يبدو ان العدوان العسكري الأميركي على العراق أصبح وشيكا، وأن لعبة تسلية القوات الأميركية بحصد أرواح الأبرياء ستنتقل ـ وبصورة أكثر فظاظة ـ من كابول الى قلب بغداد، إذ تكاد تجمع التصريحات والتحركات والتوقعات والتحليلات على ان الحرب الأميركية على العراق آتية لا ريب فيها، والتاريخ المحدد لها لن يتأخر عن الربع الأول من العام المقبل 2003. فبدون أدنى اكتراث بالتحفظات الدولية والاقليمية الواسعة، تواصل ادارة الرئيس الأميركي جورج بوش جهودها الخاصة بالاعداد لتوجيه ضربة عسكرية ضد العراق، بهدف الاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين. بل ان هذه المسألة باتت على ما يبدو محل إجماع واسع بين مختلف الفعاليات السياسية والعسكرية والنخب الاكاديمية والاعلامية في الولايات المتحدة الأميركية، وأصبحت هناك حالة من الهوس الجماعي تسيطر على المجتمع السياسي الأميركي تجاه عراق صدام حسين، بحيث ان من يتابع المواقف الأميركية ربما يتخيل ان صدام حسين قادر على تدمير الولايات المتحدة، أو ممارسة تهديد جسيم لمصالحها العالمية، في حين ان إدارة بوش لم تفلح قط في تقديم أي دلائل حقيقية على وجود تهديد من جانب العراق، بل يقتصر ما تقدمه على مجرد اتهامات عامة تفتقر الى أي دليل ملموس، بما في ذلك الاتهامات المتعلقة بامتلاك العراق لصواريخ طويلة المدى وأسلحة دمار شامل، فهي تظل مجرد اتهامات تنقصها أدلة مؤكدة، بل أنها تثير تساؤلات عن كيف يمكن للعراق ان يظل مالكا لمثل هذه الأسلحة بعد ان قامت فرق التفتيش الدولية بتدمير كل ما لديه من أسلحة الدمار الشامل ووسائل ايصالها. تسريبات محسوبة ومن أجل تمهيد الأجواء لنقل مسرح عملياتها العسكرية من أفغانستان الى العراق، فقد سربت الادارة الأميركية وثيقة سرية أعدها مجموعة من القادة العسكريين بوزارة الدفاع الأميركية، وهي بالتأكيد خطوة محسوبة من جانب البنتاغون تهدف الى تصعيد الضغوط، والتأكيد على جدية الموقف الأميركي في الاطاحة بصدام حسين. وتتضمن الوثيقة الأميركية خطة غزو شامل للأراضي العراقية، برا وبحرا وجوا، ومن ثلاثة اتجاهات شمالا وجنوبا وغربا، وحسب ما نشرته جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية فإن خطة الغزو تتضمن مشاركة ما يزيد على 250 ألف جندي أميركي، بينهم عدد كبير من قوات البحرية الأميركية، وأن عملية الغزو البري ستكون عبر الأراضي الكويتية، في حين ستتخذ مئات الطائرات الحربية من ثماني دول قواعد لشن الهجمات الجوية منها لضرب المطارات والطرق ومواقع الاتصالات العراقية، كما تقوم الخطة على الاستعانة بما توفره المخابرات الأميركية من معلومات في ضرب مواقع تزعم واشنطن ان العراق يستخدمها في تصنيع وتخزين أسلحة دمار شامل اضافة لضرب قواعد اطلاق الصواريخ. وأضافت الجريدة ان الآلاف من جنود البحرية الأميركية اضافة الى وحدة المارينز التي تم إنشاؤها لتنفيذ مهام محددة في منطقة الخليج تصعد من تدريباتها لهدف تنفيذ تلك الخطة، كما ان الجيش الأميركي طبقا لما أعلنه مسئول في البنتاغون قد هيأ بالفعل العديد من القواعد في بعض دول الخليج، اضافة الى الاستعانة بالأسطول الخامس في البحرين، كما ان الخطة ستعتمد بالأساس على القوات الأميركية المتواجدة في المنطقة. وعليه فإن الشعب العراقي ربما أصبح حقل تجارب للأباطرة الأميركان، والذين يسعون لاستعراض التقدم التكنولوجي العسكري الذي حققوه في السنوات الأخيرة، والتأكيد على تعاظم قدرات الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى وحيدة في العالم حتى ولو كان ذلك على حساب المدنيين الأبرياء. وتشير الخطة الأميركية التي جرى اعدادها بمساعدة اسرائيل، الى ان الهجوم الأميركي من احدى الجبهات سيساعد القوات الأميركية على تدمير مستودعات الأسلحة الرئيسية لدى العراق وشل قدرته على استخدام صواريخ سكود، والاحتكاك مع قوات الحرس الجمهوري للوصول الى مخابئ الرئيس العراقي، وتركيز استخدام الأقمار الصناعية الأميركية في هذه المنطقة التي تعتقد واشنطن ان صدام يتواحد بها. أما القوات التي ستشن هجومها انطلاقا من الأراضي التركية، فسوف يكون هدفها الرئيسي التعامل مع القوات الجوية العراقية ودفاعاتها الجوية، وكذلك قوات المدرعات العراقية والقوات الرئيسية الأخرى المتحركة، لأن الادارة الأميركية هدفها الرئيسي هو العمل على تدمير أكبر قدر من القوات والمعدات العراقية بحيث تعجز أي حكومة في المستقبل عن تهديد أمن الجيران الخليجيين أو أمن الدول الأخرى، والمقصود بذلك أساسا اسرائيل. أما الجبهة الغربية فستكون هي الجبهة الثالثة التي سينطلق منها الهجوم على العراق، الذي يستهدف تدمير بعض المنشآت المدنية العراقية التي يعتقد أنها تشكل المخبأ الرئيسي لأسلحة الدمار الشامل العراقية، خاصة الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وتقدر واشنطن عدد هذه المنشآت بنحو ستين منشأة مدنية وعسكرية، وكان رئيس الوزراء الاسرائيلي آرييل شارون قد سلم الرئيس الأميركي بوش خلال لقائهما الأخير في واشنطن نحو 250 صورة لمواقع عسكرية ومدنية مهمة بالعراق كهدية من القمر الصناعي الاسرائيلي الجديد (أفق 5) تميزت بالوضوح والدقة، وقد وعد شارون بأنه سينقل لبوش قريبا تفاصيل دقيقة لتحركات الرئيس صدام وكبار المسئولين العراقيين. ومع ذلك فإنه لا ينبغي التعامل مع هذه الخطة المعلنة على أنها تتضمن السيناريو الذي سوف يتم تنفيذه بالفعل، وإنما ربما تكون مجرد خطط للطوارئ أو صياعة أولية لخطة العمليات العسكرية المحتملة. جبهات متعددة ولعل أهم المؤشرات على جدية وصدقية الترتيبات الأميركية لشن عدوان على العراق، الزيارة التي قام بها بول وولفوتيز مساعد وزير الدفاع الأميركي لتركيا مؤخرا، حيث أكد تصميم الولايات المتحدة على ان تفعل كل ما في وسعها للاطاحة بالرئيس العراقي ونظام حكمه الذي تعاديه. وقد شهدت الزيارة المماحكات التركية المالوفة التي تبدأ في العادة بحديث عن الخسائر الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية البالغة التي ستصيب تركيا من جراء هجوم أميركي جديد ضد العراق، حتى ينتهي الأمر برفع ثمن الصفقة التي بموجبها توافق تركيا على استخدام أراضيها في الهجوم على العراق مقابل حصولها على عدد من المكاسب المتنوعة. واذا كان العدوان الأميركي هذه المرة هدفه النيل من كيان العراق نفسه كدولة، فلماذا لا تطالب تركيا بتعديل حدودها مع العراق بما يسمح لها بالسيطرة على مناطق غنية بالنفط في الشمال العراقي، فقد أفادت الأنباء التي تم تسريبها من اجتماعات المسئول العسكري الأميركي وولفوتيز والمسئولين الأتراك، أنه عرض دعم مطالب تركيا عند الحكومة العراقية بعد الاطاحة بصدام لاجراء تعديل في منطقة الحدود العراقية - التركية يسمح للقوات التركية باحكام السيطرة على مناطق للمتمردين الأكراد. ودعم هذا المطلب في ذاته، ينطوي على تلبية المطلب التركي الدائم بعدم قيام كيان كردي في الشمال العراقي. وفوق ذلك فإن أنقرة المطلعة على النوايا الأميركية والاسرائيلية لتقسيم العراق واضعافه وتفتيته على أسس عرقية مذهبية، بدأت تنفخ وتضخم في حجم ودور الأقلية التركمانية في شمال العراق، وهو ما لقى استجابة أميركية، إذ تقول الأنباء ان مساعد وزير الدفاع الأميركي، وللقضاء على أي تمنعات تركية في المشاركة في العدوان المقبل على العراق، قد عرض تسليح تركمان العراق مقابل دعم أنقرة للهجوم، وفي هذا السياق وللحصول على نصيب أكبر من الكعكة العراقية، تزعم تركيا ان عدد التركمان في العراق يتراوح ما بين ثلاثة الى أربعة ملايين نسمة، بينما تقول تقديرات أخرى ان عددهم لا يتجاوز الربع مليون نسمة. واذا كانت مواقف الجار الشمالي للعراق قد بدأت تنكشف وتتضح، فلا تزال مواقف الجار الأردني الغربي يلفها التناقض والغموض والالتباس، فبعد ان سربت الصحف الأميركية والأوروبية أنباء الدور الأردني الأساسي في الخطة الأميركية لمهاجمة العراق، انخرط المسئولون الأردنيون في سلسلة مكثفة من التصريحات لنفي ما ورد عن الدور الأردني في العدوان الأميركي المبيت على العراق، ولكن بالمعاكسة مع هذا التوجه، يظهر فجأة الأمير الحسن بن طلال، ولي العهد الأردني السابق، في مؤتمر العسكريين العراقيين المنشقين الذي عقد مؤخرا في لندن، وعلى الرغم من مسارعة الحكومة الأردنية للاعلان عن ان الأمير الحسن حضر المؤتمر بصفته الشخصية، إلا ان هذا الاعلان كان من الصعب ان يكون له أي تأثير حقيقي، فهل تكشف هذه المبادرة عن اهتمام، لدى جهات ما، اقليمية ودولية، بابقاء خيار عودة الأسرة الهاشمية الى العراق مفتوحا، وإنهاء شرعية ثورة 17 يوليو نهائيا، بما سوف يكون لرجوع الملكية على هذا النحو من آثار بعيدة؟ ولكن لا يخفى ان هذا السيناريو ينطوي في داخله على مخاطر قد تصيب الأردن ذاته، اذ ربما تجد فيه قوى اليمين الحاكم في اسرائيل فرصتها في تحقيق برنامجها التاريخي في طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة الى الأردن، إذ لم تتخل هذه القوى أبدا عن برنامجها في ان «الأردن» هو وطن الفلسطينيين البديل، وفي ظل التناغم والانسجام التام بين اليمين الحاكم في اسرائيل والولايات المتحدة، فإن الأخيرة لن تمانع في تنفيذ هذا المخطط خاصة ان العقبة التي تحول دون اتمام المخطط، وهي الحفاظ على مصالح الأسرة الهاشمية، تكون قد زالت بتولي عناصر من هذه الأسرة حكم بلد أكثر ثراء وأهمية، وهكذا بضربة واحدة يتم تصفية القضية الفلسطينية، وتحقيق كل الأهداف الاستعمارية في العراق. وعليه، ومن واقع العرض السابق، فإن ادارة الرئيس الأميركي جورج بوش أصبحت تنظر الى مسألة الاطاحة بنظام صدام حسين باعتبارها الأسبقية الأولى في قائمة اهتمامتها العالمية وباعتبارها الخطوة المقبلة في الحرب الأميركية ضد الارهاب. وتحظى هذه المسألة بالأسبقية الأولى على كل ما عداها من القضايا الأخرى بما في ذلك الصراع العربي - الاسرائيلي واحتواء التوتر بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وتسعى هذه الادارة بالتالي الى فرض هذه الأجندة على الجميع، بصرف النظر عن التحفظات الهائلة على هذا التوجه الأميركي، وأيضا بصرف النظر عن تعقيدات هذه الحرب ذاتها وكذلك بصرف النظر عن الانعكاسات والنتائج المدمرة التي قد تترتب على أي حرب جديدة في منطقة الخليج. والواقع ان الهوس الأميركي بضرب العراق والأولوية الفائقة التي باتت الادارة الأميركية تمنحها لهذه المسألة تؤكد ان مسألة الاطاحة بنظام صدام حسين، تتجاوز الاطار الداخلي الضيق لها رغم أهميته، وإنما تستمد أهميتها الاستراتيجية من كونها حلقة محورية في الرؤية الأميركية لاعادة ترتيب الوضع في منطقة الشرق الأوسط، ويجب الاشارة هنا الى ان اسرائيل تشارك بقوة في صياغة الرؤية الأميركية للتعامل مع العراق، سواء فيما يتعلق بالاطاحة بنظام صدام حسين، أو بالنسبة لترتيبات ما بعد الحرب في العراق، وتقوم الرؤية الأميركية - الاسرائيلية المشتركة على ضرورة احلال نظام جديد للحكم في العراق يكون حليفا للغرب وصديقا لاسرائيل، بل ان الموقف من اسرائيل ربما يكون العامل الحاكم في تحديد من الذي سوف يصل الى الحكم في العراق مستقبلا. السيناريو.. الشرك! وسوف توفر هذه الرؤية حال تحققها العديد من المكاسب للولايات المتحدة واسرائيل، وأبرزها تقليل اعتماد الولايات المتحدة على نفط دول مجلس التعاون الخليجي وحرمان العرب من ورقة هامة كان يتم الضغط على الولايات المتحدة بها، من أجل دفع عملية التسوية الفلسطينية - الاسرائيلية، بالاضافة الى امكانية استخدام الولايات المتحدة لأي نظام جديد في العراق كأداة في الخطط الأميركية الرامية الى احتواء وربما ضرب ايران في المستقبل، ولاسيما في حالة استمرار التطور في بناء القدرات النووية والبرامج التسليحية الايرانية، وفي الوقت نفسه، فإن هذا التصور يضمن المزيد من التفتت في العالم العربي استنادا الى ان أي نظام جديد في العراق سوف يعطي الأولوية لعلاقاته مع الولايات المتحدة وربما اسرائيل على حساب علاقات العراق العربية، ناهيك عن ان العلاقات العراقية - العربية سوف تظل لفترة طويلة مقبلة أسيرة لموروثات نفسية معقدة يصعب تجاوزها. ويلاحظ في الترتيب الأميركي للعدوان على العراق، ان الأمر لم يعد يرتبط بتطورات القضية الفلسطينية، إذ كان من المعتاد لدى دوائر وشخصيات عديدة داخل الادارة الأميركية ان إنهاء المسألة العراقية على النحو الذي يرضي المصلحة الأميركية ـ الاسرائيلية في تحطيم العراق، يستلزم ان تضمن الولايات المتحدة تسوية ما للقضية الفلسطينية بشكل يرفع الحرج عن الأنظمة والحكومات العربية، ويمتص قدرا من الغضب الشعبي المتوقع من جراء عدوان موسع جديد على العراق. ورغم البؤس الشديد الكامن في هذه المعادلة القائمة على التضحية بالعراق مقابل ترضيات هزيلة وشكلية في تسوية ما للقضية الفلسطينية، فإنه من الواضح ان الرئيس بوش قد اقتنع أنه لم يعد في حاجة حتى لتقديم مثل هذه الترضيات التعيسة للعرب. وقد ساعد بوش على صرف النظر على معادلة العراق مقابل فلسطين، أي ضرب العراق دون حل للقضية الفلسطينية، التطورات التي شهدتها الأراضي المحتلة في الآونة الأخيرة، فمع اشتداد القمع العسكري الاسرائيلي في مدن الضفة وغزة، وشروع شارون في تنفيذ خطة الجدار الفاصل عن طريق الاحتلال العسكري المباشر، وفرض حظر التجوال وحصار الفلسطينيين واستمرار الاغتيالات والغارات الجوية، والقصف المدفعي والصاروخي لأحياء المدنيين في الأراضي الفلسطينية دون اي رد فعل عربي يذكر، كل هذا أقنع بوش أنه يمكن ضرب العراق دون تقديم أية ترضيات للعرب، بقلم: د. محمود مرتضى ـ كاتب مصري