لست أعتقد أن كل ما يقال اليوم حول الاستعدادات الأميركية المتصاعدة لضرب العراق هو من قبيل الترهيب أو دق طبول الحرب فقط، بقدر ما هو اقتراب حقيقي من ساعة الصفر التي تمتلئ فيها سماء بغداد بالنيران والدخان لعزل أو لقتل صدام حسين، فكما يقول مسئول ألماني فإن القضاء على رأس النظام العراقي بات أمرا محسوما ويبقى التوقيت والكيفية. واذكر أنني سمعت كلاما مماثلا عندما أتيح لي أن أعيش أجواء العاصمة الأوروبية (بروكسل) عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، عندما سربت مصادر حلف شمال الأطلسي خطة لمواجهة الارهاب في العالم، وضعت على رأسها العراق كدولة مستهدفة، وتحدثت ـ في هذا الوقت ـ مصادر صحفية عن وجود علاقة حميمة بين النظام العراقي من جانب، ونظام طالبان، واسامة بن لادن تحديدا من جانب آخر. وظهرت وثائق تكشف أن مندوبين الأول من أصول سودانية والثاني من أصول أفغانية ذهبا - مكلفين من قبل تنظيم القاعدة ـ الى العراق، والتقيا الرئيس صدام حسين وأبلغاه رسالتين، خطهما أسامة بن لادن بيده ويخاطب فيهما صدام حسين قائلا: نحن الآن في خندق واحد ضد أميركا، فلماذا لا يتم التنسيق بيننا . وتروي الوثائق التي كشفتها صحيفة «بلجيكا الحرة» في ذلك الوقت أن صدام حسين لم يصغ كثيرا للرسالتين، لكن الابن الأكبر له (عدي) اتصل برجال القاعدة وحدثت ترتيبات معينة بين الطرفين.. وتحدثت الخطة الصادرة عن مقر حلف الناتو عن سيناريو ضرب العراق وليبيا، واليمن والسودان، باعتبارها معاقل للارهابيين تؤوي أعداء أميركا والديمقراطية. وتشير الى ضرورة اشراك دول عربية واسلامية في هذه الخطة حتى لا تتهم أميركا بأنها تقوم بحرب صليبية ضد المسلمين. البحث عن مبررات والثابت أن أميركا بوسعها أن توجه ضربتها اليوم قبل الغد بتنسيق كامل مع بريطانيا التي تعلن على لسان رئيس وزرائها توني بلير أنها لا تريد بقاء صدام حسين في السلطة في العراق، وتتهمه بتطوير أسلحة الدمار الشامل. لكن أميركا لم تشأ أن تظهر كما يقول سكرتير عام حلف الناتو الأسبق ـ في صورة الكاوبوي الذي يتصرف بغطرسة في العالم.. ولذلك تحرص على توفير الارادة الدولية حتى تقلل من مساحة الاعتراض الداخلي ممثلا في أصوات كثيرة في الكونجرس أو الاعتراض الخارجي ممثلا في سخط كثير من شعوب العالم الثالث وخصوصا في المنطقة العربية التي رسخ في أذهانها أن الأميركي هو مثال الشخص الكريه الذي لا يقيم وزنا لغير مصالحه الشخصية، ومجالاته الحيوية المباشرة. ولهذا السبب أوفد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن مندوبين له ليطوفوا البلاد الأوروبية لكسب تأييد شامل للضربة التي تستعد الولايات المتحدة لتوجيهها الى النظام العراقي. ويتردد في كواليس الادارة الأميركية أن نفرا من المتحمسين لفكرة اسقاط صدام حسين يتعجلون النتائج ويأخذون بمبدأ كان وزير الخارجية الأسبق وارين كريستوفر يؤمن به وهو أن أميركا سوف تواصل قيادتها للعالم، وهي مستعدة للعمل بطريقة حاسمة لحماية مصالحها في أي مكان، وفي أية لحظة، واذا احتجنا لاجابة جماعية فسوف نفعل ذلك مع الدول التي تؤيدنا، لكننا في حالات الضرورة سوف نتصرف بمفردنا. لكن على الطرف الآخر يميل البعض الى ادراج خطة ضرب العراق ضمن إطار دولي بعد توفير الغطاء القانوني لها عبر منهجين، الأول هو اثبات - بالأدلة القاطعة - أن العراق لا يزال يواصل تطوير ترسانته النووية. وتتحمس أطراف دولية لهذا المنهج وخصوصا بريطانيا التي أقال رئيس وزرائها توني بلير رئيس أركانه السير مايكل بويس لأنه شكك في جدوى مساندة بريطانيا لأميركا في خطتها لضرب العراق، فضلا عن تصريحه علنا بأنه غير مقتنع بأن العراق يقوم بتطوير أسلحة الدمار الشامل. وعندما سئل توني بلير عن الأدلة التي تثبت تورط صدام حسين في تطوير أسلحة الدمار الشامل أجاب: عندما تحين ساعة الصفر، فإن الأدلة القاطعة سنقدمها الى الناس. لكن ـ بالمقابل ـ هناك أطرافاً أخرى من بينها فرنسا وروسيا، ترى أن الخيار العسكري في التعامل مع العراق ليس هو أفضل السبل لحل الأزمة، صحيح أن صدام حسين بات خطرا على الأمن والسلم الدوليين حسبما يقول دومنيك دي فيلبان وزير الخارجية الفرنسي، إلا أن ضرب العراق يحتاج الى مبررات قوية خصوصا أن صدام حسين لم يقم بأي عمل استفزازي ضد أميركا.. المنهج الثاني هو العودة الى الحديث بغزارة عن اشتباه وجود علاقات مريبة بين النظام العراقي، وتنظيم القاعدة.. ويرى المراقبون أن نصيب هذا المنهج من الحُجية سيكون متوافرا ويحمل في ثناياه المبررات الكافية لتوجيه ضربة الى العراق والسبب هو أن هناك قرارا صادرا عن مجلس الأمن (رقم 1373) يؤكد الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس بشكل فردي أو جماعي للبلدان المهددة بهجمات ارهابية، وضرورة استخدام كل الوسائل المتوفرة لمحاربة التهديدات للسلام والأمن العالميين التي يشكلها الارهابيون. وتلقى هذه الحُجية القانونية قبولا لدى معظم الأطراف الدولية (خصوصا بين الحلفاء الأوروبيين) التي ترى أن أميركا في حاجة الى مبرر أقوى من الاعتقاد بأن العراق متهم بتطوير أسلحة الدمار الشامل.. يضاف الى ذلك أن توجيه الضربة الى النظام العراقي بدعوى أن هناك علاقة أكيدة بينه وبين تنظيم القاعدة سيعفي كثيرا من الدول الحليفة من المسئولية، لأنها ـ والحالة هذه ـ لن تخفي تأييدها، بل مساندتها المالية والعسكرية لأميركا في اطار استراتيجية مكافحة الارهاب التي تتأسس على البند الخامس في اتفاقية الدفاع المشترك في حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي) التي تقول إن الدول الأعضاء تعتبر أي اعتداء أو هجوم على عضو واحد اعتداء عليها.. ومن ثم يتوجب الدفاع. ولهذا السبب أتوقع أن ترتفع ـ في الأسابيع المقبلة ـ نبرة اتهام العراق بالتواطؤ مع القاعدة، وليس مسبتعدا أن تكشف الولايات المتحدة عن أدلة تؤكد وجود عناصر من القاعدة مختبئة في العراق.. قبيل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي المقررة في بولندا يومي 24 و25 سبتمبر المقبل، لتضمن بذلك مساندة الحلفاء لها بغطاء قانوني تقره المواثيق الدولية. تجميع الحلفاء وبالعودة الى الخطة التي كان سربها حلف الناتو في بروكسل عقب وقوع أحداث 11 سبتمبر نجد أن محورها يعتمد على الدول المحيطة للعراق لكي تفتح أراضيها للقوات العسكرية الأميركية والبريطانية مثلما فتحت باكستان وتركيا إبان ضرب أفغانستان وكذلك فعلت دول الجوار مثل تركمانستان، وأوزبكستان وطاجيكستان. وتتحدث الأوساط عن أن الرئيس جورج بوش الابن يتبع منذ فترة سياسة تليين واحتواء مع روسيا، فأفسح لها المجال للانضمام الى حلف الناتو، ومدها بمليارات الدولارات في قمة الدول الصناعية السبع الكبرى التي انعقدت مؤخرا في كندا، وصرح قبلها بأن روسيا دولة صديقة وحليفة مؤكدا بذلك أنه طوى صفحة الحرب الباردة بين البلدين.. كل ذلك بهدف أن تلعب روسيا أدوارا بعينها لخدمة المصالح الأميركية، وعلى رأسها أن تقوم في العراق بنفس الدور الذي قامت به أثناء ضرب أفغانستان. بمعنى آخر: أن الولايات المتحدة تسعى جاهدة الى ضمان أكبر قدر من التأييد الدولي لضربتها للعراق، خصوصا أن تقارير أمنية كثيرة حذرت من العواقب الوخيمة التي قد تنتج عنها، اضافة الى رفض عدد من الدول العربية ومن بينها مصر لضرب العراق لأن ذلك سوف يفتح الباب على مصراعيه أمام هزات قد تزلزل كيان المنطقة برمتها. لكن يبدو أن القيادة الأميركية تسير بخطى ثابتة في اتجاه خطة الضرب التي باتت مؤكدة، وإن ظل توقيتها وشكلها غير محددين وتتحدث التقارير الصحفية عن سيناريوهات عديدة منها ما ذكرته نيويورك تايمز عن سيناريو بغداد أولا، أو خطة التحرك من الداخل خارجا.. وتهدف الى تعطيل استخدام العراق لأسلحة الدمار الشامل سواء كانت ضد قوى قادمة أو ضد الحلفاء أو ضد اسرائيل، وتنطلق هذه الخطة من اعتبار أن هذه الأسلحة هي الخطر الداهم على كل جبهات القتال. كما تتحدث أوساط أخرى عن خطة مماثلة للخطة المتبعة قبل سنوات مع الجنرال نورييجا في بنما خصوصا أن مهندسي هذه الخطة موجودان في الدائرة الضيقة جدا لصنع القرار في البيت الأبيض وهما: كولن باول الذي كان رئيسا للأركان، وديك تشيني الذي كان وزيرا للدفاع. بكلمة أخيرة: المسعى الأميركي الحالي هو التركيز على ابراز علاقة النظام العراقي بتنظيم القاعدة لكي يضرب عصفورين بحجر واحد الأول هو توفير الغطاء القانوني لتبرير الضربة. والثاني هو ضمان التأييد الدولي ومساندة الحلفاء المشاركين ضمن استراتيجية مكافحة الارهاب، لأن اسقاط نظام صدام حسين سيكون في هذه الحالة ـ عملا مماثلا لاسقاط نظام طالبان في أفغانستان.. وهو عمل ـ من وجهة النظر الأميركية والأوروبية ـ مبرر على كل حال. بقلم: د. سعيد اللاوندي ـ كاتب مصري