تكثف الولايات المتحدة الأميركية استعداداتها على مختلف الاصعدة، السياسية والعسكرية وغيرها، لتوجيه ضربة قاضية للعراق أو غزو شامل لأراضيه، بهدف معلن هو تغيير النظام القائم واستبداله بنظام جديد ومختلف. ورغم العقبات القانونية والسياسية الكثيرة التي تحول دون حصول واشنطن على الغطاء الشرعي الدولي لمثل هذا الغزو والتدخل السافر في الشئون الداخلية للدول الاخرى، الا ان الادارة الاميركية على ما يبدو قد اتخذت قرارها، ولم يعد الامر سوى مسألة وقت لتحديد ساعة الصفر (بشكل علني) وتفاصيل التنفيذ. اما الاعتراضات الاقليمية والدولية على خطط اميركا، حتى من اقرب حلفائها مثل بريطانيا، فالظاهر انها لا تجد آذاناً صاغية لدى ساكني البيت الأبيض في واشنطن. لقد اصبحت نزعة الانتقام ـ على ما يبدو ـ هي الحاكم الفعلي لاميركا، خاصة بعد احداث 11 سبتمبر وتجاه الشأن العراقي بشكل خاص. فالرئيس بوش الابن يبدو مصراً على إكمال مهمة والده والانتقام له، ولكن هذه المرة ليس من صدام حسين وحده، وإنما من كل العراق ارضاً وشعباً، بل ومن المنطقة كلها التي ينتمي اليها هذا الشعب العريق في انتمائه وجذوره. لقد عانى الشعب العراقي طوال السنوات الماضية من قسوة الحصار الشامل المفروض عليه، والذي راح ضحيته ملايين المدنيين الابرياء وبينهم اكثر من مليون من الاطفال الرضع، فضلاً عن انهيار البنية التحتية، وتردي الاوضاع الصحية والمعيشية وانتشار الاوبئة والامراض. ومع ما في هذه الصورة من مأساوية تتجاوز الواقع الراهن لتهدد أجيال المستقبل في العراق، الا ان خطر تقسيم هذا البلد الى دويلات او قطع ممزقة يبقى الخطر الاكبر الذي لا تقف اضراره ومخاطره عند حدود العراق فحسب، وانما تشمل منطقة الشرق الاوسط كلها الزاخرة اصلا بالكثير من اسباب الاضطراب والنزاعات، وعلى رأسها الوجود الصهيوني في فلسطين واطماعه التوسعية في كل ارجاء المنطقة. فتقسيم العراق، وهو النتيجة الاكثر توقعا من قبل معظم المراقبين والمحللين لأي غزو أميركي جديد، وايا كانت اسس او اشكال هذاالتقسيم، عرقيا او طائفيا او جغرافيا، سوف يفتح أبواب المجهول على مصاريعها ويضع المنطقة كلها على فوهة بركان حقيقي من الانقسامات والصراعات التي يصعب التنبؤ بمساراتها وتداعياتها، وهو ما سينعكس حتما على أمن واستقرار العالم كله. المسألة إذن لم تعد مستقبل العراق ومأساة شعبه فحسب، وانما هي مستقبل هذه المنطقة الحيوية والحساسة التي تدفع بها السياسات الاميركية الحالية وجنون الارهاب الشاروني، الى هاوية التمزق والتفتت، وتحويلها كلها الى رهينة تحت رحمة الاحلام التوسعية والنزعات الانتقامية. ومن هنا يمكن فهم مدى جدية المواقف الرسمية التي صدرت عن أعلى المستويات في الدول المجاورة، وخاصة العربية، فضلا عن المواقف الاهلية والشعبية، فالكل يدرك حجم المخاطر المحدقة وحقيقة الاهداف التي تقف وراء تحويل المنطقة كلها الى مرجل يغلي وانشغالات لا تنتهي. ولكن ادراك هذه الحقائق شيء، والعمل الفعلي من أجل تغييرها وإبطال مفاعيلها، شيء آخر لا يزال غير منظور .. حتى الآن!