كان صلاح شحادة مطلوباً منذ زمن طويل للإسرائيليين، حين تقدموا عبر الوسيط الأميركي الجنرال زيني بقائمة الـ 110 قنبلة موقوتة طالبين اعتقالهم، على الفور كان شحادة على رأس القائمة، وحين تحدث شيمون بيريز مع ياسر عرفات قال له: لو إعتقلت عشرة كمرحلة أولى، يمكن تسليك الأمور شريطة أن يكونوا أسماء بارزة مثل صلاح شحادة. وحين أبلغهم ياسر عرفات، ذات يوم، أن الأمن الفلسطيني لم يعثر على شحادة، قالوا له: أوكل المهمة لرشيد أبو شباك نائب رئيس الأمن الوقائي في حينه «ورئيس الأمن الوقائي حالياً» فهو صديق صلاح شحادة وهو الذي أخرجه من السجون الإسرائيلية، بعد أوسلو. لكن السلطة لم تعتقل شحادة وهي بالطبع قادرة على ذلك. وفي الأسابيع الأخيرة إزداد الضغط على السلطة للتصرف في غزة، إذا كانت غير قادرة على العمل في الضفة الغربية، بسبب ظروف الإحتلال، والمشروعات المقدمة من أطراف عديدة تتحدث عن «نموذج غزة أولاً». يقولون: «غزة وأريحا» ولكن أريحا هادئة تماماً والإسرائيليون ليسوا معنيين بإحداث توتر على الحدود مع الأردن، تماماً كما كان الحذر من توتر على الحدود مع مصر، أحد أسباب إلغاء عملية إقتحام غزة، كان واضحاً أن الإسرائيليين سيقومون بإغتيالات في غزة وأن شحادة المطلوب رقم 1. لو إعتقلته السلطة الفلسطينية، على الأقل لحمايته، لقامت قيامة المتشددين الفلسطينيين، تماماً كما يطالبون السلطة بإطلاق سراح أحمد سعادات، إذ سيتم إغتياله على الفور حيث تقف الدبابات الإسرائيلية خلف «المقاطعة» في أريحا وتستطيع الدبابات والأباتشي التحرك خلال دقائق. لو كان الأمر بيدي لأطلقت سراحه وليْحصدوا النتائج أمام كوادرهم وأمام شعبهم. كانت القوى السياسية الفلسطينية على أبواب قرار بوقف عمليات قتل المدنيين بمن في ذلك حماس والجهاد الذين علموا بتهديد واشنطن، طبقاً لسيناريو يتم فيه دخول الجيش الإسرائيلي غزة وإعتقال قادتهم ثم إرسالهم لمحكمة الجنايات الدولية بتهمة قتل المدنيين. كان القرار سيصدر في الصحف الفلسطينية والإسرائيلية وفي صحف دولية، والمفارقة أن جزءاً من إجتماعات صياغة البيان قد تّمت في مدينة جنين، حيث المعقل السابق لحماس والجهاد. الجميع قالوا إن المصلحة الوطنية الفلسطينية تتطلب هذا القرار من أجل تخفيف المعاناة عن الشعب وإزالة كابوس الإحتلال عن المدن والقرى وفرض حظر التجول وكافة أشكال العذاب التي تجاوزت كل ما هو معقول، وكذلك لإفساح المجال أمام الجهود السياسية التي تعاظمت في الفترة الأخيرة، ومن أجل جرّ شارون لطاولة مفاوضات سياسية لا يرغب في أن يكون له مقعد حولها. ومن المفروض أن يبقى هذا التحليل صحيحاً قبل إغتيال صلاح شحادة وبعد إغتياله. حين ساد الهدوء بعد قرار السلطة وقف إطلاق النار من جانب واحد، ذات يوم لأكثر من ثلاثة أسابيع، قام شارون بإعطاء تعليمات إغتيال رائد الكرمي قائد فتح في طولكرم، وقلنا جميعاً إن شارون لا يريد أن ينفتح باب تطبيق توصيات لجنة ميتشيل بما تنصّ عليه بوضوح من وقف كامل للإستيطان بما في ذلك النمو الطبيعي. قام بإغتيال الكرمي لنقوم بالرد وينتهي الهدوء ويتهرب من الإستحقاق، وقد فعلنا ما أراد بالضبط ونفذنا أهدافه كاملة ،بدلاً من التعالي فوق الجراح وإفشال خطته، كما فعلوا هم حين إمتنعوا عن الرد على صواريخ سكود العراقية لإفشال هدفها وهو تحطيم التحالف العربي الدولي ضد غزو صدام حسين للكويت. كانوا يستطيعون الرد بقوة نووية إذا تطلب الأمر، وطالبهم الجمهور بذلك. لو فعلوا لحققوا أهداف صدام حسين، ولهذا تلقوا الصواريخ الثلاثين بهدوء ولم يردوا. واليوم فإن العالم يقف ضد مجزرة غزة ومن المنطقي ترك هذه التفاعلات الدولية تصل الذروة لإدانة إسرائيل. مكتب خبراء الإعلام في واشنطن المتعاقد مع مكتب شارون ينصحهم في العادة بعدم الرد على أية عملية قتل مدنيين لمدة أربع وعشرين ساعة حتى تأخذ صور أشلاء الضحايا مكاناً في كل فضائيات العالم. الإنتقام ليس سياسة وخاصة إذا كان يحقق هدف الخصم، والتعالي على الجراح قوة وخاصة إذا كان يبطل هدف الخصم.