بيان الاربعاء: قامت «الاونروا» وعلى مدار سنين طويلة بتأسيس بنية تحتية لابمكن الاستهانة بها في الدول المضيفة إضافة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة في الوقت الذي تعمد «الاونروا» على تشغيل 22.000 معظمهم من اللاجئين الفلسطينيين، علما بان هناك انخفاضا في عدد موظفيها الدوليين وخصوصا خلال السنوات العشر الماضية وذلك بحسب قول الوكالة ذاتها للقيود المفروضة على الميزانية. ومن المعروف أن الخدمات التي تقدمها الوكالة للاجئين في غاية الاهمية للمحافظة على المستوى الأساسي لمعيشتهم الانسانية، رغم عوزهم للعديد الاحتياجات غير المتوفرة اصلا وذلك لقلة ذات يد «الاونروا». وفي الوقت الذي يعتمد فيه مجتمع اللاجئين على خدمات الوكالة سيؤدي غيابها بصورة من الصور أو التراجع في مستوى خدماتها المقدمة إلى كارثة محققة لهذا المجتمع. ولكن من هم المستفيدون من خدمات «الاونروا»؟ ومن هو اللاجئ الفلسطيني؟ وهل تقدم «الاونروا» خدماتها لكل اللاجئين الفلسطينيين؟. وفي البحث في اوراق «الاونروا» الرسمية يظهر أنها لا تنظر إلى كل من اخرج من فلسطين غصبا لاجئاً. فلاجئو عام 1948 وأبناؤهم ـ بحسبها ـ بفئتين: المسجلون لدى «الاونروا» وغير المسجلين. وهناك نازحون داخل إسرائيل، وكذلك هناك نازحون نتيجة حرب 1967. لكن «الاونروا» تغطي اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في مناطق عملياتها الخمس وهي الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان والأردن وسوريا والبالغ عددهم 3.8 ملايين لاجيء حسب أرقام عام 2001، ومن المتوقع أن يصل عددهم إلى أربعة ملايين لاجئ بنهاية هذا العام. علما بأن تصريحات مسئولي «الاونروا» تعترف بانها لا تعرف عدد الفلسطينيين الذين تنطبق عليهم الشروط للتسجيل كلاجئين في «الاونروا»، فهؤلاء لسبب أو لآخر غير مسجلين في «الاونروا» ولا يعرف عنهم شيئاً، وبحسب التقديرات فانه قد يصل عدد هؤلاء إلى مليونين. ومن المنتظر أن يتم الاعتماد على هذه الارقام التي عليها أن تكون دقيقة سواء كان اللاجئ مسجلاً في الوكالة ام لا كقاعدة عند وصول الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للحديث حول تقدير من لديهم حق العودة ولو بعد حين. وحتى الآن تفرض الوكالة تعتيما على ما لديها من معلومات وسجلات وترفض طرحها للاطلاع العام خاصة وإنها سجلات حساسة للغاية لدى بعض الدول العربية المضيفة للاجئين الفلسطينيين. وتعرّف «الاونروا» اللاجئ الفلسطيني الذي يجوز له تلقي خدماتها بأنه الشخص الذي كان يقيم في فلسطين خلال الفترة من 1 يونيو 1946 حتى 15 مايو 1948 والذي فقد بيته ومورد رزقه نتيجة حرب 1948. أي أن اللاجئين الفلسطينيين الذين يحق لهم تلقي المساعدات من «الاونروا» هم الذين ينطبق عليهم التعريف أعلاه إضافة إلى أبنائهم، مع التشديد على انه فعلا فقد بيته ومورد رزقه نتيجة تلك الحرب. وفي هذا الصدد فانه يجب الاشارة إلى أن تعريف وكالة «الاونروا» معني اصلا بالفلسطيني الذي يمكن له أن يتلقى مساعداتها وخدماتها أما فيما يتعلق بموضوع العودة إلى الديار والتعويض المنصوص عليها في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الصادر في ديسمبر 1948 فإن عبارة «اللاجئ الفلسطيني» تستخدم بمفهوم أوسع من تعريف «الاونروا» للاجئ الفلسطيني، حيث أن «الاونروا» وضعت ذلك التعريف لغايات تحديد الفئة المنتفعة من خدماتها ليس إلا وذلك بحسب وثائق ««الاونروا»» نفسها. وفي مايو 1951 تسلمت «الاونروا» قائمة بأسماء 950.000 شخص من المنظمات الدولية الأخرى التي كانت تتولى شئون اللاجئين الفلسطينيين قبل تأسيس «الاونروا»، حيث عمدت الوكالة خلال الأشهر الأربعة الأولى من بدء عملياتها إلى تقليص عدد اللاجئين المذكورين في القائمة ليصبح 860.000 لاجئ وذلك بعد القيام بعمليات إحصائية وتدقيق في السجلات لشطب أسماء من لا يحق لهم الانتفاع من خدمات الوكالة وأسماء من سبق تسجيلهم بطريقة غير شرعية. ويبلغ عدد لاجئي عام 1948 المسجلين مع أبنائهم حوالي 3.8 ملايين لاجئ يقيمون في الضفة الغربية وغزة والأردن ولبنان وسوريا. وهذه هي فئة اللاجئين المشمولين بخدمات «الاونروا». ويزيد عدد من يحق له تلقي خدمات «الاونروا» من اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لديها في مناطق عملياتها وهي الأردن ولبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة عن 8.3 ملايين لاجيء. وبحسب سجلات «الاونروا» ووثائقها فان هناك الكثير من اللاجئين الفلسطينيين ممن لجأوا عام 1948، لا تشملهم خدمات المنظمة الدولية إما لانهم لم غير مسجلين لدى «الاونروا» أو انهم غير مستحقين للخدمة أو أنهم يقيمون خارج مناطق العمليات الاربع. وبحسب ما تظهره ارقام ««الاونروا»» فإن عدد سكان الشعب الفلسطيني في فلسطين والشتات في بداية عام 1998 كان «7788185» نسمة يعيش «54%» منهم خارج حدود الوطن، مشتتين في مناطق مختلفة دول العالم، إلا أن النسبة الأكبر منهم تعيش حول الوطن فلسطين «الأردن وسوريا ولبنان» ويعيش النسبة الاكبر من هؤلاء في المملكة الأردنية الهاشمية حيث يستطيع ومنذ احتلال إسرائيل لاراضي 1967 أن يدخل العديد منهم إلى جزء من وطنهم الضفة الغربية والقطاع، ولكن وفق موافقة أمنية إسرائيلية حتى في المناطق التي تخضع للسلطة الفلسطينية. مكانة اللاجئين الدولية و«السلطوية» لم يشر أي من قراري مجلس الأمن 242 و 338، وهما مرجعية مفاوضات السلام، إلى قضية اللاجئين سوى المطالبة بحلها حلاً عادلاً دون الإشارة إلى ماهية الحل المفترض وتركها بيد الاطراف المعنية. ولكن قبل استعراض الارتكازات التي تم بناؤها في الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية والاردنية الإسرائيلية يجب أن نستعرض في البداية القرارات الدولية التي احاطت بموضوع اللاجئين وكيف نظرت هذه القرارات اليهم وما هي الالية التي نصحت بتنفيذها لمعالجة مشكلتهم المستعصية. أثناء الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1948 لم تقل دول عربية للفلسطينيين: اذهبوا انتم وربكم فقاتلوا انا ها هنا لقاعدون بل قالوا: لا عليكم سنحارب عنكم وليس معكم فهناك فرق كبير في ذلك، خصوصا وان هذا الفرق له علاقة برد العرب للطلب الفلسطيني في حينه اننا بحاجة إلى اسلحة وكانت الكفة العسكرية مع العرب ولكن.. جرى ما جرى، رغم أن الفلسطينيين كانوا قد اقاموا الاعراس فالجيوش العربية قادمة. ولكن ما جرى بعد ذلك.. فقد قامت دولة إسرائيل وبات هناك شريحة ضخمة من الفلسطينيين يعرفون باللاجئين الفلسطينيين، فأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة وبتاريخ الحادي عشر من «ديسمبر 1948» القرار 194، أنشأت بموجبه لجنة للتوفيق تابعة للأمم المتحدة أوفدتها إلى فلسطين. وجاء في القرار 194 الذي يعتبر المرجع الأساس عربياً لحل مشكلة اللاجئين بالإضافة إلى قرار رقم 237، فقرة «11» إحدى عشرة منه بعد أن بحثت الحالة في فلسطين، وهذا نصها: ـ تقرر وجوب السماح في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر عندما يكون من الواجب وفقاً لمبادئ القانون الدولي والإنصاف أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسئولة. وتصدر تعليماتها إلى لجنة التوفيق بتسهيل إعادة اللاجئين وتوطينهم من جديد وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي وكذلك دفع التعويضات وبالمحافظة على الاتصال الوثيق بمدير إغاثة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين ومن خلاله بالهيئات والوكالات المتخصصة المناسبة في منظمة الأمم المتحدة». فقرار حق العودة إذا لمن يرغب من اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنه والعيش مع جيرانهم بسلام وعلى لجنة التوفيق تسهيل إعادتهم وتوطينهم من جديد وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي. أما الذين لا يرغبون في العودة فيجري تعويضهم عن ممتلكاتهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسئولة وفي كلمة «المسئولة» لغم كبير فالفهم الإسرائيلي يقول نحن لسنا المسئولين عن مشكلة هؤلاء. ومعروف أن هذا القرار لم يطبق نظراً لأن إسرائيل رفضته، وما زال هذا الحق يتكرر تأكيده في الدورات المتعاقبة للجمعية العامة في كل سنة منذ صدوره في عام 1948 ولكن دون جدوى. وعلى أثر الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 احتلت إسرائيل بقية فلسطين.. أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، بالإضافة إلى الجولان السورية وسيناء المصرية، وكعادة مجلس الأمن اصدر قراره المشهور رقم 242 بتاريخ 22 «نوفمبر1967» حول إقرار مبادئ سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. أكد على الحاجة لضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية في المنطقة، وتحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين، وضمان حرمة الأراضي والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة عن طريق إجراءات من بينها إقامة مناطق مجردة من السلاح. ورغم أن القرار رقم 242 اعترف أن أحد شروط تحقيق مبادئ سلام دائم وعادل في الشرق الأوسط هو تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين إلا انه دفع بمشكلة هؤلاء إلى متاهات أكثر غموضاً بالنسبة للفلسطينيين، والعرب. فقد اعتمد القرار على قوة كل طرف مفاوض وقدرته على تحقيق مطالبه وشروطه. بالإضافة إلى تعامله ـ أي القرار ـ مع العموميات بحيث انه لم يوضح معنى أو كيفية تحقيق التسوية العادلة، مما يعني أن هذا الحل يعتمد على المفاوضات بين الأطراف المعنية فقط، ولا علاقة له بالشرعية الدولية وقرارات حقوق الإنسان الدولية وغيرها من المسلمات الدولية، وهذا ما تعتمد عليه الولايات المتحدة الأميركية عندما تسأل عن موقفها من أي تفصيل له علاقة بالقضية الفلسطينية. ويستند الموقف الإسرائيلي الرافض لتطبيق مجموع قرارات الأمم المتحدة ومنها 194 على القول بان تنفيذ القرار غير ملزم لها لأنه صادر عن الجمعية العامة، وليس عن مجلس الأمن. وبَنَت موقفها الرافض هذا على تشويهات ومغالطات منها أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين لم تنتج جرّاء عدوان إسرائيل على الدول العربية، وإنما العكس هو الذي حصل، أي عدوان الدول العربية على الدولة اليهودية الصغيرة وأنّ اللاجئين تركوا أراضيهم بناء على نصيحة الزعماء العرب، لذلك فإن حل هذه المشكلة هي مسئولية عربية تقتضي توطينهم في الدول العربية. وهذا الادعاء ردّده شمعون بيريز في مذكراته بقوله: «إنني لأعرف مِن بن غوريون، بوصفي قريب الصلة به وبجيله من القادة، أنه لم يصدر أمراً، بصفته رئيساً للوزراء، ووزيراً للدفاع، خلال حرب الاستقلال، بطرد أي إنسان من أرضه أو داره، ولدي ما يوجب الاعتقاد أنّ قوات الدفاع الإسرائيلية لم تكن لديها إستراتيجية طرد، وما حصل إنما نتيجة عشوائية غير مخططة للظروف المأساوية للحرب، وسط نداءات من القادة العرب تدعو السكان للخروج». لاجئون ومهاجرون وتعتبر إسرائيل أيضا أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين موازية تماماً لمشكلة المهاجرين اليهود من الدول العربية، فكلاهما ترك وراءه أملاكاً وأموالاً، وأن إسرائيل استوعبت عدداً من اليهود الشرقيين يساوي العدد الذي يجب على الدول العربية أن تستوعبه من اللاجئين الفلسطينيين والمسألة كلها ليست أكثر من عملية تبادل سكان. ويعود بيريز، ويؤكد هذا الموقف في مذكراته بقوله: لقد جرى استيعاب اللاجئين اليهود القادمين من البلدان العربية في إسرائيل في الحال، كمواطنين تامين، ذوي حقوق متساوية، في حين أبقي اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات اللاجئين، ولم تمنحهم أية دولة عربية حق المواطنة، باستثناء الأردن، والسبب في ذلك حسب بيريز يعود إلى أن قادة معظم البلدان العربية اختاروا الإبقاء على مشكلة اللاجئين، في أماكن سكناهم الوقتية، وأسباب ذلك أن البلدان المعنية خشيت من القلاقل، ودخول الأفكار الثورية إلى أراضيها. كما أنها سعت إلى استخدام مشكلة اللاجئين المستديمة، كرأسمال سياسي في صراعها مع إسرائيل. ومن منطلق إنساني محض ستساهم إسرائيل، في دفع الحصة المترتبة عليها من تعويضات اللاجئين الفلسطينيين، في حال توطينهم في الدول العربية. علما بان العديد من اصوات إسرائيلية شككت في وجوب مشاركة إسرائيل في دفع أي مال لهذا التوطين وهذا ما أشار إليه المساعد السابق لمدير إدارة أراضي إسرائيل بباي شيمش عندما قال أنه لو تم حساب قيمة الأملاك التي تركها العرب في إسرائيل، وتلك التي تركها اليهود في الدول العربية سيتضح بأن الأملاك التي تركها اليهود وراءهم أكثر قيمة من تلك التي تركها العرب. الأمر الذي يترتب عليهم دفع الفرق. وهذا الموقف من القرار «194» الذي صيغ قبل نحو خمسة عقود لا يزال هو الموقف الرسمي نفسه الذي يجمع عليه زعماء إسرائيل، سواء المحسوبين على اليمين أو اليسار. وزاد التكدس على مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الحرب التي اندلعت بين العرب وإسرائيل في أكتوبر 1973، والتي دعا مجلس الامن اثناءها إلى وقف إطلاق النار بين الاطراف المتحاربة مؤكدا في تاريخ 22 «أكتوبر 1973» على قراره رقم 242 من خلال القرار رقم 338 الفقرة الثانية منه حيث دعا جميع الأطراف المعنية إلى البدء فوراً بعد وقف إطلاق النار، بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 «1967» بجميع أجزائه». ثم جاء قرار الأمم المتحدة رقم 3236 عام 1974 ليؤكد على الحق المشروع للفلسطينيين ليعودوا إلى ديارهم، وللتعويض عن منازلهم وممتلكاتهم التي حرموا منها. ولمزيد من البؤس في مشكلة اللاجئين ستأتي منظمة التحرير الفلسطينية التي سيتحول «الجزء الموقع منها للاتفاقات مع اسرائيل إلى السلطة الوطنية الفلسطينية» لتحرر اتفاق المباديء مع إسرائيل لتبعد الموضوع عن المداولة سنين طويلة، علما بان كلمة اللاجئين لم ترد إلاّ مرة واحدة في الاتفاق المكون من سبع عشرة مادة وخمسة ملاحق. واتفاق المبادئ الذي وقع بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن في الثالث عشر من «سبتمبر 1993» يعتبر اللاجئين الفلسطينيين موضوعاً مؤجلاً إلى المرحلة الثانية، والتي اجتهدت إسرائيل ونجحت في اجتهادها على الا تقوم لها قائمة. فيما نفضت حكومة إسرائيل الحالية بقيادة شارون يدها من آثار الاصدقاء الفلسطينيين الذين وقعوا هذا الاتفاق الذي كاد أن يدمر الوحدة الوطنية الفلسطينية، لامرين الأول لان عددا كبيرا من الفلسطينيين بفصائلهم الوطنية والإسلامية وجدوا في الاتفاق تنازلا غير مقبول فيما دفع بنود الاتفاق نفسه إلى محاولة الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني إلا أن شيئا من هذه المخططات لم تحدث. وعمد اتفاق الحكم الذاتي الفلسطيني على اشهار مرحلة انتقالية تمتد إلى خمس سنوات، فيما تنقسم هذه المرحلة الانتقالية ذاتها إلى فترة أولى تمتد إلى سنتين، وفترة ثانية تمتد إلى ثلاث سنوات. وتنص إحدى فقرات المادة الخامسة من الاتفاق على أن فترة السنوات الخمس الانتقالية تبدأ فور الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا، ومن ثم تبدأ مفاوضات الوضع الدائم بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني في أقرب وقت ممكن ولكن بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية، هذه المفاوضات التي كان من المفترض أن تغطي القضايا المتبقية بما فيها القدس، واللاجئون، والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين ومسائل أخرى ذات الاهتمام المشترك»... وهكذا اعتبر موضوع اللاجئين مؤجلاً للفترة الثانية من فترة الحكم الذاتي الفلسطيني، في الوقت الذي لم تستطع المفاوضات والاتفاقات منذ أوسلو وحتى واي ريفر إيجاد إطار يضمن حقوق الشتات الفلسطيني، علما بأنه قد تم التخلي من خلال المفاوضات عن أكثر من 60% من أبناء الشعب الفلسطيني وتجاوز نضالهم من أجل وطنهم وقضيتهم ليظلوا رهن رحمة الاحتلال في الموافقة على عودتهم. وعلى ما يبدو فإن المزاج الدولي ونخشى القول بالعربي يدور حول تسهيل عملية توطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم ما أمكن ذلك، والبحث عن مكان إقامة لمن يصعب توطينهم في الأماكن التي يقيمون بها حالياً. وتذهب إحدى السيناريوهات إلى الربط بين قضية اللاجئين والملف العراقي، تأسيسا على فتح الباب على مصراعيه أمام عودة اللاجئين إلى العراق كثمن سياسي لعودة العراق إلى الأسرة الدولية، أو ربما موافقة الولايات المتحدة الأميركية على صعود هذا النظام أو ذاك ليحكم بغداد ما بعد صدام. ولكن الأمر الاشد خطورة الطرح الذي يتناوله البعض والذي يدور حول فكرة ضمان حق عودة اللاجئين، وبعد ضمان هذا الحق سيترك لهم الخيار إما بالبقاء أو العودة، وبالتالي فإن تحميل وزر عملية التوطين للفلسطينيين أنفسهم الذين سيرفض عدد كبير منهم زج اسرته وعرضه بين مجتمع إسرائيلي دون وجود أي ضمانات على حياته وحياة ابنائه. اللاجئون في الخارج والتوطين يعيش في سوريا 388 ألف لاجئ فلسطيني منذ عام 1948، يشكلون ما نسبته 10.3% من مجموع اللاجئين والنازحين الفلسطينيين. ونظرا لازدياد اعدادهم وضيق المكان الذي تم تخصيصه في بعد العام 1948 بهم فإن غالبية هؤلاء اللاجئين غادروا المخيمات وحققوا درجة واضحة من الاندماج الاجتماعي مع فئات المجتمع السوري المختلفة. وبعكس القوانين اللبنانية لا يوجد في القوانين السورية ما يمنع أو يعيق إقامة علاقات طبيعية بين اللاجئين الفلسطينيين وبين فئات السكان الأخرى. وبحسب التوقعات فانه من المنتظر مستقبلا أن تستمر عملية الاندماج الاجتماعي هذه بهدوء. أما في لبنان فيعيش ما يقارب من 378 ألف لاجئ فلسطيني منذ عام 1948، يشكلون ما نسبته 10.1% من مجموع اللاجئين والنازحين، يعيش غالبيتهم في المخيمات. ونظرا لمعادلة طائفية لبنانية أنتجت مجموعة من القوانين والتشريعات الخاصة فإن فلسطيني الشتات في لبنان، وهم مسلمون سنيون لم يوافق لهم على تحقيق اي درجة من الاندماج الاجتماعي في المجتمع اللبناني، خصوصا وان تلك القوانين حدت من حرية الفلسطينيين في الحركة، والتملك والعمل خارج المخيمات. ولم تنفك لبنان على المطالبة بضرورة عودة أعداد كبيرة من الفلسطينيين المقيمين لديها إما إلى الدولة الفلسطينية بعد إعلانها، وإما هجرتهم إلى دول عربية أخرى ودول أجنبية. على أن اللاجئين الفلسطينيين في الأردن والذين حصلوا على الجنسية الأردنية منذ عهد الملك المؤسس عبد الله الاول بن الحسين نظرا لان الضفة الغربية والقدس الشرقية كانت بيد المملكة الأردنية الهاشمية حتى العام 1967 حيث كان مواطنو المملكة سواء الأردنيين أو الفلسطينيين يتنقلون بحرية بين الضفتين، ولم يفك الارتباط بين الضفتين «الغربية والشرقية» إلا بعد القرار المشهور الذي اتخذه الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال في العام 1988. وقد حقق فلسطينيو الشتات منذ قدومهم إلى الأردن وبعد قرار الوحدة بين الضفتين في عام 1950 درجة ملحوظة من الاندماج في المجتمع الأردني اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً. وكان لهم دور كبير في تطور الأردن اقتصادياً، وعمرانياً، كما كان لهم دور ولا يزال في التأثير على السياسة الخارجية الأردنية، وتدعيم الدور المحوري للأردن في العالم العربي، وفي العالم الغربي، بشكل عام. ساعد على تحقيق هذه الدرجة من الاندماج عدم وجود قوانين أو تشريعات، وعدم وجود تحيزات اجتماعية تعيق حريتهم في الحركة، والتنقل، والعمل، والمشاركة السياسية، فمنهم الوزراء والنواب والاعيان وغير ذلك والطريف أن عدداً من المسئولين الأردنيين السابقين في الحكومة الأردنية هم أيضا مسئولون في منظمة التحرير الفلسطينية. وساعد على ذلك أيضاً المهارات الفنية، والمالية والزراعية العلمية التي يتمتعون بها، والتي مكنتهم وبسرعة من إعادة تثبيت أنفسهم اقتصادياً، واجتماعياً في المدن والقرى الأردنية. ومنذ قرار الوحدة في عام 1950 عمدت القيادة الأردنية العليا على تبني المطالب الفلسطينية في العودة والتعويض العادل، والدفاع عن هذه المطالب في المحافل الدولية. وعمل الملك الراحل الحسين بن طلال على الاستمرار في تبني الحقوق الفلسطينية المشروعة والدفاع عنها في المحافل الدولية. وقد واصل العهد الجديد ممثلا بالملك عبد الله الثاني ابن الحسين في المرحلة الحالية وباستمرار في خطاباته، وتوجيهاته، ولقاءاته مع المسئولين ومع الصحافة على الوحدة الوطنية التي يعتبرها خطاً أحمر لا يسمح بتجاوزه، في الوقت الذي يؤكد فيه على حقوق اللاجئين المشروعة في العودة والتعويض، وعلى حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني. مشاريع كثيرة قامت لتوطين اللاجئين منها مشروع التوطين في العراق، ويبرز سؤال مهم هنا هو هل النظام العراقي في «مرحلة ما بعد صدام» سيوقع أو سيكون عليه أن يوقع شهادة وفاة الاونروا؟ ام أن مرحلة عمل الاونروا لاحقا ستكون بشكل اساسي في العراق؟ تساؤلات ليست لها علاقة برأي اللاجئ الفلسطيني أو الشعب الفلسطيني بالتأكيد فقد أثبتت العقود تلو العقود أنه شعب يعرف جيدا كيف يحافظ على هويته ويدافع عنه ويلقنها إلى اجياله جيلا فجيلا.. رغم كل ما يحاك ضده.. على اننا «هنا» فقط نسجل مجموعة من الافكار التي تم تداولها اصلا سواء في الصحف أو في الأبحاث والدراسات وذلك لتسليط الضوء عليها ليس إلا. وعموما يمكن فهم الرغبة الإسرائيلية في تنفيذ الإدارة الأميركية لتهديداتها بضرب العراق، على انها توافق المصلحة الصهيونية برمتها من عدة اتجاهات ولكن الأمر المؤكد أن من بين هذه الاتجاهات هي دفع إسرائيل لحل ازمة اللاجئين الفلسطينيين أو من كانوا «ازمة» على الأراضي العراقية، وبحسب ما يتردد من قراءات فان أحد ابرز الاملاءات التي سيتم فرضها على نظام ما بعد الرئيس العراقي صدام حسين هو موافقته على استيعاب عدد سيتم تحديده من اللاجئين الفلسطينيين في العراق. على أن قضية «ترحيل الفلسطينيين من ديارهم الى العراق ليست جديدة أو هي من صنع الادارات الأميركية أو الحكومات الصهيونية في عقد الثمانينيات أو التسعينيات وانما هي قبل زمن الاحتلال الصهيوني لبحر عكا بزمن. ورسمت خطة إدوارد نورمان «1900 ـ 1955» وهو مليونير يهودي أميركي، أسس سنة 1939 ورأس الصندوق الأميركي للمؤسسات الفلسطينية «أصبح أسمه فيما بعد، الصندوق الثقافي الأميركي ـ الإسرائيلي» وكان عضواً في مجلس أمناء الجامعة العبرية، ورئيساً للجنة الاقتصادية الأميركية لفلسطين، وهي منظمة صهيونية أقيمت سنة 1932.للترحيل إلى العراق خطوطها العريضة أول مرة في العام 1934م، تلك التي تضمنتها مذكرة بعنوان: «موقف تجاه المسألة العربية في فلسطين»، التي تتمحور حول: أن الهجرة وامتلاك الأرض هما في الجوهر أساس إعادة بناء الوطن اليهودي. ومن الطبيعي، ليس إلاّ، أن يصار إلى المضي قدماً بهذين الأمرين بالسرعة الممكنة وبأية وسيلة تؤدي الى تلك الغاية. وكان رأي نورمان أن المملكة العراقية هي، بين البلاد المجاورة، مكان التوطين الأفضل، وخصوصاً للعرب الذين تمرّسوا بالزراعة. «من هنا فإن وادي ما بين النهرين قد يكون الحقل الأخصب للاستكشاف، كوطن ممكن في المستقبل لجزء كبير من السكان العرب القاطنين في فلسطين». وكان يريد من الحكومة العراقية أن تقدم الأرض، وتسمح باستيراد المزارعين دون دفع الضرائب، ورسوم سمات الدخول. «كذلك يجب تقديم وسائل نقل الأشخاص والمتاع والحيوانات الداجنة مجاناً». وكان يطمح أيضا الى الحصول على تعاون الزعماء والسياسيين العرب وصحافتهم من أجل هذه العملية. واكثر من ذلك يقول: يجب أن نتذكر أن انتقال العرب من فلسطين إلى العراق بالشكل الذي نقترحه هنا لا يعني الترحيل الى بلد أجنبي. ففي نظر العربي العادي، ليس ثمة من فارق بين فلسطين والعراق أو أي جزء من العالم العربي. إن الحدود، التي أقيمت، منذ الحرب العالمية الأولى، تكاد تكون غير معروفة لكثيرين من العرب. واللغة والعادات والدين، كلها واحدة. صحيح أن الانتقال، أيّاً يكن نوعه، يعني ترك الأماكن المألوفة، لكن التمسك الشديد بالمكان ليس من تقاليد العرب. فالعادات البدوية ما زالت ذات تأثير قوي، حتى في صفوف العناصر الحضرية. وهذا النمط من التفكير اليهودي الساذج والذي يعتمد على «تخلف العربي» تؤكد سذاجته ما ابداه الفلاحون الفلسطينون من مقاومة يشهد لها التاريخ وذلك بدايات القرن العشرين وما تخلله من انتفاضات وثورات لم تكد اولها ثورة 1936 التي كادت أن تلغي المشروع اليهودي في فلسطين باسره، بحسب تأكيد بعض المؤرخين العرب لولا تدخل بعض الدول العربية. وخلال الحرب العالمية الثانية حاول نورمان ووايزمن الضغط من أجل الوصول إلى تورّط أميركي في خطة الترحيل الصهيونية الى العراق وحاولا ربط هذا المشروع بالأهداف الحربية والجهود الأميركية. بحجة أن ترحيل اليد العاملة الزراعية الفلسطينية إلى العراق أمر ضروري للإنتاج المحلي للغذاء الذي تطلبه القوات الأميركية، والجنوب الإفريقية، والأسترالية، والبريطانية، في مختلف ساحات الحرب، بدلاً من الاعتماد على استيراد المؤن الغذائية من مناطق خارج الشرق الأوسط. إلا أن هذه الجهود لم تثمر، في تلك الفترة، في إقناع المسئولين الأميركيين في دعم خطة نورمان. ولا يمل المليونير اليهودي الأميركي ففي «أكتوبر 1945» يناشد نورمان الرئيس الأميركي هاري ترومان في رسالة قال فيها إن حل المسائل السياسية من خلال الترحيل قد أصبح وسيلة معترفاً بها، وأن الصعوبات القائمة في فلسطين ناجمة عن وجود العرب الذين كان في الإمكان ترحيلهم إلى أماكن أخرى خارج فلسطين. واستشهد بقرار حزب العمال البريطاني، الذي اتخذ في مؤتمر «ديسمبر 1944»، في مصلحة ترحيل العرب خارج فلسطين، لكن من دون اقتراح وجهة الترحيل. ورغم الجهود الحثيثة، التي بذلها نورمان خلال أربعة عشر عاماً لتنفيذ خطته للترحيل الطوعي إلى العراق، إلاّ أنه لم يتيسر لها أي حظ يذكر من النجاح، لأن احدى الافتراضات الرئيسية والمغلوطة لخطته أن الفلسطينيين العرب يرغبون فعلاً في «مساحة من العيش» وأنهم على استعداد للرحيل إلى منطقة بديلة يفترض أنها فارغة في العراق، بحيث يمكن تسليم فلسطين إلى شعب آخر. أما الآن وإن ذهب نورمان فان افكاره ما زالت تتردد وتناقش خصوصا لدى الازمات التي يتجدد فيها هذا الرأي باستمرار فقد تم تداوله في حرب الخليج الثانية وها هو الآن يطل برأيه مجددا وإن كانت الخشية الآن اشد خصوصا بعد التأكيد بان الآراء الأميركية اصبحت صورة طبق الاصل عن اراء اليمينيين الإسرائيليين الذين لا يريدون فقط ازاحة موضوع اللاجئين الفلسطينيين من المفاهيم والمصطلحات السياسية الدولية والعربية بل واكثرمن ذلك طرد ما تبقى من الفلسطينيين من كل فلسطين سواء الـ 48 أو 67.