في ذكرى خمسين عاما على ثورة يوليو التي قادها مجموعة من الضباط يثار السؤال من جديد: «هل من مكان للجيوش لتلعب في الساحة السياسية وتقود الأنظمة وتمارس التغيير»؟ وقد عرفنا الجيوش دائما كذراع قوة يحمي الأنظمة، ولكن وفي منتصف القرن وفي الكثير من البلاد العربية وبلاد العالم الثالث باتت مهمة الجيوش هي الإطاحة بالأنظمة وإعادة تشكيل السياسات. في تلك الحقبة حدث الكثير من الإنقلابات والتي تحول بعضها مثلما هو الحال بالنسبة لحركة الضباط الأحرار في مصر إلى ثورة شاملة، كما بقى البعض مجرد إنقلاب تغيرت فيه الوجوه ولم تتغير السياسات. في التجربة المصرية، والتي انعكست على الكثير من حركات الجيوش الأخرى، كان التغيير جذريا، فالبداية أوضاع متردية عجزت النظم الديمقراطية والحزبية عن أن تواجهها، ومن ثم بات التغيير بالقوة وخارج إطار الشرعية القائمة.. ضروريا وملحا. جرى إتهام ثورة يوليو بالفاشية، لكن الثورة ما لبثت أن اكتسبت شرعيتها من إنجازات هائلة على المستوى الداخلي والخارجي. سألتني إحدى الفضائيات: «لقد ذهب عبد الناصر إلى مؤتمر باندونج عام «55» وكان نجم المؤتمر رغم أنه لم تمض عليه غير فترة وجيزة في الحكم.. فما تفسير ذلك ؟.. وقلت: إنه عمق التغيير وسرعته فمن كان يتصور وخلال «36» شهرا أعقبت الثورة أن يتم الإطاحة بالملكية، والإقطاع وبالاحتلال في وقت واحد؟ وقد استمعت إلى عضو مجلس الثورة خالد محيي الدين وهو يروي ذكرياته فيقول تمسكت بالديمقراطية وعودة الأحزاب عام «1954» وتصورت أن الشارع المصري كله سوف يسير من خلفي، لكن الناس آثرت الإنجازات ولم تتمسك بعودة الأوضاع الديمقراطية. وبصرف النظر عن جدل حول قضية الديمقراطية والثورة فإن الثابت هنا أن سيطرة الجيش على السلطة ودخوله إلى حلبة السياسة قد أعطى العمل الوطني والقومي دفعة هائلة. وقد انتقل العمل الثوري من الداخل «حيث الفساد والتخلف والفقر والاقطاع والاحتلال» إلى الخارج حيث الهيمنة الاستعمارية على المنطقة العربية وحيث السيطرة على مقادير العالم الثالث.. وقد استطاع ناصر أن يستنهض أفضل ما في الأمة العربية فتوالت حركات التغيير سواء في مواجهة الاستعمار والهيمنة أو في مواجهة أوضاع متخلفة ومتردية في الداخل كما كان الحال في اليمن. كان للثورة إذن إشعاعها، وكان لقيادة العسكريين وهم من طلائع الحركة الوطنية الدور الكبير في ذلك والذي استطاع أن يحتضن المد الشعبي لا أن يتصادم معه. وربما يكون للعسكرية مساتها التي تؤثر على الأداء السياسي، فهي تميل عادة إلى الحسم، ولا تعرف غير الإنجاز المادي والإنضباط وقد يغريها غرور القوة ولكن يهذبها وعي القادة والتفاف الجماهير. وفي التجربة المصرية، وربما في تجارب أخرى كانت سرعة الإنجاز وجسارة المواقف كافية لتلبية طموحات شعبية واسعة. لقد نجح فيلم ناصر «56» ولقي تجاوبا جماهيريا واسعا، ذلك أنه وبعد أربعين عاما أو يزيد من الحدث كان يجسد لحظة كرامة وقفت فيها الأمة ضد الهيمنة الغربية وضد قوات بريطانية فرنسية ـ اسرائيلية. وجرى حصر عدد الطلاب في مصر هذا العام فإذا بهم وبفضل مجانية التعليم التي أتاحتها الثورة يتساوون في عددهم تقريبا مع تعداد شعب مصر عام «52». وجرى النظر للسد العالي الذي خاضت الثورة معركته فإذا به يقدم وفي أول أعوامه «40» بالمئة من الكهرباء اللازمة لتصنيع مصر وإنارة كل قراها. ثم جرى النظر للبعد القومي، وكيف أنه لا يخبو رغم كل الضربات التي وجهها الاستعمار ووجهتها قوى اقليمية مختلفة. وكان ذلك كله بسبب ثورة يوليو وتحرك «90» ضابطا في ليلة «23» يوليو 1952. السؤال: هل يتجدد هذا الدور؟ السيل لم ينقطع رغم ما يقال فهناك «13» دولة من دول افريقيا جنوب الصحراء قد شهدت تدخل الجيوش في السياسة منذ عام 1989. والجيوش تتحرك عندما تفشل الديمقراطية، وعندما تسوء الأوضاع. فماذا يخبئ القدر في دولنا العربية؟ الله أعلم، فالنار تحت الرماد لكننا لا نعرف أن كان الرماد كثيفا يطفئ النيران أم أنه هش تذروه الرياح.