«القوافل تتجه غربا» عنوان كتاب صدر مؤخراً في الولايات المتحدة. مؤلفه فرانك ماكلين يعيد كتابة التاريخ الأميركي في غزو الغرب، عبر قوافل من العربات تنطلق من السواحل الشرقية لتقطع مسافة خمسة آلاف ميل وصولا الى ارض الذهب في كاليفورنيا على الساحل الغربي. الكاتب يعتمد على حكايات يرويها شهود عيان عاشوا في تلك الفترة، وعلى وثائق تاريخية، جمعها عبر سنوات من البحث. من يملك ومن لا يملك يروي الكاتب أن واحدة من تلك القوافل التي انطلقت في العام (1847) باتجاه الغرب، جمعت بين المهاجرين الميسورين والمزارعين الفقراء الباحثين عن تحقيق احلامهم في العثور على الذهب أو في الحصول على مزرعة يبنون فيها منازل للمستقبل. كان الاغنياء في القافلة يملكون حوالي (200) رأس من الماشية، تعيق حركة القافلة وتضطرها الى قطع المسافات بسرعة بطيئة، وهو ما كان مصدر الشكوى لدى المهاجرين الفقراء، وكان هؤلاء يقولون ان فصل الشتاء سوف يداهمهم وهم في الجبال، وسوف تحاصرهم الثلوج اذا لم يزيدوا في سرعة القافلة، غير ان الاغنياء كانوا يحتجون بأن السرعة سوف تقضي على مواشيهم وهي تحتاج الى الراحة، كما تحتاج الى الرعي وإلا فإنها سوف تنفق على الطريق. وهكذا بين شكوى الفقراء واحتجاج الاغنياء تابعت القافلة مسيرتها فبلغت الجبال في فصل الشتاء حيث حاصرتها الثلوج فعلا، ومنعت تقدمها، وفي فترة الحصار تنفد المؤونة من المهاجرين الفقراء، ويبدأ اطفالهم في التضور جوعاً، وهنا تبدأ المساومة: الاغنياء يعرضون على الفقراء شراء رأس الماشية بمبلغ خيالي، وإلا ماتوا مع افراد عائلاتهم جوعاً، بينما الفقراء يحتجون مجددا بأن الاغنياء هم سبب جوعهم، ولولا قطعانهم لكانوا الآن في مناجم يغرفون منها الذهب أو في أراض خصبة يحولونها الى مزارع يجنون منها المحاصيل الوفيرة، ومن هنا فإن على الاغنياء ان يقدموا رؤوس الماشية مجانا لهم، خاصة وأن اطفالهم يكادون يموتون جوعاً، وهو ما يناقض عقلية الجماعة وقيم العدالة. أحد الاغنياء يسخر قائلا: «إن ما يصنع العدالة شيء واحد هو هذه» ويشير الى البندقية التي يحملها، ويضيف: «أما ما يصنع الحق فهو ذاك» ويشير الى ثور سمين في القطيع. وهكذا يدفع الفقراء مدخراتهم، وبعضهم يقضي جوعا، قبل ان تذوب الثلوج، ويرفع الحصار، وتمضي القافلة في مسيرتها باتجاه الغرب. ولا اعرف كيف يفكر الأميركي وهو يقرأ هذا الكتاب، بينما يتابع مصير مدخراته في شركة «وورلد كوم» حيث سقط سعر السهم من (64) دولاراً الى (8) سنتات، بين يوم وليلة، بينما الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش يتحدث عن رأسمالية تتحلى بالاخلاق الفاضلة. ولكن هناك بالتأكيد ما يجمع بين التاريخ والحاضر، وهو ان من يملك الثور يملك الحق وأن العدالة لا تتحقق إلا عبر فوهة البندقية، والولايات المتحدة تملك الاثنين معاً، وما ينقصها في ظل هذه الرأسمالية المتوحشة هو الاخلاق فقط وهذه بدأت مساحتها تضيق مع تصاعد الموجة العنصرية ضد العرب والمسلمين، في الداخل، كما في الخارج. المستوطنات لا تعرف الحدود حكاية اخرى يكشف عنها الكتاب وهي قضية المستوطنات. يقول الناقد في صحيفة «فايننشال تايمز» مايكل كارلسون في عرضه للكتاب ان المستوطنات التي اقامها المهاجرون الأميركيون في تلك الفترة ردعت التوسع الاستعماري لكل من البريطانيين، المكسيكيين، وحتى الروس الذين كانوا يتجولون في آلاسكا. لقد كانت حماية المستوطنات الأميركية في دولة المكسيك ذريعة أولا: لاعلان استقلال ولاية تكساس، ثم ثانيا: لإعلان الحرب على المكسيك، وجاءت اتفاقية «غوادا لوب» في العام (1848) لتضيف (1.2) مليون ميل مربع للولايات المتحدة الاميركية، أي زيادة ثلثي مساحتها الاصلية. اذن لم يكن مهما في ذلك الوقت مساحة المستوطنة ولا عدد افرادها، بل المسافة التي يجب ان يبقى العدو خارجها كي لا يشكل تهديدا للمستوطنة. هل يذكرنا هذا بما يجري في فلسطين اليوم، وبالذات في منطقة الخليل التي مازالت الاقلية اليهودية المستوطنة فيها تسعى الى توسيع حزام الحماية، عبر هدم احياء عربية كاملة؟ ولا ننسى ان هتلر اجتاح بولندا باعتبارها خط الدفاع الأول عن الوطن الأم، ثم ما لبث ان حاول اجتياح روسيا لتأمين حماية الرايخ الثالث. الهنود الحمر لم يحاربوا وحكاية ثالثة من الكتاب عن «الهنود الحمر»، ان الافلام التي انتجتها هوليوود صورت المعارك مع الهنود الحمر باعتبارها قضية حياة أو موت، فالهنود هم الرعب الاحمر يتصدى للرجل الابيض في النهار أو يداهمه في الليل، ولكن المؤلف يكشف وجها آخر لهذه المعارك التي لم تقع ابدا، إلا فيما ندر، فالهنود الحمر كانوا ربما يشكلون صداعا للمهاجرين، ولكن بالنسبة لعدد الضحايا الذين يسقطون في الاشتباكات معهم، فإنه كان اقل مثلا من عدد الاشخاص الذين يقضون غرقا عندما تفيض الانهار. واستنادا الى المؤرخ «برنارد دي فوتو» الذي يقتبس عنه المؤلف، فإن «الهنود الحمر كانوا يتابعون تحركات المهاجرين البيض باعتبارهم سيركا استعراضيا، يملكون الكثير من البضائع، ولكنهم في النهاية اقرب الى جماعة مسلية». الهنود الحمر لم يكونوا يشعرون بأن قوافل الرجل الابيض الغني بالبضائع كانت تهددهم.. وان العربة وليس الحصان وحده هي ما يصنع المستقبل. مع ذلك فإن كثيرين بيننا مازالوا يراهنون على الحصان الأوحد (!).