يثير الانشغال الإسرائيلي المحموم بموضوع الحرب الأميركية على العراق اهتمام المعنيين والمراقبين، على الصعيدين الدولي والإقليمي، لا سيما وأنه يأتي في خضم انشغال إسرائيل بالانتفاضة الفلسطينية وبتأثيراتها عليها من النواحي: السياسية والأمنية والاقتصادية. ولا يقتصر انشغال إسرائيل على تلافي الأضرار المباشرة التي يمكن أن تلحق بها جراء الحرب الأميركية على العراق، أو التحريض على تهشيم العراق وصولا لتهميشه، وإنما هو يشمل، إضافة إلى هذا وذاك، رغبة إسرائيل الجامحة في صوغ الترتيبات: السياسية والاقتصادية والأمنية، التي يمكن أن تنشأ، بعد الحرب، من موقع الشراكة، ولو النسبية، مع الولايات المتحدة الأميركية في حربها هذه ضد العراق. وفي الواقع فإن إسرائيل انخرطت منذ زمن، بشكل مباشر وغير مباشر، في مساعدة الإدارة الأميركية الحالية على شن حربها ضد العراق وذلك عبر تمهيد الأرضية اللازمة لذلك، من خلال التحريض المستمر ضد العراق بالوسائل السياسية والإعلامية، أولا، بحجة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، ومن ضمنها أسلحة كيماوية وبيولوجية، ومواصلة سعيه لامتلاك أسلحة نووية؛ وثانيا، بدعوى أن النظام فيه يعكر صفو الاستقرار في المنطقة وبالتالي بأن استمرار وجوده يمثل تهديدا دائما لجيرانه؛ وثالثا، باعتبار النظام العراقي نظاما إرهابيا ويدعم الإرهاب. وإضافة لما تقدم، فقد أبدت إسرائيل، على الدوام، استعدادها لإتاحة تسهيلات وتقديمات مهمة، من الناحيتين اللوجستية والاستخباراتية، للقوات الأميركية ما يتيح لها المشاركة بصورة فاعلة في الحرب ضد العراق، وإن من خلف الستار، وأيضا، التحرك كلاعب رئيس في استراتيجية الولايات المتحدة إزاء المنطقة. وبحسب يوئيل ماركوس، فقد وجدت إسرائيل نفسها أمام خيارين «إما ان تكون هدفا للحل القسري كثمن للدعم العربي (لأمريكا) أو أن تكون لاعبا مركزيا الى جانب تركيا كقاعدة لوجستية للأمريكيين. وشارون وموفاز (رئيس الأركان السابق) سارعا خلال زيارتهما الى واشنطن الى التبرع بتقديم كل مساعدة مطلوبة مؤكدين على ان القضاء على نظام صدام هو مصلحة إسرائيلية استراتيجية). «هآرتس 19/3». انفلات اسرائيلي وبشكل عام فإن السياسة الإسرائيلية، التي تبدو منفلتة من عقالها هذه الأيام، بدعم أمريكي، لم تكن هذه حالها، إذ شهدت هذه السياسة لحظات عصيبة في بعض الأوقات، وخصوصا، في ما بين الفترة من الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة الأميركية (سبتمبر 2001) ونهاية الشهر الثالث من العام الحالي (انعقاد قمة بيروت). ففي هذه المرحلة بدا أن إسرائيل تخشى حصول نوع من المقايضة أو المساومة بين الإدارة الأميركية والعرب، بحيث تبدي أميركا استعدادها للضغط على إسرائيل في مقابل سكوت العرب عن قيام الإدارة الأميركية بشن حرب ضد العراق. وفي هذه الفترة بالذات كثرت التسريبات عن توافق ما بين إدارة بوش وبين بعض القادة العرب، في هذا المجال، خصوصا على خلفية اللقاءات التي عقدها بعض قادة الدول مع الرئيس بوش وعلى خلفية المبادرة التي أطلقتها المملكة العربية السعودية وتبناها القادة العرب في مؤتمر قمة بيروت. وفي هذا الإطار، مثلا، رأى يوئيل ماركوس في المبادرة السعودية مجرد «محاولة للمساومة على الدعم العربي للحرب ضد العراق مقابل تسوية تنسحب إسرائيل بموجبها الى حدود يونيو 1967» «هآرتس 19/3» وفي هذه الفترة، أيضا، ضغطت الإدارة الأميركية على إسرائيل لتهدئة الأوضاع مع الفلسطينيين، وبحسب موشي ايشون فإن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني طالب، عند قدومه لإسرائيل، بأن على إسرائيل «أن تهتم ليس فقط بالمواجهة مع عرفات بل بالحرب التي ستجري في الساحة العراقية..إذ أن الولايات المتحدة معنية ببلورة جبهة مضادة للعراق، وهي ترى بوقف إطلاق النار بين إسرائيل وم.ت.ف المفتاح الذي يمكنها من إحراز دعم مباشر، أو غير مباشر، مع دول عربية في المنطقة في حربها ضد صدام». «هتسوفيه 21/3». وردا على ذلك فإن شارون لم يخف في تصريح له، نشرته يديعوت أحرونوت (24/3)، مخاوفه من هذه التطورات إلى درجة أنه تحدث عن وجود حالة من صراع الإرادات، بين إرادة الولايات المتحدة لإقامة تحالف ضد العراق وبين حاجة إسرائيل لمحاربة الإرهاب الفلسطيني. وأوضح شارون في تصريحه هذا أنه طلب من إدارة بوش «عدم اتخاذ خطوات من شأنها أن تزعزع أمن إسرائيل في المستقبل. فالولايات المتحدة سوف تنتصر في حربها ضد العراق، ولكن بعد أن تعودوا إلى منازلكم سوف نبقى نحن في المنطقة وسنضطر إلى مواجهة المخاطر». وفي هذه الفترة العصيبة على إسرائيل، انصبت جهود شارون وحلفائه في الإدارة الأميركية على إقناع الرئيس بوش بعدم الانجرار وراء هكذا مساومة، وأيضا باتجاه الحؤول دون إصدار أية مبادرات بشأن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، من دون التشاور المسبق مع إسرائيل، انطلاقا من وجهة نظر مفادها: أولا، أنه يجب الفصل بين القضية الفلسطينية وبين الحرب ضد العراق؛ وثانيا، أن إسرائيل، لوحدها، يمكن أن تتكفل بالسيطرة على الوضع الفلسطيني لإتاحة المجال أمام أجواء مناسبة للحرب ضد العراق؛ وثالثا، أن النظام الرسمي العربي بات من الضعف بحيث لم يعد يملك أوراق التأثير وأنه هو الذي يجب أن يخضع للابتزاز؛ ورابعا، أن أوضاع الحالة الشعبية العربية لا تسمح لها بالقيام بردود فعل نوعية أو مؤثرة، بحكم قيودها وضعفها، بدليل محدودية ردود الفعل الشعبية على ما يجري ضد الشعب الفلسطيني. مقاربة مجحفة وفي الواقع فقد استطاعت إسرائيل أن تسيطر على زمام الأمور في هذا الموضوع بحيث باتت وجهة نظرها هي السائدة، لدى الإدارة الأميركية، التي حسمت موقفها تماما بتبني وجهة نظر شارون في الخطاب الشهير الذي ألقاه الرئيس الأميركي، حول الوضع في الشرق الأوسط، والذي ألقاه يوم 24/6. فقد تضمن هذا الخطاب مقاربة أميركية ـ إسرائيلية، هي الأولى من نوعها، إزاء قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، إذ لم تعد القضية هنا هي قضية عدوان واستيطان واحتلال من إسرائيل، وإنما باتت قضية مشمولة بما يسمى بالحرب ضد الإرهاب، كما تم إدخال مطلب إجراء إصلاحات للسلطة الفلسطينية، تقضي على الفساد وعلى التفرد بالقرارات وتؤدي إلى تغيير للقيادة الفلسطينية. وفي هذه المقاربة المجحفة باتت إسرائيل في موقع الضحية والشعب الفلسطيني في موقع المعتدي! وبات مطلوبا الإطاحة بالقيادة الفلسطينية (برغم من كونها منتخبة!) لصالح مجيء قيادة تتجاوب مع المصالح الأميركية والإسرائيلية، بحيث تضع في أولوياتها القضاء على «الإرهاب» «أي المقاومة» وتتبنى خطة للانفتاح بمعنى التغيير الثقافي المتمثل أساسا بوقف التحريض على إسرائيل والتطبيع معها. ومن الواضح بأن هكذا مقاربة لا تطال الوضع الفلسطيني لوحده، وإنما هي رسالة ابتزاز واضحة وتهديد متعمد موجه من الإدارة الأميركية إلى الأنظمة العربية المعنية، مفاده بأنها، مثل النظامين العراقي والفلسطيني، باتت تحت المجهر وتحت طائلة التهديد بالتغيير إن لم تتجاوب مع المصالح والمطالب الأميركية و(الإسرائيلية). وفي الحقيقة فإن إسرائيل في مجمل محاولاتها هذه ومن خلال تحريضها على الحرب ضد العراق، تسعى إلى تحقيق الأغراض التالية بضربة واحدة: أولا: صرف الأنظار، على المستويين الدولي والإقليمي، عن الحرب المدمرة التي تشنها ضد الشعب الفلسطيني، بهدف التهرب من الاستحقاقات السياسية وتقويض الكيان الفلسطيني وصولا لفرض املاءاتها السياسية على الفلسطينيين؛ إذ أنها تأمل بأن الأوضاع في المنطقة بعد الحرب على العراق ستتيح لها فرض «سلامها» على العرب بشروطها هي. ثانيا: إن الحرب ضد العراق بالنسبة لإسرائيل لا تعني فقط المساس بالنظام فيه وتغييره، وإنما تعني أساسا الإمعان في إضعاف هذا البلد الذي شكّل لها، دائما، تهديدا تقليديا، بحكم قوته التي تتمثل بقدراته العلمية والتكنولوجية والاقتصادية وبنيته التحتية وامتداده الجغرافي وكتلته البشرية، وهي ترى في إضعاف العراق إضعافا للوضع العربي لصالح تعزيز مكانتها فيه، من مختلف النواحي: السياسية والاقتصادية والأمنية. ثالثا: إدراك إسرائيل أن ظروف الحرب من شأنها تعزيز مكانتها في إطار الاستراتيجية الأميركية إزاء المنطقة، على أساس من مقولة غربية مفادها أن «ليس للغرب في الشرق افضل من الغرب نفسه»، وأن إسرائيل هي الحليف الأكثر موثوقية للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، مهما جرى من تحولات وتغيرات. رابعا: ثمة اجتهادات لتوظيف الحرب الأميركية ضد العراق لتوجيه ضربة لسوريا ولبنان، ويقف وراء هذه الاجتهادات رئيس الأركان الإسرائيلي الجديد، موشيه يعلون، وبحسب يديعوت أحرونوت (29/6) فإن الجنرال يعلون، صارح الأميركيين، بأن المواجهة في الشمال لا بد ستأتي، وأنها ستندمج في إطار الحرب الأميركية ضد الإرهاب. فعندما يبدأ الأميركيون المرحلة الثانية من حربهم ضد الإرهاب ـ ضد النظام العراقي ـ ستقدم إسرائيل مساهمتها في المحيط القريب. وسيقوم الجناح الإسرائيلي بتوجيه ضربات إلى مراكز الإرهاب في لبنان، وإذا كانت هناك حاجة، فسيضرب في سوريا، أيضا». وهكذا تشتغل إسرائيل على الحرب ضد العراق في نفس الوقت الذي تشتغل فيه على الحرب ضد الشعب الفلسطيني، ويبقى أن يعي العرب الوضع الخطير الذي حشروا أنفسهم فيه، بسبب تشتتهم وضعف إرادتهم وهدرهم لقواهم، وهو الوضع الذي لم يشجع أميركا فقط على العبث بمصالحهم وكرامتهم وإنما شجّع إسرائيل على ذلك، أيضا، وهي دولة يفترض أنها صغيرة بل ومصطنعة. وأخطر ما في الأمر أن إسرائيل تريد أن تبدأ الحرب الأميركية ضد العراق لتنتهي بحرب ضد المنطقة كلها. بقلم: ماجد كيالي ـ كاتب فلسطيني