تحظى المملكة العربية السعودية في المنطقة العربية عمومًا ومنطقة الخليج على وجه الخصوص بمكانة وأهمية استراتيجية بالغة انطلاقًا من معطيات عديدة ابتداءً بالمساحة الهائلة التي تحتلها المملكة، والتي تمتد عبر أراضي الجزيرة العربية ومرورًا بالثروة النفطية التي تمتلكها، وانتهاءً بالثقل السياسي والثقافي للمملكة والنابع من مكانتها الحضارية كأهم دولة إسلامية في المنطقة. وانطلاقًا من هذا يصبح كل ما يخص شئون المملكة العربية السعودية محطًا لاهتمام الخبراء والمحللين في العالمين العربي والإسلامي، ومن بين أهم الأمور التي يتركز الاهتمام عليها في هذا الإطار الخبرة السعودية في التحديث والتنمية على جميع المستويات حيث يعتبر الكثيرون أن تلك الخبرة يمكن أن تشكل أحد أهم النماذج التنموية المطروحة أمام صانعي القرار في الدول العربية والإسلامية، خاصة في ظل الحرص السعودي أن تتم هذه التجربة في إطار الخصوصية الثقافية السعودية ذات الطابع الإسلامي. وقد بدأت التجربة التنموية في المملكة العربية السعودية في السبعينيات من القرن العشرين، حيث ما يُسمى بالحقبة أو الطفرة النفطية، إلا أن أهم ملامح وإنجازات هذه التجربة قد بدأت في التبلور والوضوح مع بداية التسعينيات من القرن ذاته.فكيف ينظر للمتغيرات التي تمت في اطار عملية التحديث بالمملكة العربية السعودية؟ شهد العالم منذ بداية تسعينيات القرن الماضي تحولات جذرية في أسس المعادلات السياسية على المستويات المختلفة، حيث التغير في النظام العالمي وبروز مفاهيم العولمة الاقتصادية والثقافية، وانتشار الثورة الرقمية والمعلوماتية وغيرها، مما أفرز عددًا من المتغيرات الدولية والإقليمية ألقت بظلالها على الممارسات السياسية في دول العالم المختلفة. وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، فقد تأثرت بهذه المتغيرات حيث تمت عملية التنمية والتحديث في إطار ما أفرزته هذه المتغيرات من تحديات كان على خبرة التحديث والإصلاح في السعودية أن تستجيب لها وتتفاعل مع آثارها. ومن أبرز ما يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد: أ-على الصعيد السياسي دشنت التحولات على الساحة العالمية بروز مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والشفافية وغيرها كمعايير لتقييم أي نظام سياسي في أي من مناطق العالم، فبعد أن أخفقت التجارب الشمولية في تحقيق الحد الأدنى من طموح الجماهير، أصبح التحول الديمقراطي على المستوى العالمي هو التيار الذي يحظى باحترام العالم بوصفه المنهج الأنسب للتغيير والإصلاح، وبصعود هذا التيار أصبحت هناك ضغوط أدبية ومعنوية عالمية سواء من قبل القوى الكبرى أوالهيئات الدولية، لاسيما الاقتصادية والتي طورت مفاهيم الحكم الجيد والمشروعية السياسية، ومن قبل هيئات ومنظمات حقوق الإنسان العالمية التي تتابع باهتمام وشغف شديدين انتهاكات الدول لحقوق الإنسان وعدم التزامها بالحريات السياسية والمدنية. ومن ثم أصبحت دول العالم مراقبة وتخضع للمساءلة، وأخذت بالتالي في اعتبارها تقارير هذه المنظمات التي تؤثر في سمعتها ومكانتها وعلى فرص الاستثمار فيها. ولم تكن المملكة العربية السعودية ببعيدة عن انتقادات الجهات والمنظمات الدولية بدعوى انتهاك حقوق الإنسان والتمييز ضد المرأة وعدم اتباع الديمقراطية بمعناها الغربي، وذلك دون مراعاة للخصوصية الثقافية والحضارية التي يتمتع بها المجتمع السعودي والتي تميزه عن غيره من المجتمعات. وقد أكدت المملكة العربية السعودية مرارًا رفضها لاستخدام مصطلحات حقوق الإنسان والديمقراطية كوسيلة للضغط والابتزاز بغية تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية. من ناحية أخرى فإن انخفاض أسعار النفط على مستوى العالم قد شكل عاملاً مهمًا في هذا السياق، حيث دفع إلى إعادة النظر في مفهوم دولة الرفاه، حيث أن أزمة انخفاض أسعار النفط أثرت على الموارد المالية اللازمة للإنفاق على الخدمات العامة وعلى قدرات بعض النظم على تقديم الدعم، ومن ثم كانت فكرة طرح مشاركة المواطنين في السلطة مهمة من أجل إقناع هؤلاء المواطنين بقبول إمكانية اتخاذ إجراءات ملائمة وغير مسبوقة للخروج من أزمة النفط. وعلى الصعيد الإقليمي، أصبحت المشاركة السياسية ضرورة في منطقة الخليج بصفة عامة، وخاصة بعد أن نجحت -ولو بصورة جزئية- تجارب قريبة من البيئة الخليجية لاسيما في إيران وتركيا وبعض الدول العربية في ذلك، فقد استطاعت هذه المجتمعات من خلال هامش من الديمقراطية والمشاركة أن ترسي مستويات متفاوتة من التغيير الاجتماعي بعيدًا عن العنف والممارسات غير السلمية. أما على المستوى الداخلي السعودي، فبعد انتهاء حرب تحرير دولة الكويت ازدادت الضغوط الداخلية ونشطت المعارضة السعودية، وكان لهذه الضغوط انعكاسات مهمة تمثلت في ضرورة توسيع مساحة المشاركة السياسية، وقد تركزت مطالب المعارضة السياسية في هذا الإطار على: ـ المطالبة بإعادة توزيع الثروة في المجتمع السعودي بشكل عادل. ـ اتخاذ إجراءات اجتماعية عادلة. ـ المساءلة الحكومية. أصعدة اقتصادية واجتماعية فعلى الصعيد الاقتصادي تواجه المملكة العربية السعودية شأنها شأن دول العالم الأخرى مجموعة من التحديات الاقتصادية كنتيجة لتداعيات ظاهرة العولمة، حيث تجابه المملكة تحدي الاندماج في الاقتصاد العالمي وهي عملية لا تخلو من الصعوبات، فقد كان بوسع المملكة ابتداءً من الثروة النفطية في السبعينيات أن تنفتح على العالم بشروطها، لاسيما أن الاقتصاد السعودي كان متكاملاً دومًا مع الاقتصاد العالمي بسبب صناعة النفط، وبالتالي كان بمقدور السعودية الانتقاء والاختيار. أما في ظل التحولات الجديدة حاليًا فمن المتوقع أن يتم الاندماج وفقًا لشروط الاقتصاد العالمي. ويؤثر ذلك سلبًا على حجم الاستثمارات الأجنبية التي تجتذبها المملكة العربية السعودية والتي تعاني انخفاضًا شديدًا، حيث وصل حجم تلك الاستثمارات نحو 4.3 بلايين دولار فقط في الفترة من 1997 ـ 1984، مقارنة ب51 بليون دولار اجتذبتها سنغافورة التي لا يزيد تعداد سكانها عن سدس سكان المملكة. والجدير بالذكر أن المملكة العربية السعودية تسعى للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، مما يترتب عليه أعباءً إضافية ينبغي تحملها، الأمر الذي تتضاعف صعوباته مع اعتماد الاقتصاد السعودي على النفط كمصدر رئيسي للدخل خاصة في ظل ما يحمله ذلك من مخاطر بسبب احتمالات التذبذب في الأسعار. وتشكل البطالة احد اهم التحديات الاقتصادية التي تواجه المملكة، وتكمن خطورة تلك المشكلة في ان الدولة لم تتوقع ان تشكل البطالة هاجساً مستقبلياً مقلقا لهذه الدرجة حيث تحمل القطاع العام السعودي مسئولية استيعاب المواطنين الراغبين في الانخراط في صفوف العمل ولم يكن يمانع في استيعاب أعداد من العاملين تفوق كثيرًا حاجته الفعلية، إلا أن هذا الوضع قد شهد تغيرًا في ظل معطيات مختلفة أفرزت مشكلة البطالة في المملكة، وتتراوح نسبة البطالة في المملكة بين 14 ـ 20% بين الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و29 سنة، كما أن الاحتمالات تشير إلى أن واحداً من كل 3 أو 4 سعوديين سيتركون التعليم للبحث عن عمل. أما الوجه الآخر لهذه المشكلة فيتمثل في «العمالة الوافدة»، حيث أظهرت البيانات أن نسبة العاملين الأجانب في السعودية تقارب 47% من إجمالي عدد السكان، تعمل الغالبية العظمى منهم «حوالي 95%» في القطاع الخاص، في حين تعمل النسبة المتبقية في القطاع العام. ومن هنا تنبع أهمية قضية توطين العمالة والتي تعرف «بسعودة الوظائف»، فمن واقع سوق العمل السعودي ربما واجهت العمالة الوطنية مشاكل حقيقية إذا ما استمر هيكل سوق العمل في غير صالح المواطنين. فمن ناحية، من المتوقع أن يشهد سوق العمل السعودي تغيرات كبيرة، حيث سيرتفع إجمالي القوى العاملة الوطنية إلى 3و6 ملايين عامل، وذلك إذا ما استمرت معدلات مساهمة الذكور والإناث في النشاط الاقتصادي على وضعها الحالي، فيما سيرتفع عدد السكان في سن العمل إلى نحو 20مليون نسمة نصفهم من النساء، مقارنة بحوالي 8.2 ملايين فرد وفقًا لإحصائيات 1416ه. ومن ناحية ثانية، فإن القوى العاملة الوطنية لا تشكل سوى 34.1% من إجمالي قوة العمل في المملكة على الرغم من ارتفاع هذه النسبة بنحو 20% في الفترة 1990 ـ 1995م. ومن ناحية ثالثة، فإن الإحصاءات تشير إلى أن أكثر من 60% من التعداد السكاني يمثلون شريحة تقل أعمارهم عن عشرين عامًا، ورغم أن هذا الرقم يشير إلى طلب مستقبلي قوي ينعش الاقتصاد السعودي، نظرا لما ستشكله هذه الشريحة من قوة شرائية في المستقبل القريب، إلا أن هذا الجيل في الوقت نفسه يحتاج إلى تنمية متكاملة الأوجه وتدريب وتطوير ملائم لاحتياجات سوق العمل، وكذلك يحتاج إلى مستقبل وظيفي آمن. ومن ناحية رابعة، فإن المبالغ التي يتم تحويلها من العمالة الوافدة إلى خارج الأسواق السعودية تصل إلى 97 مليار ريال سنويًا بنسبة 75% من إجمالي دخول العمالة الأجنبية في السعودية، الأمر الذي ينعكس بالسلب على الاقتصاد السعودي الذي يتأثر جراء هذه التحويلات الضخمة، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار التكلفة الاجتماعية لهذه العمالة التي تلتزم بها الحكومة. أما على الصعيد الاجتماعي فيمكن الإشارة في الإطار الاجتماعي إلى عدد من المخاوف التي يرتبط وجودها بدرجة كبيرة بوجود العمالة الوافدة في المجتمع السعودي. وعلى رأس تلك المخاوف احتمالات حدوث تغيرات في المعالم الديموجرافية للمملكة، وذلك عبر ظهور معطيات سكانية جديدة مع تزايد أعداد الوافدين إلى السعودية. وفي هذا الصدد أشارت إحدى الدراسات إلى أنه قد لوحظ حدوث زيادة في أعداد المواليد بين الوافدين في دول الخليج الست بصفة عامة. ويترتب على ذلك تصاعد الخوف من التأثيرات السلبية على الهوية العربية والشخصية القومية للمواطنين، فمع تزايد أعداد الوافدين أصبحت هناك مخاوف حقيقية تهدد اللغة العربية التي باتت تتلقى وفقًا لتعبير أحد الباحثين «ضربات قوية في التعاملات اليومية سواء في التخاطب مع فئة الخدم أو في الأسواق». إضافة إلى ارتفاع معدلات نسب ارتكاب الجرائم بين العمالة الأجنبية، فمع وجود نحو 7ملايين مقيم وأجنبي بينهم نسبة كبيرة من العمالة متدنية المستوى التعليمي والثقافي ترتفع احتمالات ارتكاب الجريمة، لاسيما وأن هؤلاء العمال انتقلوا إلى بيئة محافظة بعد أن عايشوا بيئات مختلفة في بلدانهم، كما تسهم العمالة الوافدة في ارتفاع معدلات ارتكاب الجريمة بين بعض فئات المواطنين السعوديين بشكل مباشر، حيث تعتبر «وهي النتيجة الحتمية لتضاعف أعداد العمالة الوافدة في المملكة» أحد الأسباب الرئيسية للجريمة، هذا فضلاً عن آثارها السلبية الاجتماعية والنفسية الأخرى. الفلسفة الحاكمة هناك عدد من الملامح العامة تشكل في مجموعها الفلسفة الكامنة وراء هذه العملية ومن أهم المباديء والقيم المتضمنة في اطار تلك الفلسفة: اولا: محورية الاسلام تشكل العقيدة الإسلامية ومبادئها المرجعية الأولى والوحيدة في الأمور السياسية في المملكة العربية السعودية، وهذا ما اتضح في صياغة النظام الأساسي للمملكة الصادر في مارس 1993، حيث ينص على أن المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة ودينها الإسلام ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولغتها العربية، ويستمد الحكم في المملكة سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة، ويقوم الحكم فيها على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية. ثانيا: التدرجية والتخطيط التدرج في التغيير يعكسه موقف القيادات السعودية ونهجها في التحول السياسي، وفي هذا الصدد يرى الأمير عبدالله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي ورئيس الحرس الوطني السعودي أن «الأمور تحتاج في تغييرها وتطويرها إلى بعض الوقت». ومن أهم التطبيقات التي تثبت رسوخ قاعدة التدرجية في الممارسة السياسية قضية الشورى، فهي ليست وليدة اليوم في المملكة العربية السعودية، بل هي معروفة منذ عهد المؤسس «الملك عبد العزيز آل سعود»، إلا أنها تطورت وتبلورت واتسقت مع حاجات المجتمع السعودي المتجددة عاماً بعد عام، وهذا دليل على ثبات الغايات وتجدد الوسائل وفقًا للقاعدة الفقهية التي تنص على أن إثبات الغاية لا يقتضي ثبات الوسيلة. ثالثا: الموازنة بين الموروث والمكتسب تعبر مواقف القيادة السعودية عن توجهات المرحلة المقبلة، وعما يراد لصورة المجتمع السعودي في أن تكون عليه في الأعوام المقبلة، خصوصًا أنه مجتمع فاعل ومنتج يصطدم عادة في صراع بين الموروث والتغير. ففيما يتعلق بظاهرة العولمة مثلاً، فإن المملكة ترفض كل ما هو ضار بقيم وتقاليد المجتمع السعودي، وفي الوقت نفسه فهي تقبل بكل ما هو مفيد لتطوير وتحسين الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فالعولمة تهدف إلى إزالة الحواجز الثقافية وتذويب الفوارق بين المجتمعات الإنسانية المختلفة، وهي بهذا المعنى تتطلب إيجاد آليات للاستفادة منها مع الحفاظ على الهوية الثقافية. وفي الوقت نفسه تتضمن فلسفة التعامل مع العولمة الاستفادة من الجوانب الإيجابية لها والإمكانات التي توفرها، وفي مقدمتها العلم والثقافة والكفاءة، انطلاقًا من أن العولمة ليست خيارًا يمكن تجنبه أو إلغاؤه، وعلى الرغم من سلبياتها فإن المطلوب هو إدارة سليمة وعادلة للعولمة والسعي لتوظيفها بفاعلية وصياغة برنامج سعودي شامل لمواجهة الأخطار الناجمة عنها حتى لا يتم الاصطدام بين الموروث والمكتسب. يمكن القول أن المملكة العربية السعودية تعايش تنمية شاملة تهدف في مجملها إلى رفع مستوى المعيشة ليتمكن المواطن في جميع أرجاء المملكة من العيش برخاء وأمن وطمأنينة، فتحققت في سبيل ذلك مجموعة من الإنجازات في شتى المجالات، وذلك في إطار الفلسفة والرؤية الاستراتيجية التي تحكم العملية التحديثية في المملكة. وقد انعكست المبادئ والقيم التي تقوم عليها خطط التنمية الخمسية «التي تعيش المملكة الحلقة السابعة منها في إطار خطة 2000-2005» في الأهداف التي تسعى هذه الخطط لتحقيقها على النحو التالي: ـ التزام الدولة وتمسكها بمبادئ الشريعة الإسلامية والحفاظ على التقاليد والقيم الثقافية والأخلاقية المرتبطة بها. ـ المحافظة على الأمن الوطني والاستقرار. ـ إحداث نمو اقتصادي واجتماعي يلبي حاجات المواطنين ويعود عليهم بالنفع. ـ العمل الجاد والمدروس لتلافي أي إفرازات أو سلبيات قد تنجم عن تداعيات النمو المضطرد والسريع. ـ تنمية المناطق المختلفة في المملكة على نحو متوازن، وتطوير بيئاتها وتأهيل مواردها، لتعتمد على ذاتها في تحديث بيئاتها المحلية، وهياكلها الإدارية والتنفيذية ومؤسساتها الإنتاجية والخدمية. ـ دعم القطاع الخاص لتطوير نفسه حتى يصبح قادرًا على الإسهام في الناتج القومي، وكذلك اعطائه مساحة ملائمة من الحرية لينمو ويشارك في تفاعلات الاقتصاد الوطني مع الاستفادة من الكفاءات الوطنية والعمالة المحلية. ـ تنويع القاعدة الاقتصادية. ـ دعم الجامعات ومراكز الأبحاث والتوسع في التعليم بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل في المملكة. مظاهر التغيير تجلت نتائج الاتجاه نحو التحديث والتنمية السياسية في المملكة ابتداءً من تسعينيات القرن العشرين في عدد من الخطوات اعتبرت نقلة نوعية على طريق الإصلاح السياسي في المملكة بهدف إرساء قواعد الدولة الحديثة وتكوين الهيكل الإداري والسياسي للمملكة عبر خطوات مدروسة تستوعب أبعاد التطور اللازم لبناء الدولة الذي يتطلب أخذ القرارات المناسبة في التوقيت المناسب وبالأسلوب المناسب. وفي هذا الإطار أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز في 27/8/1412هـ «أول مارس 1993» ثلاثة أنظمة شكلت خطوة متقدمة في التفكير السياسي والتنظيمي للمملكة، وهذه الأنظمة هي: ـ النظام الأساسي للحكم وهو مجموعة من القواعد العامة التي تبين شكل الدولة والحكومة، وتكوين السلطات والعلاقات بينها، وكذلك القواعد التي توضح طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة والأسس التي تستند عليها، ويتكون النظام من تسعة أبواب وثلاثة وثمانين مادة، تقرر بجانب أمور كثيرة حرمة الأموال العامة وتنص على حماية الدولة لحقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية ووضع ضوابط على نشاط الجمعيات الخيرية. ـ النظام الأساسي لمجلس الشورى الجديد وقد صدرت اللوائح الداخلية والقواعد المنظمة لعمل مجلس الشورى بعد فترة وجيزة من قرار إنشائه، وذلك بالأمر الملكي رقم أ بتاريخ 15/3/1414 وتضمنت اللوائح 62مادة في ستة أبواب تشمل كل ما يتعلق بعمل المجلس وحقوق والتزامات ومسئوليات أعضائه. وقد تكون المجلس من رئيس و60عضوًا، أضيف إليهم 30عضوًا بتاريخ «3/1418هـ ـ 7/7/1997» بموجب الأمر الملكي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين، ووفقًا للنظام الأساسي للمجلس فإن مدة العضوية به 4 سنوات، وعند تشكيل المجلس مجددًا يراعى ألا يقل عدد الأعضاء الجدد عن نصف أعضاء المجلس. وقد بدأ المجلس أعماله بمقره بالرياض بعد افتتاح خادم الحرمين الشريفين له في 16/7/1414هـ 29/12/1993. ووفقًا للمادة 15 من نظام المجلس فإن اختصاصاته تتحدد ب: ـ مناقشة الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وإبداء الرأي بشأنها. ـ دراسة الأنظمة واللوائح والمعاهدات والاتفاقيات الدولية والامتيازات واقتراح ما يراه بشأنها. ـ تفسير الأنظمة ـ مناقشة التقارير السنوية التي تقدمها الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى واقتراح ما يراه حيالها. ورغم قصر عمر مجلس الشورى السعودي فإنه يمكن القول أن ما حققه من منجزات متتالية في دراسة الأنظمة والاتفاقيات، وما أنجزه في مجال اختصاصه وما أبداه من رأي ومشورة قد هيأت الساحة السياسية السعودية لاتخاذ قرارات أفادت الوطن والمواطنين. كما يلاحظ ان القيادة السياسية في السعودية تحرص على تطوير تجربة الشورى السعودية بمرور الزمن بما يتلاءم مع المعطيات الجديدة التي يفرزها الواقع في ظل هذه التجربة، ويشيرون في هذا الإطار إلى تعديل المادة الثالثة من نظام المجلس لتتم زيادة عدد أعضاء المجلس من90 إلى 120 عضوًا بناء على أوامر ملكية في مايو 2001. ويمكن القول أن تجربة زيادة عدد أعضاء مجلس الشورى السعودي تحمل في طياتها الكثير من الإيجابيات المتمثلة في رغبة القيادة السعودية الاستفادة من الكفاءات المؤهلة في جميع التخصصات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية وغيرها، إلى جانب الرغبة في توسيع المشاركة في إطار لجان المجلس وإفساح المجال لمزيد من شرائح المجتمع لإثراء خبرات المجلس.