بيان الاربعاء: كثيرون اصيبوا بخيبة امل لم يكن لها مبرر بعد انتهاء قمة الدول الثماني التي انعقدت في كندا في 26 يونيو الماضي التي اريد لها ان تكون مؤيدة للطرح الغربي بالتحسن الاقتصادي، وهو امر ثبت عكسه تماما قبل وبعد واثناء القمة. الأمر الذي انتجته هذه القمة بشكل رئيسي هو اسدال الستار على الحرب الباردة بادخال روسيا عضوا كاملا في المجموعة وإرجاء استضافتها للقمة حتى عام 2006 لأسباب سياسية وعسكرية واقتصادية لم تخف على الروس اوغيرهم. والقمة التي جاءت تحت عناوين عريضة منها مساعدة الدول الأفريقية وحل مشاكل كثيرة عالقة كقانون البيئة والدرع الدفاعي الصاروخي الأميركي، خرجت باقل من المستوى الذي انعقدت به ولم تقدم شيئا يذكر لمساعدة الأفارقة بل قدمت مايمكن ان يربط اقتصادهم اكثر من ذي قبل بعجلة الاقتصاد الغربي ويجعله اسيرا لديه. الرئيس الأميركي الذي أراد من خلال هذه القمة ان يمرر قضايا سياسية ليحصل على دعم اوروبي روسي لها فشل في اقناع الشركاء بمبرراته في القضية الفلسطينية وبالذات مايتعلق بعرفات مثلما فشل في تمرير خططه السياسية بشأن الدرع الصاروخي وبشئون اخرى مضيفا على الإنقسام مع حلفائه اسبابا جديدة. القمة التي تعقدها سنويا الدول الثماني الأعضاء اعتادت ان تنعقد في اجواء معادية للعولمة وللخطط الغربية في نقل الاقتصاد العالمي من حالة الإستقرار الى حالة اللاتوازن وهو مايؤثر سلبا على الدول الفقيرة بشكل خاص وعلى الدول التي تملك ثروات اقتصادية لكنها تحسب ضمن الدول النامية، بشكل عام. القمة الأخيرة افرزت حقيقة السيطرة الأميركية على مقدرات العالم وهو ما اتسم به خطاب الرئيس الأميركي في القمة التي احتضنتها كندا. كيف تقرأ نتائج قمة الثماني، في إطار تداعيات اسواق المال التي اصابت اليابان قبل ان تصيب اميركا والتي اثرت في الاقتصاد العالمي؟ ماهي نتائج القمة، وكيف ينظر الى تعاملها مع الروس ومع القضايا الدولية؟ ماهو تاريخ التدخل الأميركي في الشئون العالمية والذي بلغ اقصى مدى له في هذه القمة؟ وأخيرا كيف حولت اميركا القمة الاقتصادية الى منبر سياسي لتمرير مخططاتها السياسية. بين تحرير التجارة العالمية وهو الركيزة التي قامت عليها مجموعة الثماني، وبين التصادم مع دول العالم الثالث،خيط رفيع حاول الغربيون الذين اجتمعوا في كندا في يونيو الماضي السير عليه دون السقوط في هاوية الفشل الذي اصاب اقتصاداتهم جميعا. والتسمية الرسمية للقمّة هي «المؤتمر الاقتصادي العالمي»، وهي أنشئت عام 1975م للتنسيق بين كبريات الدول الصناعية، وقايةً من الأزمات الاقتصادية والمالية ومعالجة ما يطرأ منها، وتضم في عضويتها أميركا وروسيا وفرنسا والمانيا وبريطانيا واليابان وكندا وايطاليا وقد انعقدت هذا العام في منتجع كاناناسيكس الحصين الذي شهد ماأشير الى انه اتفاق تاريخي تمثل في منح روسيا العضوية الكاملة في المجموعة ليسدل الستار رسميا على حقبة الحرب الباردة. ورغم ان القمة تعنى بشكل رئيسي بالاقتصاد العالمي الا ان البند الذي يتعلق به بقي في هذه القمة في حدود ما عبّر عنه مضيفها رئيس الوزراء الكندي جان كريتيان باسلوب متفائل بالأوضاع الاقتصادية في بلدانهم وفي العالم الغربي على حد سواء تبشّر بأن هذا العام أفضل من سابقه وان العام المقبل سيكون افضل. القمة هذا العام جاءت متزامنة مع مسلسل الانهيارات الشديد في أسواق المال العالمية والتي كانت ابرزها الشركات والمصارف المالية الكبرى في اليابان تلاها مسلسل الفضائح الأميركي ولعل اخطر هذه الحلقات كانت شركة «ورلدكوم» الأميركية العملاقة التي اعترفت بتزوير ميزانيتها لتوهم بأن وضعها جيد، والذي رافقه انهيار شركة كيرش الألمانية العملاقة وهو ماخفض قيمة الدولار واليورو الى مستويات لم تشهدها اوروبا واميركا منذ عقد على الأقل. وبشكل عام، كانت مؤشرات التفاؤل اقتصاديا ضعيفة وهو الذي يفسر تسليط الأضواء بصورة شبه استعراضية على قضايا أخرى، من شأنها أن تجذب اهتمام وسائل الإعلام والرأي العام بطبيعتها، وتشغلهاعن السلبيات الاقتصادية والمالية الحالية. تسليط الأضواء كان واضحا على تطوير العلاقات مع موسكو، وإجراءات ما يسمّى الحرب ضدّ الإرهاب، وما أعطي عنوان «الشراكة مع القارة الأفريقية».. ولكن لم يسر ذلك على ما يتعلق بالأحداث الساخنة في المرحلة الراهنة من تاريخ قضية فلسطين، فلم تتحرّك القمة على هذا الصعيد، بما يتفق مع الثقل السياسي الدولي للأطراف المشاركين فيها، بل على النقيض من ذلك يمكن القول إن أسلوب التعامل مع بند موسكو وبند أفريقيا استهدف أيضا التغطية على امتناع القمة «الكبرى» عن اتخاذ موقف مشترك «فعّال» من مجرى الأحداث في الأرض الفلسطينية. ماينظر اليه في إطار هذه القمة مضامين خطاب بوش الذي سبق انعقادها والذي طرح رؤية ضبابية - كما وصفت ـ وهو وصف ينطبق على مسألة ترك الباب مفتوحا أمام عدم اتخاذ خطوات عملية مباشرة.. ولكنها لم تكن ضبابية من حيث تثبيت الانحياز الأميركي المطلق لصالح حكومة الاحتلال الإسرائيلي التوسعي، بل شمل هذا الانحياز الأميركي البلدان العربية الأخرى التي سعت سعيا حثيثا لانتزاع أي «موقف أميركي» يبدو عليه شيء من التراجع إلى مستوى وساطة. ويرى المراقبون إن كلمة بوش قبل القمة، ومتابعة الآلة العسكرية الإسرائيلية لأعمالها بعد الكلمة وأثناء القمة ـ فضلا عن غياب موقف عربي أو إسلامي فعال رغم القليل الوارد على ألسنة بعض المشاركين في لقاء وزراء خارجية الدول الإسلامية في الخرطوم قد وضعا القوى الدولية المشاركة لواشنطن في قمة الثماني أمام خيارين: ـ اما المتابعة على غرار ما كان حتى الآن، أي بما يشمل التنويه من وقت لآخر بالخلاف «الكلامي» على صياغة مواقف مشتركة، ويشمل أيضا عدم اتخاذ إجراءات عملية منفردة أو جماعية للتأثير على مجرى الأحداث في واقع الأرض الفلسطينية. ـ أو اتخاذ موقف المواجهة، وعلى افتراض أفضل التوقعات من القوى الدولية المعنية، ليس من الواقعية السياسية في شيء انتظار أن تتخذ القوى الدولية المعنية موقف المواجهة مع الحليف «المنافس» الأميركي، دون سبب تفرضه المصالح الذاتية، القريبة والبعيدة. وهذا بالذات لا يوجد في الأفق ما يشير إليه في الوقت الحاضر، بل على النقيض من ذلك، لا يوجد ما يمنع بعض الدول الأوروبية من المضي شوطا آخر مع الرئيس الأميركي، على حساب السلطة الفلسطينية. الأمر الذي يلفت النظر في قمة الثماني أن الجوانب الرئيسية المهملة في كلمة بوش لم تكن موضع التركيز في التعليقات والتصريحات التي رافقت القمّة وتلتها، إنما كان التركيز بصورة «استعراضية» أيضا على مسألة التخلّي الأميركي عن ياسر عرفات وسلطته.. وهنا مهما قيل بشأن حسن النوايا الأوروبية والروسية على ضوء الخلاف في وجهات النظر مع الحكومة الأميركية، فلا يخفى على المؤتمرين أن هذا التركيز كان يعني على أرض الواقع شغل الرأي العام عن «جوهر» الصراع الدائر. ورغم الاختلاف في مواقف الدول الثماني حول القضايا المطروحة وبالذات في القضية الفلسطينية الاان الجهود المبذولة لم تذهب لتليين موقف الانحياز الأميركي، وإنما في توظيف ما يُتخذ من مواقف جديدة في إطار الحرب المعلنة ضدّ «الإرهاب الدولي»، وربّما لعب هذا دوره في بعض ما يظهر من مواقف متردّدة أوروبية في هذه الأثناء، وكان آخرها إعلان وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر بعد قمة الثماني مباشرة أنّه لا يمكن القبول بأن تصل الحرب ضدّ الإرهاب إلى مستوى انتهاك حقوق الإنسان. وهو ما يمكن فهمه كملاحظة موجّهة إلى الأميركيين، رغم أنّه تطرّق في التصريحات ذاتها إلى الوضع في الشيشان على وجه التخصيص. فكيف نقرأ نتائج قمة الثماني في محيط التدهور الاقتصادي والتردي السياسي؟ مركز وتوابع يرى المتابع للدور الأوروبي في الحياة السياسية بعد انتهاء الحرب الباردة بشكل عام، وإثر اندلاع حرب الإرهاب بشكل خاص ان هذا الدور تقلص وبات ظلا للقيادة الأميركية وقد أكد ذلك قول الأوروبيين انفسهم بأن دورهم مجرّد «سند» للدور الأميركي، ويلاحظ ايضا ان الإرهاب اصبح عنوانا كبيرا للسياسة الغربية ومفرداته مما يعزز الطرح القائل بتبعية الدور الأوروبي. والأرجح أن «قسطا كبيرا من مواجهة الإرهاب» وفق المفهوم الأميركي للكلمة، ولكن دون مستوى «الحرب العسكرية» يجد المشاركة الأوروبية الكاملة، ويتفق مع ما تراه الدول الأوروبية من «مخاطر» وباتت كلمة «الإرهاب» بديلا عن ما يمكن وصفه بالمخاطر «الحضارية» على الصيغة الحضارية الغربية الراهنة. والواقع أن جملة الإجراءات الصادرة عن قمة الثماني تتجاوز إلى حد بعيد ميادين الخطر المباشر لهجمات إرهابية، بمعنى استخدام الأسلحة التقليدية أو أسلحة الدمار الشامل. فتحت عنوان «وسائل المواصلات والاتصال» والإجراءات المطلوبة على صعيدها، يمكن أن تصبح الإجراءات الغربية المعلنة ضدّ «الإرهاب» إجراءات قمع وحصار وملاحقة للفكر الآخر، وعلى وجه التحديد الفكر الإسلامي، بدعوى أنّه يمثل «أرضية» الإرهاب، وهو ما سبق إعلانه في المطالب الأميركية المتكررة لعدد من الدول الإسلامية أن تبدّل مناهجها التعليمية والتربوية وغيرها. مظهر آخر لهذه التبعية نجده واضحا في الأجندة السياسية الأميركية ففيما اسدلت قمة الدول الثماني الكبار رسميا الستار على الحرب الباردة بمنح روسيا العضوية الكاملة، نجح جورج بوش الرئيس الاميركي في فرض اجندته لمكافحة الارهاب بانتزاع اتفاق لتحصين وسائل النقل وحماية الاسلحة النووية الروسية من الوصول الى ايدي «الارهابيين» رغم إنه فشل في المقابل في حمل المشاركين في القمة على تأييد خطته الرامية لاقصاء ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني. وفي انعكاس لنجاح ضغوط بوش تبنت الدول الثماني خطة لمكافحة الارهاب حيث تم التوصل الى اتفاقيتين: ــ الاولى تقضي بتحصين وسائل النقل عبر زيادة اجراءات الحراسة الامنية وجعل قمرات القيادة في الطائرة الامنية أكثر أمنا. ــ والثانية تخصيص 20 مليار دولار تتكفل الولايات المتحدة بنصفها لحماية المواد التي تستخدم في صناعة الاسلحة النووية كالبلوتونيوم واليورانيوم في روسيا لمنع وصولها الى ايدي «الجماعات الارهابية» اضافة لمساعدة موسكو على تغطية تكاليف التخلص من معظم ترسانتها النووية والبيولوجية والكيماوية. في نفس الوقت ينظر الى الضغوط الأميركية في الإطار الإقتصادي فعلى سبيل المثال كانت دول القمة قد تبنت في عام 1999 في كولونيا مبادرة تهدف إلى شطب نحو 100 مليار دولار من ديون البلدان الفقيرة، وقالت: إن تسع دول تأهلت بالفعل لتخفيض ديونها بما يتجاوز 15 مليار دولار. والبلدان التسعة هي: بنين وبوليفيا وبوركينا فاسو وهندوراس وموريتانيا وموزمبيق والسنغال وأوغندا وتنزانيا لكننا نرى ان هذه المبادرة بقيت تتأرجح بين الرفض الأميركي او الموافقة المشروطة. وفي الوقت الذي أقر فيه زعماء مجموعة الثماني بضرورة بذل جهود جديدة لإسراع خطى تنفيذ المبادرة، وقالوا إنهم سيضاعفون جهودهم لضمان تخفيف الديون عن أكبر عدد ممكن من الدول الفقيرة، لم يطرح الزعماء أي تنازلات في الشروط التي يتعين على طالبي تخفيف الديون الوفاء بها؛ وهي تنفيذ إصلاحات اقتصادية، وإعداد خطط تفصيلية؛ لضمان استفادة الدول الأكثر احتياجًا من فوائد تخفيف الديون، وبالطبع فإن الجانب المتشدد كان الأميركيون الذين يعتبرون الإقتصاد الاوروبي تابعا لهم. ويمكن بشكل عام تلخيص نتائج التأثير الأميركي في دور الدول اعضاء القمة وفق مصادر كثيرة: ـ تنامي العداء الرسمي للولايات المتحدة الأميركية، حتى بين الدول الحليفة لها مثل فرنسا وألمانيا. ـ استمرار إصرار الولايات المتحدة على لعب دور القيادي الوحيد في العالم، دون أي اعتبار للشركاء الآخرين، مثلما حدث في اتفاقية كيوتو الخاصة بالبيئة. ـ الخطاب الإعلامي الثائر الذي فرض نفسه في اجتماعات «بون» الخاصة باتفاقية كيوتو، وأظهر حجم العداء التي تُكِنه شعوب العالم لأميركا. ـ استبعاد الولايات المتحدة الأميركية من عضوية لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لأول مرة في تاريخها. ـ الإصرار الأميركي على عدم لعب دور فعال في رفع الديون عن الدول المدينة، وتقديم صيغة «الديمقراطية هي الحل» على واقع يفرض صيغة «الخبز والدواء أولاً». ـ رفض الولايات المتحدة السماح لأوروبا والعالم بمنظماته الدولية بلعب دور في وقف العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، والسماح للآلة العسكرية لشارون بالقتل والتدمير، «وهو ما استنكره الرئيس الأميركي السابق كارتر واعتبره نقصًا في سياسة بوش». ـ الخطاب الإعلامي المتعجرف للخارجية الأميركية، والمقاوم لكل محاولة استقلالية لأي قطر في العالم، حتى الدول الشريكة مثل فرنسا. ـ التصدي الصيني للهيمنة الأميركية الذي تمثل في إجبار طائرة التجسس على الهبوط، وإرغام أميركا على الاعتذار. ـ الصمود الفلسطيني، وانتقال النموذج «الحجري» إلى العالم عبر وسائل الإعلام، وتجرؤ الفلسطينيين على التصدي وصمودهم ما يزيد على تسعة أشهر. روسيا وأفريقيا بدا الشأن الأفريقي وفق ماأظهرته وسائل الإعلام هو الشأن الأهم باعتبار ان القمة تكرس موضوعها الأساسي لافريقيا وللمبادرات التي اتخذت في السابق بشأنها، فيما اسدلت قمة الدول الثماني الكبار رسميا الستار على الحرب الباردة بمنح روسيا العضوية الكاملة ونجد ان بوش قد نجح في فرض اجندته لمكافحة الارهاب بانتزاع اتفاق لتحصين وسائل النقل وحماية الاسلحة النووية الروسية من الوصول الى ايدي «الارهابيين». عنوان «الحرب ضدّ الإرهاب» هو الذي مهّد للخطوة الأخيرة على طريق «التلاحم» الأميركي ـ الروسي الجديد، وهو ما انعكس في مراحل متتالية منذ سقوط الشيوعية، كان أبرزها الإعلان الأميركي المتكرر أن توسيع حلف شمال الأطلسي سيتم نحو الشرق شاءت موسكو أم أبت، ثمّ الرفض المطلق للاعتراضات الروسية بشأن مشروع الدرع الصاروخي، ثمّ الخروج من معاهدة عام 1972م «الأهمّ» في مشوار الحدّ من التسلّح وتوظيف مبدأ «الردع المتبادل» للحيلولة دون نشوب حرب نووية.. وبقيت هذه السياسة الأميركية هي السائدة رغم أن الرئيس الروسي بوريس يلتسين ثم خلفه فلاديمير بوتين كانا ـ ولا يزالان ـ يعتبران مواليين لواشنطن، في الأوساط الروسية وحتى بعض الأوساط الأوروبية. وتشير الدراسات الى انه، بغض النظر عن القروض والاستثمارات المالية التي ربطت قطاعات كبيرة من الاقتصاد الروسي بالاقتصاد الغربي واقعيا، يبقى من الناحية الفعلية أنّ الاتحاد الروسي يمثل أكبر دولة في العالم من حيث الرقعة الجغرافية، ولكنه ما زال أقرب إلى الدول النامية اقتصاديا وإداريا، ولا يتوقع أن يتبدّل هذا الوضع تبدّلا جذريا خلال السنوات الأربع المقبلة. فانضمامه إلى مجموعة الدول الصناعية رسميا عام 2006م هو «خطوة سياسية» وليست اقتصادية، وهو ما يمثل تناقضا واضحا مع ما قررته القمة من شروط «سياسية» على الدول الأفريقية لتحصل على «دعم مالي محدود». ولايمكن تجاهل أن الدول الغربية تنظر في علاقاتها الاقتصادية مع موسكو على اساس انها سوق استهلاكية واستثمارية كبيرة. ولكن الجانب السياسي أيضا هو ما يكمن وراء تخصيص «منحة مالية» بحجم عشرين مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية لضمان إتلاف ما يراد إتلافه من الأسلحة النووية ونفاياتها، والحيلولة دون وصول شيء من ذلك إلى دول أخرى. ويمثل تقاسم المبلغ بين الولايات المتحدة الأميركية وبقية دول المجموعة، مدى التوافق بين القوى الدولية مجتمعة على هذا الصعيد، فجميعها حريصة على ما يمكن وصفه باحتكار أسلحة الدمار الشامل لدى الدول التي تمتلكها حاليا. ويرى الخبراء أنه منذ سقوط الشيوعية، ورغم سائر التوجهات السياسية نحو الغرب في عهد يلتسين ثم بوتين، لم تحصل موسكو إلى وقت قريب على أكثر من «تنازلات رمزية» في ميدان التعامل معها كقوة دولية على «قدم المساواة» كما كان زعماؤها يطالبون باستمرار. وبدا أن بوتين رأى في تفجيرات نيويورك وواشنطن الفرصة للتحرّك في اتجاه واشنطن في ميدان لا يجد بسبب الشيشان ومنطقة القوقاز ووسط آسيا عموما معارضة داخلية كسواه من الميادين، فتسارعت وتيرة خطوات التقارب من جانب واشنطن أيضا، بفتح باب تشاور أكبر مع حلف شمال الأطلسي دون مستوى العضوية بطبيعة الحال، وهذا مقابل تبدّل ملحوظ في اللهجة السياسة الروسية على صعيدي التوسع الأطلسي شرقا وشبكة الدرع الصاروخي، فضلا عن القبول بمعاهدة ثالثة للحدّ من التسلّح النووي بعيد المدى، رغم خلوها من أي ضمانات حقيقية على النقيض ممّا سبقها. من هنا، تتبين القيمة السياسية، ثم الأمنية العسكرية، من دون القيمة الاقتصادية والمالية، وراء القرار بانضمام الاتحاد الروسي إلى المجموعة عام 2006م. «الشراكة مع أفريقيا» كانت الجانب الاقتصادي الأظهر للعيان في قمة الدول الثماني، ولكن إذا كان تفاؤل رئيس الوزراء الكندي كريتيان بشأن وضع الاقتصاد العالمي مقصودا على أمل ألا يضيف «عبئا معنويا» على الأعباء الحقيقية القائمة، فمن العسير تفسير تفاؤله رغم جهوده الشخصية قبل المؤتمر بشأن ما وصلت إليه القمة تحت عنوان الشراكة مع القارة الأفريقية، الذي اتخذ صيغة استعراضية باستقبال أربعة من الرؤساء الأفارقة يتحدثون باسم 15 من أصل 52 دولة، ويعطون للغربيين الوعود بمكافحة الفساد. المحور الرئيسي في وثيقة الشراكة البالغ حجمها 19 صفحة، كان الاستعداد لمضاعفة حجم المساعدات الإنمائية الرسمية المخصصة للدول الأفريقية حتى تصل إلى 50 في المئة من المساعدات الإنمائية الرسمية إجمالا، ولا يعني ذلك فقط، تحويل هذه المساعدات من بلد فقير إلى بلد أقل فقرا، إنما تحويلها أيضا من بلد «لا ينفذ الوعود» وفق المنظور الغربي، إلى بلد ينفذ الوعود. وأقل ما يقال في ذلك هو أن المساعدات الإنمائية التي كانت مرتبطة شكليا بحقيقة الحاجة الاقتصادية إليها، أصبحت وسيلة من وسائل ممارسة الضغوط السياسية في واقع سياسي دولي قائم، يمكن أن يجعل من قضية «التعاون في مكافحة منظمات متهمة بالإرهاب» مثلا، أو من «تحرير المرأة» وفق الرؤية الغربية كمثل آخر، شرطا من شروط الدعم الإنمائي بغض النظر عن اقتران ذلك حقيقة بترسيخ أنظمة تحترم حقوق الإنسان. ويقول الخبراء انه حتى مع استبعاد «الجانب السياسي» الكامن وراء الوعود الجديدة، يمكن الإشارة أيضا إلى أن المبادرة الأولى التي انطلقت عام 1999م عن قمة كولونيا للمجموعة الصناعية، قررت آنذاك توجيه الدعم الموعود لصالح 21 دولة أفريقية من بين 42 دولة فقيرة، وتم منذ ذلك الحين إعفاء هذه الدول وفق الشروط الموضوعة من 30 مليار دولار من أعباء الديون عليها، ولكن الحصيلة النهائية كانت أن الديون بمجموعها على تلك الدول كان حجمها يعادل 230 مليار دولار، وهي في عام 2002م مع انعقاد القمة الأخيرة في كندا تعادل 240 مليار دولار.. ولا علاقة لجميع ذلك بالديون التي تحمل عبئها دول فقيرة ونامية أخرى، بحجم بات يناهز 2800 مليار دولار في هذه الأثناء. وتشير مصادر الأمم المتحدة الى أن إجراءات الحماية الجمركية والتجارية في الدول الغربية تسبب للدول الأفريقية خسارة سنوية يزيد حجمها على عشرين مليار دولار، أي بما يقارب حجم القروض الإنمائية الغربية إجمالا في الوقت الحاضر لصالح سائر الدول النامية معا. ومن ذلك نصيب الدول الأفريقية في حدود 6 مليارات، بينما تقدّر الأمم المتحدة أيضا أن نصيب القطاع الزراعي الأفريقي من الخسارة في سوق التجارة الخارجية مع الدول الغربية، وبسبب إجراءات الحماية السارية المفعول رغم كل ما يقال عن تحرير التجارة، يزيد على 12 مليارا، أي ضعف ما تحصل عليه من مساعدات إنمائية. وفي الاتحاد الأوروبي وحده يبلغ نصيب المزارع الأوروبي من الدعم المالي الرسمي له لتبقى أسعار المنتجات الزراعية الأوروبية في مستويات متدنية، أكثر من 12 ألف يورو أو دولار في السنة، أي ما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف الدخل الفردي جنوب الصحراء الأفريقية لمدة عام كامل. وتذكر المصادر الصحفية ان الدول الأوروبية تعرّضت لحملة كبرى لدفع عشرات المليارات من التعويضات لصالح من وصفوا بعمال السخرة في العهد النازي ويبدو انه من المؤكد أن إسقاط القروض جميعها، وليس تقديم الدعم على شكل قروض جديدة مطلباً ملحاً، في إطار مطالبة الدول الغربية بدفع التعويضات عن بعض حملات الاسترقاق الكبرى التي نقلت أعدادا لا حصر لها من الأفارقة، أصبحوا يشكلون «ثلث» سكان الأميركيتين في هذه الأثناء، ولا يزال القسم الأعظم منهم يعاني من التمييز العنصري هناك، كالتمييز العنصري الذي تعاني منه الدول الأفريقية في ظل الاستبداد الدولي الراهن. ورغم كل ماقيل ومايقال عن اهتمام القمة بأفريقيا والتي كانت العنوان الأبرز في القمة،الا انه لايمكن تجاهل ان اميركا حضرت لتؤكد انها الدولة الأعظم وان الاقتصاد العالمي رهن بها وان افريقيا او سواها لاتجرؤ على الخروج من دائرة الديون الغربية برمتها، وهو مايؤكد النزعة الأميركية في التدخل في الشئون العالمية مما سنأتي عليه. لهيب عبدالخالق: