يوم الخميس في 18 يوليو الجاري ترأست وفدا ضم اعضاء المكتب السياسي في حزب الكتائب اللبنانية في زيارة الى دمشق التقينا خلالها بشار الاسد الرئيس السوري على مدار ثلاث ساعات. وكنت قبل حوالي الثلاثين عاما، وفي سبتمبر 1973، قمت بزيارة مشابهة في عداد وفد كتائبي زار دمشق لأول مرة برئاسة الشيخ بيار الجميل. وما بين الزيارتين وقعت حروب كثيرة منها حرب اكتوبر، وحرب لبنان، وحربي الخليج، وحصلت احداث كبيرة، منها قيام الثورة الاسلامية في ايران، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وانعقاد مؤتمر مدريد. وتمت متغيرات جذرية على الصعد الفكرية والتكنولوجية لا مجال لحصرها وتعدادها. شكل العام 1970 تحولا في الشرق الاوسط ولبنان. في ذلك العام غاب جمال عبدالناصر في مصر، ووصل حافظ الاسد الى سدة الحكم في سوريا، وانتخب سليمان فرنجية رئيسا للجمهورية في لبنان. وبرزت القضية الفلسطينية مشكلة الشرق الاوسط المركزية، وفي الوقت عينه تحولت الى مشكلة عربية ـ عربية بعد توقيع اتفاقية القاهرة بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، ووقوع احداث «سبتمبر الاسود» بين الجيش الاردني والمنظمات الفلسطينية. وفي خضم هذه التحولات تمت الزيارة الكتائبية الاولى الى دمشق، وقد تركت بصماتها على لبنان والمنطقة، وكانت بداية ما عرف بالعصر الذهبي بين مسيحيي لبنان ودمشق والذي دام من العام 1972 حتى العام 1977. وشهد العام 2000 تحولات من الحجم عينه. غاب حافظ الاسد في سوريا وخلفه بشار الاسد، وانتخب قبل عام اميل لحود رئيساً للجمهورية اللبنانية، وانسحب الجيش الاسرائيلي من الجنوب تحت ضغط المقاومة، واندلعت الانتفاضة في فلسطين، وجاءت الزيارة الكتائبية الى دمشق في ظل هذه التحولات التي بانت اثارها في لبنان والمنطقة. بين الأمس واليوم تبدل المشهد وبقيت المشاكل: القضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، العلاقات اللبنانية ـ السورية والعلاقات الصعبة بين دمشق والمسيحيين، مشقات الحكم في لبنان والخلافات المستشرية بين اهله. كما برز عنصر لم يكن في الحسبان بالأمس وهو الخطر الاقتصادي الذي يهدد لبنان ويضغط على كل من سوريا والفلسطينيين والعراق. في هذه الزيارة كان التطابق في الرؤيا الى المستقبل كاملا بين دمشق والكتائب، وهذا هو المهم. والتوافق كان تاما حول العديد من الامور الاساسية، ومنها رفض توطين الفلسطينيين واقامة للدولة الفلسطينية مع حق العودة. والرغبة في التنسيق والتعاون كانت صادقة في مواجهة اسرائيل، واكمال العلاقات المميزة، واستئصال الشوائب منها. وقد ارتاح الوفد الكتائبي لما سمعه في دمشق، وارتاحت دمشق لما سمعته من حزب الكتائب في حوار كان معمقاً في المشاكل المزمنة والمستجدة، وكأن روح السبعينيات عادت الى العلاقة بين الكتائب ودمشق. وترك الوفد الكتائبي دمشق، وهو اكثر وثوقاً بنفسه وبسوريا وبالمستقبل. ولابد من الاشارة ان العلاقات السورية ـ المسيحية شغلت حيزا واسعاً من لقاء دمشق. وقد اخذت الكتائب على عاتقها ان تكون جسر تواصل بين الطرفين، فتطور معادلة واضحة للتفاهم. سوريا تدعم الدولة اللبنانية القادرة والعادلة والنظيفة، وعبر هذا الدعم تدعم الحضور المسيحي القادر والعادل والنظيف. وفي المقابل يدعم المسيحيون العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا ومن خلال هذه العلاقات يطالبون بتمثيلهم المتوازن، وبالانماء المتوازن، وبتطبيق بنود وثيقة الوفاق الوطني نصا وروحاً. والواقع المقروء بسهولة ان لسوريا «سياسة لبنانية» واضحة ومحددة تطبقها وتطورها وفق الحاجات والمتغيرات، في حين ان المسيحيين لا يملكون «سياسة سورية» مقابلة. وقد بات من الضروري ان يكون للمسيحيين مثل هذه السياسة، وهذا ما ينوي حزب الكتائب اللبنانية انجازه.