مع التصعيد الاميركي ضد العراق بعد افغانستان والحديث عن مخططات اميركية لاسقاط نظام صدام حسين، تبارى المحللون في رسم سيناريوهات الحرب الاميركية المقبلة على العراق، ووضع مخططات الزحف على بغداد، الى درجة ان بعض الكتاب والمحللين العرب ذهبوا الى حد تشبيه ما سيحصل في العراق بما حصل في افغانستان، واجراء المقارنات العديدة بما في ذلك تشبيه الاحزاب الكردية في شمال العراق بالتحالف الافغاني الشمالي. هذه السيناريوهات والمقارنات، وان كان البعض رددها بدافع الخوف والقلق حيال مستقبل العراق والمنطقة، إلا انها كانت تفتقر الى الدلائل والمعلومات الدقيقة والقراءة الواقعية، نظراً لاختلاف العراق عن افغانستان، فلا النظام العراقي هو حركة طالبان ولا المعارضة العراقية هي المعارضة الافغانية ولا المحيط الاقليمي العربي والاسلامي المجاور للعراق هو محيط شبيه بأفغانستان، وبالتالي فإن نتائج الحرب على العراق لن تكون مماثلة لنتائج الحرب في افغانستان بل ربما عكس ذلك تماما. فإذا كانت الحرب في افغانستان انتهت الى توحيد البلاد ـ ولو مرحلياً ـ فإنها في العراق ستنتهي الى تقسيمه، وربما تكون هذه الحرب مقدمة لحروب اقليمية مفتوحة بين اكثر من طرف، حسب قول شرين هانز من مركز الدراسات الاستراتيجية الاميركية. وما دامت النتائج ستكون بهذه الدرجة من الخطورة فإن اي عمل عسكري ضد العراق بحاجة الى تحضيرات ضخمة سياسياً وعسكرياً ودبلوماسيا على المستويات الدولية والاقليمية والمحلية، وباستثناء الموقف البريطاني فإن المواقف الدولية الاخرى: روسيا، الصين، فرنسا.. الخ، تظهر الرفض لضرب العراق وتؤكد على وجوب حل المشكلات العالقة مع العراق في اطار الامم المتحدة، إلا انه على الرغم من هذه المواقف الدولية فإن المواقف الاقليمية وتحديداً مواقف الدول المجاورة للعراق تبقى الأهم بالنسبة لواشنطن. وفي ظل الرفض العربي وكذلك الايراني لضرب العراق وتقسيمه يبقى الموقف التركي المتأرجح موضع رهان الجهود الاميركية الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية، في القدرة على تحويل الرفض التركي الخجول للضرب الى مشاركة فعلية في لحظة حسم القرار بالضرب وعليه فإن الموقف التركي يبقى حيوياً ومهماً وجوهرياً في رسم المشهد المقبل: الموقف التركي من الواضح ان الادارة الاميركية بصدد القيام بعمل عسكري ضد العراق، ومن الواضح ايضا انها تحرص على ان يكون هذا العمل مدروسا بغية ايجاد واقع على الارض واحداث متغيرات اقليمية في هذا الاتجاه، والى حين انجاز مثل هذا الواقع فإنها تريد الابقاء على الوضع غامضا وضبابيا ومفتوحا في الوقت نفسه، لذلك تعتمد واشنطن في المرحلة الحالية على تسريب المعلومات واطلاق التهديدات والاشارة الى الخطط الحربية التي ستعتمدها الى حين ضمان المواقف وحشد التأييد (جولة تشيني في الشرق الاوسط ـ محادثات ولفوويتز في أنقرة). وفي الواقع رغم تحذير رئيس الوزراء التركي بولنت أجاويد من مخاطر ضرب العراق والآثار السلبية التي ستنتج عن العملية العسكرية المرتقبة، إلا ان قراءة واقعية دقيقة للعلاقات المتينة بين أنقرة وواشنطن ولأولوية دور تركيا وموقعها في الاستراتيجية الاميركية، ودعم الولايات المتحدة لتركيا في التحديات والازمات الداخلية والخارجية التي تعاني منها الاخيرة، كل هذا يشكل عوامل اساسية للتأثير على الموقف التركي وامكانية تجييره لصالح الموقف الاميركي في الحرب المقبلة على العراق، وفي اطار الموقف التركي، شكل الاجتماع الاخير لمجلس الامن القومي التركي (يضم كبار قادة الجيش ويرسم السياسات العليا للبلاد) والذي خصص لبحث احتمالات عملية عسكرية ضد العراق واثارها السلبية على تركيا، شكل اول اشارة فعلية الى موافقة تركيا على المشاركة في هذه العملية فيما اذا استجابت واشنطن للشروط التركية، وحسب صحيفة «ملليت» التركية فإن انقرة وضعت اربعة شروط في حالة توجيه ضربة ضد العراق، وهي: ـ عدم اقامة دولة كردية في شمال العراق. ـ التعويض عن الخسائر التي ستتكبدها تركيا نتيجة العملية العسكرية المرتقبة. ـ المشاركة في وضع تصور لمستقبل النظام والعراق في مرحلة ما بعد صدام حسين. ـ اعطاء حقوق للتركمان في كركوك والموصل وعدم وضعهما تحت سيطرة الاكراد. هذه الشروط، فضلا عن الحاجة التركية الشديدة الى واشنطن سواء في مجال العلاقات العسكرية معها أو في مساعدتها للخروج من الازمة الاقتصادية المتفاقمة التي تعاني منها او في قضية النزاع على قبرص وكذلك عملية الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، هذه القضايا الحساسة والحيوية والمصيرية بالنسبة لأنقرة تجعل من معارضتها لأي قرار استراتيجي اميركي مسألة صعبة ان لم تكن مستحيلة. وفي الاساس، فإن الشروط التركية لا تبدو بالنسبة لواشنطن مسألة صعبة او غير ممكنة، بل ان نائب وزير الدفاع الاميركي بول وولفوويتز اقر في ختام مباحثاته مع المسئولين الاتراك في انقرة مؤخرا بوجود مصالح تركية مشروعة في التطورات المتعلقة بالعراق دون الافصاح عن هذه المصالح، ولكن وعلى الرغم من قناعة انقرة بأن واشنطن ستستجيب لمعظم شروطها ومطالبها الا انها تتخوف من مخطط اميركي غير معلن تعده الادارة الاميركية لاقامة دولة كردية في شمال العراق، بينما هي تعارض ذلك بشدة لقناعتها بأن اي دولة كردية هناك ستنعكس بشكل مباشر على اكرادها في الداخل الذين يزيد عددهم على اكراد العراق ثلاثة اضعاف. وواشنطن تدرك حساسية الاقدام على هذه الخطوة لا بالنسبة لتركيا وحدها بل لايران وسوريا بالدرجة نفسها، فضلا عن الرفض العربي لتقسيم العراق، لذا تحرص واشنطن على عدم الحديث علنا في هذا الاتجاه وانما تراهن على احداث تحول في الموقف التركي واقناع انقرة بان الدويلة الكردية المنتظرة ستكون امتدادا او سنداً للامن الاقليمي التركي وليس ضدها او تحديا لها، ومثل هذه الحجة الاميركية قد تصبح موضع قبول تركي بعد ان نجحت تركيا في وضع حد للنشاط العسكري لحزب العمال الكردستاني فضلا عن هذا فان واشنطن تعتقد ان الازمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني تركيا منها وكذلك مشكلاتها الداخلية والخارجية العديدة، كفيلان بضمان مشاركة تركيا في عملية عسكرية ضد العراق وهنا ينبغي القول ان تركيا اظهرت حتى الان قدرا كبيرا من الحرص والحذر حيال هذا الموضوع، وربما كل ذلك يدخل في اطار حسابات الربح والخسارة مع انها في النهاية اسيرة خيارها الاستراتيجي المرتبط بالولايات المتحدة الاميركية. عودة الطورانية حساسية الموقف وخطورته يتزامنان مع عامل تركي داخلي مهم يجب الانتباه اليه، ويتمثل هذا العامل في الازمة السياسية الجارية والتي يبدو انها ستنتهي بانتهاء اجاويد سياسيا، والخطورة لا تكمن في نهاية اجاويد الذي ابدع نوع من التوازن في العلاقة مع العرب وطور علاقات بلاده مع العراق، بل في استفادة التيار القومي اليميني المتطرف في موقفه من مجمل هذه الازمة وفي قدرته على دفع الامور في الساحة السياسية، باتجاه ايديولوجية القومية الطورانية التي مازالت تعد شمال العراق جزءا تاريخيا من الاراضي التركية، ويظهر ذلك في خرائطه الحزبية، ويرى هذا التيار ان قادته تنازلوا عن ولاية الموصل «تاريخيا تعني كل شمال العراق» عام 1926 تحت ضغط الظروف الخارجية، وحسبه فان التنازل لا يلغي المطالبة بضم شمال العراق، وخطورة هذه الدعوة انها قد تجعل من مسألة التحرك تجاه العراق مسألة انتخابية في معادلة السياسة والسلطة او حتى للخروج من الازمة الجارية. في الواقع، الموقف التركي وتحولاته في هذا الاتجاه او ذاك من مسألة ضرب العراق، يتطلب من العرب تحركا مشتركا سواء من خلال الجامعة العربية او بعض الدول العربية التي لها مصالح وعلاقات جيدة مع تركيا، والتحرك حيال انقرة واحساسها بجملة المخاطر التي ستهدد المنطقة برمتها بما في ذلك تركيا، والتأكيد على ان مسألة الرهان على واشنطن في حل مشكلات بلد مثل تركيا من خلال التطمينات والمساعدات مسألة غير واقعية وغير دقيقة، وفوق هذا التأكيد على ان مسألة ضرب العراق قضية لا تتعلق بحجج واشنطن حول الاسلحة العراقية، بقدر ما تتعلق باستراتيجية اميركية تعززت بعد الحادي عشر من سبتمبر حيال الشرق الاوسط، هدفها فرض ترتيبات امنية جديدة في خريطتها السياسية وربما الجغرافية. قد يرى البعض ان واشنطن حسمت قرار الضرب، وبالتالي فان محاولة تعطيل العملية العسكرية المرتقبة لن تكون لها جدوى، وحسب رأيهم فان هذه المحاولات او حتى الاعتراضات لن تذهب الى حد مواجهة القرار الاميركي الا انه على الرغم من هذا فان التحرك العربي يبقى مطلوبا تجاه انقرة وموقفها. فعلى الاقل هناك العديد من النقاط والقضايا الحساسة بالنسبة لتركيا تختلف حولها مع واشنطن حيال العراق ومستقبله، وطرح هذه القضايا للحوار واخضاعها للحسابات، والمصالح مسألة لها وزنها وقيمتها وابعادها في المشاركة في اي عملية ضد العراق او عدمه، او حتى في تأجيل مثل هذه العملية وربما تغيير شكلها ومحتواها، من مسار عسكري الى مسار سياسي. بقلم: خورشيد دلي ـ كاتب سوري