لم يعد التهديد الأميركي بغزو العراق مجرد احتمال مرجح في أواخر خريف العام الحالي 2002 أو بدايات شتاء العام الميلادي المقبل، بل أصبح قرارا معلنا للرئيس الأميركي جورج بوش يحظى بتأييد غالبية أعضاء مجلسي الكونجرس الأميركي. ولا يرجع هذا التصميم على ضرب العراق وإسقاط نظامه الحاكم إلى مجرد اتهام بغداد باستئناف برامجها لإنتاج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، أو مزاعم تهديدها لأمن بعض دول الجوار في منطقة الخليج العربي، أو احتمال دعمها لبعض جماعات الإرهاب الدولي، أو تعريضها بعض المصالح الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط لمخاطر آنية أو مستقبلية. بل إن برنارد لويس، مستشار الرئيس الأميركي، يعلن صراحة: إن إسرائيل لن تنمو وتستمر في موقعها الاستراتيجي المهم، ما لم تعد منطقة الشرق الأدنى إلى ما كانت عليه في عهد الإمبراطورية العثمانية من كيانات قومية، وعرقية، وعنصرية، ومذهبية متفرقة ومتصارعة بفعل نزاعاتها المستمرة!! أما صقر البنتاجون الأميركي بول وولفوفيتز فيؤكد: أن تغييرات جذرية يجب أن تطرأ سراعا على نظم الحكم في دول محور الشر وبخاصة العراق وإيران للقضاء على تهديداتها لأمن دول العالم الحر، ولإقامة نظم ديمقراطية فيها، وإن كانت واشنطن تفضل قيام كيان فيدرالي في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين، ومثل هذه الفيدرالية قد تكون مطلوبة في مرحلة لاحقة في دول عربية. ويزعم دونالد رامسفيلد وزير دفاع بوش أن العراق يرفض عودة مفتشي الأسلحة إلى أراضيه والرقابة على تسليحه المتقدم، وأنه لم يلتزم تماما بكافة قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وبخاصة قراري مجلس الأمن رقمي 687، 1284، ومن ثم فإن استخدام القوة العسكرية ضد العراق لإسقاط صدام حسين لا يحتاج إلى تفويض من مجلس الأمن الدولي !! توجهات القوى الكبرى يجد الأميركيون تأييدا كاملا من توني بلير رئيس وزراء بريطانيا في غزو العراق، وهو يبدي استعداده لتمركز قوة بريطانية تصل إلى 30 ألفا في أراضيه لمدة 4-5 أعوام كجزء من قوة احتلال بعد الإطاحة بنظام صدام حسين، ويقترح أن تكلف هذه القوات البريطانية بمنع اشتعال الفوضى في ربوع العراق، ومواجهة محاولات تقسيمه، ثم تتحول إلى قوات حفظ سلام متعددة الجنسيات تمول نفقاتها دول صديقة لن تشارك في ضرب العراق مثل اليابان، واحتمالا ألمانيا. وأكد بلير أنه يتفهم قلق واشنطن من محاولات التدخل لتعديل معادلات التوازن الاستراتيجي العسكري بين إسرائيل ودول الطوق العربية، ومخاطر دعمه للقوات العربية التي قد تتورط في مواجهات عسكرية مستقبلية على الجبهة الشمالية أو الشرقية لإسرائيل، وهو يدرك أن من الضروري منع امتلاك دول عربية أو إسلامية لأسلحة ردع غير تقليدية (أي نووية) أو فوق تقليدية (كيميائية وبيولوجية) في منطقة الشرق الأوسط المهددة باحتدام الصراعات الإقليمية فيها في العقدين المقبلين. ولم يذكر بوش أو بلير صراحة شيئا عن القفزات الكبيرة في تقدير احتياطيات البترول المؤكدة في أراضي العراق في السنوات العشرة الأخيرة، والتي تفوق كثيرا رقم المائة مليار برميل الشهير الذي تعارف عليه السياسيون والاقتصاديون قبل كارثة غزو العراق للكويت. والولايات المتحدة وبريطانيا تطمعان سويا في الفوز بالاستثمارات البترولية الجديدة في العراق التي يمكن أن تزيد إنتاجه إلى 5-6 ملايين برميل يوميا في عام 2010 على الأرجح. ولم يتردد توني بلير في إقالة السير مايكل بويس رئيس أركان حرب القوات المسلحة البريطانية لأنه جاهر بمعارضته للمشاركة في غزو العراق أو احتلاله لبضع سنوات مقبلة!! ومن جهة أخرى فإن بلير يدعو إلى نوع من الارتباط السياسي الوثيق بين نظام الحكم العراقي الجديد وبين الأردن، وهو ما يعيد للأذهان فترة الحكم الهاشمي للبلدين تحت الحماية البريطانية، كما يتفهم إمكانية استيعاب العراق لعدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين حاليا في سوريا ولبنان والأردن في إطار التسويات السياسية القادمة المرتقبة للمشكلة الفلسطينية في السنوات القريبة القادمة. ويمضي بلير لتسويق ضرب العراق بين دول الاتحاد الأوروبي، ويعلن أن أوروبا لن تترك الولايات المتحدة وحدها لتنفرد بغزو العراق، فالمصالح الأوروبية في الخليج العربي متعددة ومتنامية، والعراق - كاليابان بعد الحرب العالمية الثانية - يحتاج إلى فترة ممتدة من الوجود العسكري الغربي في أراضيه ومن التخطيط الشامل للتنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي الذي يربطه بالولايات المتحدة وأوروبا الغربية. وقد انعكست جهود بلير على إيطاليا، التي وافقت على استخدام القوات الأميركية لبعض قواعدها الجوية في حالة ضرب العراق بينما خفت حدة المعارضة الفرنسية والبلجيكية والأسبانية للخطة الأميركية لإسقاط نظام صدام حسين. وبينما تعارض روسيا العدوان الأميركي على العراق، وترفض محاولات المعارضة العراقية للاتصال بموسكو، فإن الصين تعبر عن رفضها الهادئ للعدوان العسكري على الشعب العراقي وتدعو الأمم المتحدة لاستئناف الاتصالات الدبلوماسية مع حكومة بغداد، ويبدو أن الصين لا تزال قوة كبرى إقليمية في شرق آسيا ووسطها أكثر منها قوة عظمى تؤثر في بؤر الصراع الدولي كلها. المواقف العربية تتباين مواقف الدول العربية من محنة العراق، فمصر تقدر خطورة استباحة أية أرض عربية بدعوى أن نظام حكمها غير ديمقراطي، أو يهدد المصالح الحيوية الأميركية، أو يبني أسلحة الدمار الشامل التي تملكها إسرائيل وتمضي في تطويرها بدعم أميركي. وقد أبدت مصر اعتراضها المعلن على غزو العراق الذي سيضرب الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط كله، وعلى تهديد السودان وسوريا وليبيا بضربات قادمة. وطالبت مصر والسعودية بوقف التشجيع الأميركي لجماعات المعارضة العراقية لتشكيل حكومة مؤقتة في المنفى، وبالتركيز حاليا على وقف العدوان الصهيوني في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، واستئناف مباحثات التسوية السياسية في فلسطين دون التعلل بالانتظار إلى ما بعد يناير 2003 حين تتم الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية، وحذرت القاهرة والرياض من تجدد الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب لبنان أو شمال الجولان. وقد اعترضت مصر وسوريا والسعودية بالفعل على تغلغل عناصر المخابرات المركزية الأميركية ووحدات القوات الخاصة في كردستان العراقية، وعلى استدعاء الزعيمين الكرديين مسعود برزاني وجلال طالباني إلى ولاية فرجينيا الأميركية لمحاولة تحديد دوريهما في الاجتياح المقبل للعراق والضغط لاستخدام ميليشياتهما في اقتراب القوات الأميركية على محورين اثنين إلى وسط العراق، وهي محاولة لم تكتمل أبعادها حتى الآن. وطلبت الدول الثلاث أن توقف واشنطن ضغوطها على كوفي أنان السكرتير العام للأمم المتحدة بما يسمح باستئناف مباحثات عودة مفتشي الأسلحة إلى العراق، وتخفيف أو إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه والتي أدت إلى مصرع 1.5 مليون عراقي في سنوات الحصار الإحدى عشرة حتى الآن ومعظمهم من الأطفال !! ويخفت الاعتراض الأردني تدريجيا على استخدام أراضيه في الهجوم البري ضد العراق فأوراق الضغط التي تملكها واشنطن عديدة، وتشمل التهديد بالتهجير الإجباري لبعض الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأراضي الأردنية، وتقليص المساعدات الاقتصادية والعسكرية للأردن التي ارتفعت إلى أربعمائة مليون دولار سنويا، وإثارة قضية الديمقراطية في الأردن. لكن بعض الدول العربية لا تملك الاعتراض على بدء الحشد البري والبحري والجوي الأميركي على أراضيها وفي مياهها، وهو ما حدث بالفعل في تركيا، وارتفع حجم الوجود العسكري الأميركي الحالي في الخليج إلى ما يزيد عن 55 ألف ضابط وجندي. وقد أدت الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية في تركيا إلى استسلام حكومة أنقرة للقرار الأميركي بشأن العراق والاكتفاء بطلب تأجيل تنفيذه إلى ربيع 2003 !!! ولا تزال جامعة الدول العربية مغرقة في سلبياتها إزاء إتمام المصالحة بين العراق وكل من الكويت والسعودية، والبحث عن حل نهائي لمشكلة الأسرى والمفقودين الكويتيين، وعاجزة عن المشاركة كمنظمة إقليمية فعالة في مباحثات كوفي أنان مع الحكومة العراقية بشأن التفتيش الدولي والعقوبات الظالمة ضد شعب بلاد الرافدين. التوقيت المنتظر يرتبط هذا التوقيت بالدرجة الأولى بالسيناريو الذي سيتم تطبيقه لغزو العراق، ومدى قبول إدارة حرب تقليدية شاملة تبدأ بحملة جوية تمتد 3-4 أسابيع، ويتلوها الهجوم البري على العراق على 3-4 محاور عبر أراضي بعض دول الجوار إلى جانب الهجوم المتزامن من الشمال الكردي، أو اختيار النموذج الأفغاني بالتركيز على الاقتراب إلى وسط العراق على أكثر من محور من كردستان العراقية في توقيت يتزامن مع انقلاب عسكري أو اضطرابات داخلية واسعة النطاق، وبخاصة في الجنوب الشيعي للعراق، مع انتشار أعمال القوات الخاصة الأميركية والبريطانية ضد الأهداف الحيوية ومراكز القيادة والسيطرة والاتصالات والمخابرات في أراضيه، وأخيرا خيار البدء بنشاط المخابرات الإيجابية داخل العراق، والتخطيط لانقلاب عسكري تصاحبه اضطرابات داخلية، ويكون إيذانا بتدخل قوات الإبرار الجوي وقوات العمليات الخاصة الأميركية للسيطرة على بغداد وعدد من المدن العراقية الرئيسية بالتنسيق مع الميليشيات الكردية وجماعات المعارضة العراقية. ويرتبط توقيت الغزو ببناء تحالف دولي وإقليمي محدود يشارك الولايات المتحدة في العمليات الحربية وفي التواجد العسكري في أراضي العراق في الفترة التالية لإسقاط نظام صدام حسين، وباختيار العناصر الموالية للولايات المتحدة التي ستتولى الإدارة الانتقالية في العراق، وتمنع نشوب الفوضى في أرجائه، والاعتداء على الأقليات كالتركمان في شماله أو الشيعة في وسطه، وهو الأمر الذي دعا واشنطن لترتيب لقاء ممثلي الحزبين الكرديين والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية والمؤتمر الوطني العراقي والحركة الوطنية العراقية في واشنطن في أغسطس المقبل للاستقرار على تشكيل الإدارة الانتقالية وصلاحياتها والفترة الزمنية لبقائها، وستكون في التقدير الأميركي بضع سنوات. ويعتمد توقيت الغزو على نقل وتمركز وفتح القوات الأميركية المشاركة في الغزو في مسرح العمليات، وللآن لم تفتح سوى ثلاث فرق مدرعة وميكانيكية، ولواء مدرع آخر، وبعض أجنحة الطيران التكتيكية إلى جانب الأسطول الأميركي الخامس المتمركز في الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر بصفة أساسية. وسيكون انتقال الفرقتين 82، 101 المحمولتين جوا إلى الخليج مؤشرا لقرب العمل التعرضي ضد العراق. ويتمهل الأميركيون في الغزو، ليتحقق لهم استعواض ما استخدم من أسلحة وذخائر ذكية في الحرب الأفغانية، وبخاصة صواريخ كروز والقنابل الموجهة بالليزر التي يخطط الأميركيون لاستخدامها في تدمير الدفاع الجوي العراقي ومراكز القيادة والسيطرة والاتصالات والمخابرات، وكذا لرفع كفاءة امتصاص أية ضربات صاروخية محدودة قد يوجهها العراقيون ضد إسرائيل !! ويبقى أن توقيت الغزو يمكن أن يتأثر بموقف عربي مسئول يدرك أبعاد محنة العراق ومخاطر تقسيمه المرجح إذا تم غزوه، ثم التحول المتوقع من جانب آلة الحرب الأميركية والصهيونية العالمية ضد سوريا ولبنان، وإرباك مصر بتفعيل التوجهات الانفصالية في جنوب السودان ليتهدد بقاء النظام الإقليمي العربي كله ويتعرض لمزيد من التفتيت وإضعاف وحداته السياسية. ولست أدري على وجه اليقين هل تقبل الدول الرئيسية في هذا النظام، المتمثل في جامعة الدول العربية، النهوض بمسئولياتها، أم تستسلم لأقدارها وتظل تبحث عن الناصر صلاح الدين عله يتصدى للمخطط الصليبي الصهيوني الجديد!! بقلم: لواء أ.ح صلاح الدين سليم محمد ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الاوسط