الشرق الاوسط، بفضل «حكمة» جورج بوش وفريق المغامرين في ادارته، على وشك الفوضى العارمة، حيث التخبط يسود ايقاع مجريات الامور السياسية والعسكرية. فالادارة الاميركية لم تكتف بسلبيتها وتخليها عن دورها كراعية لعملية السلام، بل اطلقت عبر لسان رئيسها المعوج خطابا فتح المجال واسعا لعدوانية ارييل شارون واحتمالات الفوضى. الثابت الوحيد في سياسات هذه الادارة الاكثر مغامرة في تاريخ الولايات المتحدة، هو ضمان وجود وتفوق اسرائيل حتى لو كان الثمن اغراق الشرق الاوسط في الظلام، لكن مع ضمان تدفق النفط لعجلة الاقتصاد الاميركية، وهو الامر الذي يشير اما لتناقض مرده النفس المراهق لهذه الادارة او استعدادها للتدخل حتى عسكريا لتأمين منابع النفط بناء على هذا الالتزام الاميركي المستميت، لم تجد اسرائيل حرجا قبل ايام في الاعلان انها بعد اطلاق قمر التجسس «أفق 5» باتت قادرة على ضرب اي مكان في العالم. كما لم يجد سلاح الجو الاميركي نفسه غضاضة في الاعلان ان اسرائيل تمتلك اربعمئة رأس نووي وقنابل هيدروجينية ما يجعلها في المرتبة الخامسة بين اعضاء النادي النووي العالمي. لهذا الاعلان المزدوج مغزاه بالطبع، بعد سياسة الغموض النووي التي اتبعتها الدولة العبرية منذ ساعدتها فرنسا على بناء مفاعل ديمونة النووي في الستينيات. جدد بنيامين بن اليعازر وزير حربية الاحتلال الصهيوني مؤخراً اتهامه ايران بقرب امتلاك السلاح النووي بعد ثلاث سنوات، والابواق الاميركية جددت اتهام العراق وحتى سوريا وليبيا بالسعي لهذا السلاح، وعليه لابد من توجيه رسالة تحذير مفادها ان اسرائيل قادرة على امتصاص الضربة الاولى بأسلحة الدمار الشامل والاهم من ذلك ان لديها قوة نووية خارقة تمكنها من توجيه ضربة مضادة سيما بعد امتلاكها ثلاث غواصات نووية مكنتها من تجاوز افتقادها للعمق الاستراتيجي. والاخطر من ذلك هو ذلك الجزء المخفي في الرسالة والمتعلق بتهيئة الاجواء والتمهيد لمخطط عسكري اميركي في المنطقة: تضاربت التحليلات حول اي من الدول ستوجه لها الولايات المتحدة الضربة المقبلة في اطار ما يسمى حربها على الارهاب، البعض رجح العراق، وآخرون توقعوا مفاجأة ايران بهذه الضربة، حتى ان البعض شمل سوريا وقواعد حزب الله اللبناني بها. وماذا لو فاجأ محترفو المخططات السوداء في البيت الابيض كافة هذه التحليلات، وشملت الضربة جميع ما ذكر لكن بتسلسل تدريجي يبدأ اولاً بأيران لتفادي ردة فعل الشارع العربي وبناء على قياس نبض هذا الشارع تتوجه القاذفات العملاقة الى بغداد وربما بعدها الى البقاع. لا يبدو ذلك خياليا، سيما وان الجيش الاميركي اجرى تدريبات ومناورات منذ زمن لخوض حربين وكسبهما في آن واحد، وسيما ايضا ان واشنطن مكنت اسرائيل من الحصول على غواصاتها واطلاق قمرها التجسسي. وارتد سلاح العقوبات الى نحر اسرائيل هناك جملة معترضة واحدة في السطور السابقة تتعلق اساسا بالاجماع الدولي، صحيح ان الولايات المتحدة غدت امبراطورية هذا العالم بلا منازع، لكنها تغامر بصلفها هذا باستفزاز قوى مهمة على الساحة الدولية مثل الصين وأوروبا وروسيا للتنادي لتشكيل احلاف تكون قادرة على موازنة الخلل الدولي خصوصا وان روسيا ما زالت تحتفظ بمخزونها النووي الجبار، وكل ما يلزمها دعم مالي تتكفل به بقية اطراف التحالف المفترض «وحبذا لو سارع العرب لنسج علاقات جديدة مع موسكو». هذه الجملة المعترضة تظهر ايضا من خلال النفور الاوروبي المتصاعد من دولة العبرانيين في فلسطين. وعلى غير الهوى الاميركي ارتدت حملة واشنطن ضد الارهاب على اسرائيل وبالا من حيث لم تتوقع. فقد تسببت القيود الامنية العالمية والمشددة التي فرضتها اميركا على العالم اضافة لصورة القمع الصهيوني البشع للفلسطينيين في فرض قيود اوروبية مشددة على توريد التكنولوجيا العسكرية الحساسة للدولة اليهودية. ويبدو ان العدوان الجاري مكن الاوروبيين من التحرر من ابتزاز المحارق النازية، والتحلل تاليا من تقديم اية مساعدات في هذا المجال للصهاينة، حيث نقلت صحيفة «هآرتس» العبرية مؤخراً عن مسئول استخباري اوروبي قوله لنظيره الاسرائيلي: ما العمل، الكارثة النازية حدثت القرن الماضي؟ وتجدر الاشارة هنا الى ان اسرائيل دولة صغيرة تعاني شح الموارد وهو ما يدفعها لاستيرادها، بل واستيراد الكثير من منتوجات التكنولوجيا لارتفاع تكلفة التصنيع محليا. وبعد التشدد الاميركي تجاه العراق، وفرض رقابة مشددة على استيراد مواد الاستخدام المزدوج «المدني والعسكري» وجدت دولة بني صهيون نفسها امام معضلة لا سبيل لحلها سوى بالضغط الاميركي. حرب الثمانية أيام لطرد الفلسطينيين جميعاً في ظل السيناريوهات الاميركية الكبرى الخاصة بالشرق الاوسط تنمو في الخفاء سيناريوهات اسرائيلية صغرى اخطر من الاميركية. كشف المؤرخ العسكري الاسرائيلي مارتن فان كريفيلد ملامح هذا السيناريو في تقرير نشر في ابريل الماضي في صحيفة «صنداي تليغراف». عنوان هذا السيناريو ان حكومة ارييل شارون ستستغل اية ضربة اميركية للعراق، او وقوع انفجار استشهادي كبير داخل الدولة العبرية للبدء في اخطر مخططاتها: عملية طرد جماعي «ترانسفير» لكافة الفلسطينيين الى الاردن. قال المؤرخ هذا ان الجيش الاسرائيلي وكافة الذكور اليهود في حالة استنفار مشدد استعداداً لذلك. وفي معرض سرده لهذا السيناريو الذي عادت مجلة «ليندون لاروش» المرشح للرئاسة الاميركية المقبلة التذكير به، قال كريفيلد: اولا: الغواصات النووية الاسرائيلية ستتخذ مواقعها القتالية في البحر، اغلاق الحدود الاسرائيلية، فرض تعتيم اعلامي كامل واعتقال كافة الصحافيين ك«ضيوف» في فنادق. وجيش الاحتلال ينشر تشكيلاته الـ 12 ومختلف قواته على النحو التالي: خمس فرق في مواجهة مصر، وثلاث فرق مقابل الحدود السورية، وواحدة على الحدود مع لبنان، والثلاث المتبقية تنشر على الحدود مع الاردن اضافة لضمان وجود دبابة في كل قرية فلسطينية لقمع اي مقاومة. ثم تبدأ عملية الترانسفير على شكل قصف مدفعي غير مسبوق، بحيث تبدو معه مجزرة جنين نقطة في بحر، لاجبار الفلسطينيين على الهروب من وطنهم. وحول الرد العربي المتوقع كتب المؤرخ هذا يقول: لنتذكر اقوال اسحق شامير رئيس وزراء اسرائيل الاسبق الذي سخر من احتمال اقدام صدام حسين على مهاجمة اسرائيل باسلحة الدمار الشامل بالقول: هل هو مجنون؟ وهو يعلم جيداً مدى فداحة الرد الاسرائيلي» في اشارة الى تلويح الصهاينة بأسلحتهم النووية في وجه العرب. ويقول كريفيلد ان حرب الترانسفير ستستمر لثمانية ايام ويؤكد ان لا احد يستطيع ايقاف هذا المخطط سوى الولايات المتحدة. وللتدليل على جدية هذا السيناريو تقول مجلة «لاروش» ان مسئولي استخبارات عرب بينهم مصريون حصلوا على نسخة من تقرير كريفيلد لدراسته خصوصا بعد خطاب بوش الذي اعطى شارون شيكا عدوانيا على بياض. اذن المخططات الاميركية الكبرى من امامنا والاسرائيلية الصغرى من خلفنا، والهوان العميم من حولنا، وليس امامنا على ما يبدو سوى ممارسة الجنون كغيرنا وترك الكلمة الفصل للجماهير المكممة. خالد ابو كريم