الاتفاق الذى تم بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في مشاكوس في كينيا حرك المياه الراكدة وفرض على كل اطراف النزاع التحرك ومراجعة مواقفها السابقة والتفاعل مع الحدث بأسلوب جديد ومختلف بعد ان تمكنت الولايات المتحدة ، من خلط الاوراق لاعادة ترتيبها وفقا لاستراتيجيتها الكونية وتحديد المسارات لاطراف النزاع والوسطاء، المبادرة المصرية الليبية تمت تصفيتها لصالح الايغاد المعدلة بقيادة كينيا والاشراف المباشر لدول الترويكا الولايات المتحدة بريطانيا النرويج. الاتفاق مع الاختلاف في تفسيره ودوافعه نقطة تحول مهمة في تاريخنا الحديث فالحرب لم تعد الوسيلة المناسبة لحسم القضايا المختلف عليها في المجتمعات المعاصرة خاصة ونحن في عصر اهم ما يميزه انحسار الفكر الاحادى وتمدد القيم الديمقراطية بعد ان اصبح لها ولحقوق الانسان بعدا عالميا، لكل هذه الاسباب هناك اجماع سودانى على ايقاف الحرب الاهلية بمخاطبة اسبابها خاصة ونحن في بلد لم تكتمل فيه حلقات التكوين القومي، ففى الحقبة الاستعمارية عمقت الادارة البريطانية الفجوة بين الشمال والجنوب باتباعها اسلوب الادارة على التوازى وفرض قوانين لعزل بعض المناطق منها الجنوب (قانون المناطق المقفولة) لمنع التواصل والتفاعل بين الشمال والجنوب املا في فصل الاخير وضمه لدول شرق افريقيا. وفي كل العهود الوطنية عجزت النخب السياسية عن ايجاد صيغة مناسبة لحكم البلاد صيغة متوازنة ومقبولة تزيد من عوامل الجذب نحو الداخل وتحقق الاستقرار والتنمية المتوازنة الامر الذى ادى الى الاحتقان الاجتماعى واندلاع الحرب الاهلية في الجنوب، في يونيو 1989 وصل النظام الحالى للحكم وسعى بتمسكه بالواحدية الثقافية الى تعميق الازمة السودانية التى اضاف اليها ابعادا جديدة اخطرها البعد الدينى علما بان للحرب اسبابا معروفة ومعترف بها والظاهرة موجودة في كل البلاد الافريقية لتخلفها السياسي والاجتماعي فهي ليست حرباً دينية. الاعتراف بها ومخاطبة اسبابها هي الوسيلة الوحيدة لمعالجتها. لذلك نرى ان ما تم في مشاكوس خطوة يجب ان تتبعها خطوات لحل كل القضايا جذريا وبمشاركة واسعة من كل ابناء السودان. تحدثت الاتفاقية عن رغبة طرفي النزاع في حل عادل يحقق الاستقرار ويخاطب اسباب النزاع باسلوب جديد وموضوعي فيه اعتراف بالمظالم التاريخية وبعدم المساواة في التنمية بين اقاليم السودان المختلفة وفي هذا تشخيص للقضية واعتراف بفشل الانظمة الشمولية وعجزها عن فرض ارادتها ووصايتها على الناس وعن تحقيق الاستقرار والتنمية. في السودان في السنوات الاخيرة تغيرت معالم الحياة بعد ان اتسعت دائرة الفقر وفقدان المواطن لابسط مقومات الحياة وحرمانه من حقوقه الاساسية فالحرب والتمكين والاستقطاب بنود مفتوحة اكلت كل الموارد وتم الصرف عليها على حساب التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والنتيجة استمرار الحرب وتمددها لمناطق جديدة بعد ان فشلت سياسة السلام من الداخل ومحاولات تفتيت الاحزاب السياسية بهدف خلق مجموعات مستأنسة يتم استقطابها واعادة تكوينها وادخالها في مدارات محسوبة في تعددية مقيدة ومحكومة بآليات الدولة. سلبيات الاتفاق: للاتفاق سلبيات وايجابيات تحتاج ولمصلحة البلاد العليا وتقديرا لخطورة الازمة السودانية التعامل معها بعقلانية وموضوعية، بمعنى ان القبول المطلق او الرفض المطلق فيه تعقيد للازمة وقفل باب واجب كل القوى السياسية استثماره خدمة لمصالح البلاد العيا. عدد الناس السلبيات وتحدثوا على ان ما اتفق عليه اجمالا لم تتاح للمواطنين الفرصة لمعرفة تفاصيله، التعتيم المتعمد وطرح المباديء العامة في جمل فضفاضة (حماله اوجه) زاد من ضبابية الموقف، واتاح لطرفي النزاع فرصة الاختلاف في قضايا اساسية ففى المؤتمر الصحفي الذى عقد بالمطار عند عودة الوفد المفاوض نفي الجانب الحكومي قبول ما طرحته الحركة الشعبية (الكنفدرالية) وما جاء في مذكرة ابيل الير ومشروع مركز الدراسات الاستراتيجية بواشنطن (دولة بنظامين). بالرغم من اعتراف الطرفين بنظام للحكم اقرب الى ما طرحته الحركة الشعبية 1993 وتحدثت فيه عن قيام حكومتين (دولة بنظامين) في الشمال والجنوب لكل واحدة منها جيشها ودستورها على ان تتولى التنسيق حكومة مركزية لها صلاحيات محدودة. رغم كل هذا تحدث الوفد الحكومى عن انتصارات وعن تثبيت الشريعة كمصدر من مصادر التشريع في الشمال وعلى المستوى القومي وعن تخلى الحركة عن الكنفدرالية. لدينق الور تفسير مختلف وان اتفق مع الوفد الحكومى في بعض جوانب الاتفاق (قيام كيان في الجنوب واخر في الشمال) ولكنه يتحدث بوضوح عن الغاء دستور 1998 وكتابة دستور جديد علمانى يتم بموجبه فصل الدين عن الدولة على المستوى القومي مع الاعتراف بالشريعة كمصدر من مصادر التشريع على المستوى الاقليمي في الشمال فقط. في رده على ما جاء في حديث دينق الور قال دكتور غازى صلاح الدين لقد تم الاتفاق على تشريع اتحادى (قومى) يضمن الشريعة ولكنه لايمس حقوق الجنوبيين ويزيل عنهم الغبن وهو ما فسره لاحقا سيد الخطيب الناطق الرسمي باسم الوفد بانه يعني التطبيق الشخصى وليس الجغرافي للشريعة الاسلامية في الشمال. لمعالجة سلبيات الاتفاق يجب ان نعترف بوجود الضغوط الخارجية وبقدرة اطراف غير سودانية على التأثير في اي اتفاق على الاقل في المستقبل المنظور وهو نتيجة طبيعية لعجزنا كسودانيين ولتفكك القوى السياسية وغياب المشروع الوطني، لملء الفراغ تصاعد دور الوسطاء خاصة الولايات المتحدة الاميركية بصورة ان لم تتداركها كل القوى الوطنية سوف تحكمنا وتتحكم فينا ارادة الغير ونحن نتغنى بمحاسن ومفاتن ما انجز وان حمل بين طياته بذور فنائه. الدكتور عبد الوهاب الافندى مع خلفيته الاسلامية يرى في الاتفاق نهاية لاحتكار مجموعة الانقاذ للسلطة فهي نظرة فئة صغيرة يتناقص حجمها وسندها الشعبى كل يوم ان لم يكن كل ساعة وهذا ما يضيق خياراتها ويدفعها الى طريق مسدود نهايته قريبة ولعله لا يزال هناك وقت قصير لانقاذ الموقف عبر اعلان حكومة وحدة وطنية تقوم على قاعدة تحالف عريض من القوى الشمالية والجنوبية وعلى اساس مشاركة حقيقية في السلطة لكافة الاطراف خلافا لنهج المشاركة الوهمية التي درجت الحكومة على تبنيه حتى الان. القضايا المطروحة اساسية وتحتاج معالجتها لاجماع قومى ومشاركة واسعة بعد ان ثبت بالتجربة فشل الحلول الجزئية والثنائية ومحاولة الفصل بين السلام والتحول الديمقراطي، تجزئة القضية وفرض واقع جديد طرفاه فقط الحكومة والحركة الشعبية فيه تعطيل متعمد للحل الشامل لمجمل قضايا الوطن وابعاد لاهم الضمانات (الاجماع الوطني) والمشروع الوطني الحديث عن آلية دولية للمراقبة ومتابعة التنفيذ جزء من الحل وليس كل الحل. لذلك يجب ان تعترف كل الاطراف بان ما تم في كينيا يشكل اطارا عاما يمكن تطويره ليستوعب كل الاطراف والقضايا وفقا للاسس الآتية: 1- توسيع قاعدة المشاركين في الحوار في المرحلة المقبلة التجمع الوطني حزب الامة، الخطوة القادمة تحتاج لبلورة رأى عام مسنود باجماع شعبى حول القضايا الاساسية الحريات العامة الديمقراطية عدالة توزيع الثروة المشاركة في السلطة عبر مؤسسات الحكم اللامركزي والقومي. 2- الايغاد المعدل وابراز الدور الكيني على اهميته عمق الاعتقاد بان هناك اتجاهاً لعزل السودان من اشقائه في الشرق الاوسط تقوده الولايات المتحدة وشركاء الايغاد ما تم في نيروبي اعلان لتصفية المشتركة (المبادرة المصرية الليبية) بابعاد ليبيا وتهميش الدور المصري فهو في الايغاد المعدلة مجرد تابع للدور الكيني، لتفادي ما قد يترتب على هذا الموقف من استقطاب ضار على دول الايغاد وشركائها اشراك جيران السودان لتكتمل الدائرة وليتحقق الاجماع الاقليمي المكمل للاجماع الوطني. 3- الاعتراف بالتعددية السياسية والدينية والاثنية والثقافية تستوجب كتابة دستور جديد تتجسد فيه كل هذه المعانى ليعبر بصدق عن خصوصية البلاد وتطلعات شعبها. 4- اعادة بناء مؤسسات الدولة في الفترة الانتقالية لضمان قوميتها وكفاءتها والعدالة في تكوينها وفي تعاملها مع المواطنين دون تميز. 5- الاهتمام الدولي بوقف الحرب لا يعنى الفصل بين السلام والتحول الديمقراطي الربط بينهما والاتفاق على تحقيقهما اصبح من المسلمات التى لا تقبل الجدل حولها. 6- الاتفاق على سياسة خارجية متوازنة تخدم مصالح البلاد العليا وتزيد من فرص التكامل مع جيران السودان حفاظا على استقراره ووحدة ترابه وشعبه.