مثلما يحوم المجرم حول مكان جريمته يحوم الاسرائيليون في تخوف بالغ حول المحكمة الجنائية الدولية والتي دخلت حيز التنفيذ مع مطلع الشهر الماضي، وأخذوا في رسم السيناريوهات المتوقع أن يواجهوها من جراء ما ارتكبوه من جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية جريدة (هآرتس) نشرت تقريرا لها على شكل دليل للاسرائيلي العادي يفسر له مخاطر المحكمة الجديدة و يحذره مما ينتظره في حالة سفره للخارج وما سيطرأ على الأوضاع القانونية من تغيير في حالة قيام دولة فلسطينية، والخطير أيضا في هذا المجال هو بعض المزاعم بشأن تفسير اتفاقية تأسيس المحكمة والتي تستوجب التفنيد المبكر من خبراء القانون العرب. التقرير أكد أن المحكمة تستهدف كل العسكريين الذين خدموا في الجيش الاسرائيلي بداية من درجة جندي حتى رئيس الأركان بالاضافة للمستوطنين والسياسيين والمدنيين أيضا. وقال أنه من الممكن لأي اسرائيلي أن يفاجئ أثناء زيارته للندن على سبيل المثال بطرقات على غرفته في الفندق ليجد نفسه أمام من يعتقلوه لصدور قرار دولي باعتقاله لاتهامه بارتكاب جرائم ضد الانسانية. ذكر التقرير عن المحكمة التي صدر قرار بتأسيسها منذ أربع سنوات من الأمم المتحدة وتتمتع بصلاحية ملاحقة مرتكبي جرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية بأنها ترتكز في عملها على انتهاكات حقوق الانسان التي تضمنتها معاهدة جنيف في هذا الشأن والتي تتضمن فقرة حظرت صراحة نقل سكان من دولة الاحتلال للمناطق المحتلة (وهو ما ينطبق تماما على المستوطنات الاسرائيلية) وهو ما يعني أن كل سكان المستوطنات سيعدون مرتكبي جرائم ضد الانسانية. من صلاحيات المحكمة التي حذر منها الدليل (نقلا عن رئيس المحكمة العليا في اسرائيل اهرون باراك) اصدار أوامر اعتقال للمتهمين ثم محاكمتهم واصدار أحكام بالسجن ضد من تثبت ادانته. «باراك» أوضح أن: صلاحيات المحكمة تسرى على كل الاسرائيليين حتى لو كانت اسرائيل رفضت التوقيع على اتفاقية تأسيس المحكمة الدولية. وبالنسبة لموقف اسرائيل من المحكمة التي طُرحت فكرة تأسيسها لأول مرة في الخمسينيات الا أن ظروف الحرب الباردة حالت دون تنفيذها ذكر الدليل: عندما طرحت فكرة تأسيس المحكمة مجددا في عام 98 كان يترأس وفد اسرائيل في المباحثات التي جرت في روما «الياكيم روبنشتين» المستشار القانوني للحكومة الاسرائيلية والذي حذر مبكرا من مخاطر المحكمة على اسرائيل حيث قال: اسرائيل لن توقع على تأسيس محكمة تعتبر كل مستوطن مجرم حرب وتعامل رئيس أكبر مستوطنة اسرائيلية معاملة مجرمي الحرب ومغتصبي النساء في البوسنة. اسرائيل في الواقع وقعت على الاتفاقية لكن لم يتم اقرار التوقيع بشكل نهائي من الكنيست وقد تم التوقيع في عام 2000 خلال فترة ايهود باراك، وكان في البداية يميل لرفض التوقيع بناء على نصيحة المستشار القانوني للحكومة ومع تأييد الوزيرين (آنذاك) يوسي بيلين «وشلومو بن عامي» تم الاتفاق على حل وسط طرحه شيمون بيريز وينص على أن تتبع اسرائيل خطوات الولايات المتحدة في هذا الشأن وكان موقفها في البداية رفض التوقيع الا أن الرئيس بيل كلينتون وافق على التوقيع في اللحظة الأخيرة (أمريكا قامت مؤخرا من خلال ضغط هائل باستصدار قرار من مجلس الأمن يستثني جنود الولايات المتحدة المشاركين في عمليات تابعة لحفظ السلام من أية ملاحقة ). وبالنسبة للمخاطر التي تتوقعها اسرائيل من جانب المحكمة الدولية ذكر الدليل أن على رأسها أن يشارك في هيئة المستشارين قضاة من دولة غير صديقة لاسرائيل،أو أن تطغى الاعتبارات السياسية على توجهات المحكمة دون مراعاة لمشاكل اسرائيل الحيوية. ومن المنتظر في حالة ارتكاب جرائم مثل التي ارتكبت في مخيم جنين أن تصدر أحكام قاسية وهو ما دفع الاسرائيليون المتطرفون الذين أعدوا الدليل لفقدان أعصابهم حيث قالوا: رأينا كيف تعامل المجتمع الدولي وخاصة (الأشرار الفاسدين في أوروبا) مع «حرب الانقاذ «على أنها جرائم حرب. ومن حسن حظنا أن اقتراح بيريز باقامة لجنة تحقيق اسرائيلية في هذا الصدد لم ينفذ. ولو كان ما حدث في جنين وقع بعد 1 يوليو لما استطاعت اسرائيل أن تمنع لجنة تحقيق من قبل المحكمة من الحضور لتقصي الحقائق ولقام نشطاء اليسار بابلاغهم بأسماء قادة وضباط الجيش الاسرائيلي المسئولين عن المذبحة. وفي نفس الاطار أكد الدليل أنه في حالة قيام دولة فلسطينية مؤقتة أو غير مؤقتة سيصبح الموقف أكثر خطورة بالنسبة للاسرائيليين فنصوص المحكمة تتحدث عن جرائم ارتكبها مواطنو دولة داخل أراضي دولة أخرى.. وهي الفقرة التي تتيح لسوريا أن تتقدم بشكوى لملاحقة مستوطني الجولان كمرتكبي جرائم ضد الانسانية ، بينما لا ينطبق الأمر نفسه ـ وفقا للتفسير الاسرائيلي ـ على مستوطني الضفة وغزة الآن بينما سينطبق عليهم في حالة اعلان قيام الدولة الفلسطينية وتوقيعها ـ بالطبع ـ على اتفاقية تأسيس المحكمة. وحذر الدليل من أن المحكمة والخوف من ملاحقتها للاسرائيليين ستكون عقبة بدرجة ما في بعض الحالات التي كانت تسارع اسرائيل فيها باغتيال أو طرد فلسطينيين. واقترح الدليل محاكمة الجنود والمدنيين الاسرائيليين الذين تورطوا في جرائم حرب داخل اسرائيل كحل التفافي يقطع الطريق على المحكمة الجنائية الدولية.