماً الراحل حسن صعب معلم العلوم السياسية هي «فن المساومة والتسوية. وأن المساومة والتسوية هما وسيلتان ضروريتان من وسائل التراضي الاختياري. والتراضي الاختياري هو أرفع صورة من صور التفاهم في المجتمع الراقي». وهو مايميز موقف حزب الاتحاد الذي اختار العقلية الإصلاحية والعمل الديمقراطي السلمي العلني، كما يعكس موقف جناح المكتب لاسيما في نشرته الأخيرة «الرأي». والجديد هنا أن العقلية الإصلاحية لاتطرح البديل بل التعايش في إطار الإصلاح، وأنها تتمسك بمنهجها الإصلاحي بغض النظر عن تباطؤ الأصوات التي تمثله في السلطة فيه أو حتى تراجعها عنه، كما استنتج البعض المتشائم وله مبرراته في ذلك، إثر مشكلة توقيف النشطاء العشرة التي آذت كثيراً سمعة الرؤية الإصلاحية الرسمية. ومن هنا فإن التجمع كمؤسسة معارضة أو كأحزاب لم يندمج في حركة المثقفين، التي حاول أن يستملكها بعض أصحاب نظرية السقوط المزعوم لـ «قصر الشتاء»، وأن يستخدموا حتى أساليب الإرهاب المعنوي ضد الإصلاحيين في المعارضة، ثمّ تحولوا إلى نوعٍ من «مدّاحي القمر» في بلدٍ نعرف يقيناً احتقار رئيسه للنفاق والمدّاحين. لكنه دعمها بكل تأكيد بوصفها ظاهرةً صحية حيوية للنخب الثقافية السورية التي لاحاجة للتأكيد مجدداً بأنها تختزن أنبل القيم العمومية والوطنية في تطلعاتها. إن البرنامج يعكس تحولاً في العقلية وليس في التكتيك، ولاريب أن مايمكن أن يعزز جدوى هذه المدرسة هو متابعة مسيرة الإصلاحات التي يشير كل شيء إلى أن الآليات المحافظة وما يقف خلفها من مصالح وضيق أفق تعيقها وتحاول شدها إلى الوراء، وتضع العصي حتى في تجديد الإدارة السورية لدورة الحيوية في عروقها. ليست المسألة حكاية حرس قديم وجديد، ففي سوريا لايوجد مثل ذلك الاستقطاب الإيراني، بل المسألة هي في المضي الواثق نحو إرساء عقد توافقي جديد يقوم على مأسسة الرأي الآخر، أي بكلمة واحدة على مأسسة المعارضة التي لوكان هناك من يسمع اليوم في القيادة السورية لما كان قطبها الرمزاني والفعلي سوى التجمع. إن العقلية الإصلاحية باتت مهيمنة، وتراجع مصطلح المناضلين لصالح مصطلح النشطاء، يعكس اليوم تبدلات جوهرية من الناحية السيميولوجية من الراديكالية إلى الإصلاحية في الثقافة السياسة للنخب السورية، لم تقتصر على الديمقراطيين بل شملت قطاعات وازنة من الإسلاميين وتحديداً في اتجاه البيانوني في جماعة الإخوان المسلمين. والديمقراطية قيمة مستقلة بحد ذاتها لايجوز تعليقها على قيم أخرى أو على عالم مابعد الحادي عشر من سبتمبر، لكنها ليست قيمة مجردة بل قيمة عملية تنعكس على مجمل النشاطات الأخرى للسوريين، وفي مقدمتها تحصين وطنهم، وحماية عزته وكرامته. لقد تواطأ نضاليو السلطة ونضاليو المعارضة على تعطيل فرصة الإصلاح وإرهابها التي نقول بعقل الخبير البارد أنها لن تكون ممكنةٍ مع ذلك بمعزلٍ عن وعيٍ أخلاقيٍ وسياسيٍ مسبق من القيادة السورية بأولوية بناء دولة الحق والقانون. حكاية البديل انتهت ولم تعد معششة سوى في رأس مجموعة حامية محدودة من جماعة «قصر الشتاء». والمعارضة السورية المتواجدة بشكلٍ شبه علنيٍ في الداخل حاولت في برنامجها «وثيقتها البرنامجية بالأحرى» أن تقدم رؤيتها ليس برسم أيام وشهور قد تعصف النزوات والاستفزازات الارتجالية المتبادلة بها مؤقتاً بل برسم المستقبل. السوريون بحاجة إلى مستقبلهم كله، ولن يتجدد شباب ومستقبل أمّنا سوريا بغير السير الواثق في الإصلاح.