أكد قطبي مهدي السنوسي المستشار السياسي للرئيس السوداني على انه ليس من حق أي جهة خارجية الاعتراض على الاتفاق الذي تم ابرامه بين الحكومة وحركة التمرد في الجنوب السوداني، خصوصاً وان الخرطوم حاولت اشراك العديد من الاطراف لحل القضية ولكن دون جدوى. وقال السنوسي في حوار اجرته معه «البيان» في عمان ان السودانيين طوال الخمسين عاماً لم يعاتبوا العرب على شيء رغم ان الحرب في الجنوب في جوهرها صراع حضاري لجر السودان بعيداً عن هويته العربية، مشيراً إلى ان الخرطوم في لحظة من اللحظات وبعد فتح العديد من الجبهات العسكرية عليها ذهبت الى العديد من الدول العربية لتطرح عليهم المشكلة الا ان البعض اجابها ان ما يجري في السودان مشكلة داخلية. بل واكثر من ذلك ان عدداً من الدول العربية فتحت لجون قرنق مكاتب تمثيلية، مما أدى في النهاية الى تحول العرب الى عبء على السودان بدل ان يكونوا جداراً استنادياً لها. واضاف: «بعد كل هذا وبعد ان كان البعض يستضيف المعارضة جون قرنق والمعارضة الشمالية وبدعم اميركي واضح يأتون الآن ليقولوا لنا انتم تريدون التفريط في جنوب السودان.. ليس لديهم الحق في هذا». وعلى مستوى الاتفاق الاخير الذي تم ابرامه مع حركة التمرد قال المستشار السياسي للرئيس السوداني ان الجديد في هذا الاتفاق اقرار وحدة السودان. وفيما يلي نص الحوار: ـ يتوقع المراقبون أحداث العديد من المشاكل في المستقبل القريب خصوصاً وان الاتفاق يحمل قراءتين: الأولى الحكومة والاخرى قراءة المعارضة وحركة قرنق الخاصة.. هل هناك ضمانات لعدم حدوث أي التباس في لغة الاتفاق ـ ومفهوم كل طرف فيه؟ ـ دعنا ننتهي أولا من قضية الحكومة والمعارضة فانا لا اعرف ماذا تقصد بالمعارضة فنحن وقعنا الاتفاق مع المعارضة، فاذا كانت المعارضة ما تعرف بالتجمع الديمقراطي فالقوى الرئيسة فيه هي التمرد الجنوبي جون قرنق، القائد العسكري للتجمع، وفيما عدا ذلك فهي ذات المجموعة التي رفضت المبادرة المصرية الليبية، التي كانت أفضل بكثير من مبادرة «الايغاد». أما فيما يتعلق بالاتفاق نفسه فاعترف انه يشكل تحدياً كبيراً، رغم انه لا جديد في القول ان السودان يحكم لا مركزيا، فهو الآن كذلك، اما الوضع الخاص في الجنوب وخصوصاً فيما يتعلق بالهيكل الدستوري، فهذا الأمر له مبرراته، وذلك بسبب ظروف الحرب، واعادة تعمير وبناء الجنوب، اما فيما يتعلق باقتسام الثروة والسلطة فهذا حق طبيعي في النظام الفيدرالي، أما عدم فرض الشريعة الاسلامية على الجنوبيين او تلك القوانين المستمدة من المصادر الاسلامية، فهذا أيضاً شيء مفهوم في ظل وجود التنوع الثقافي والديني في السودان. كل هذه القضايا ليس لدينا أي مشكلة فيها، اما الحديث عن تقرير المصير، فإنني اود هنا ان اشير الى ان من اكبر مكاسب الاتفاق هو التأكيد على وحدة السودان، ودفاعاً عن الهوية العربية الاسلامية للسودان، وبقي السودان يقتل خمسين عاماً وتصاعد هذا القتال خلال السنوات الاخيرة بشكل واضح، ذلك ان طبيعة المعركة اصبحت اكثر وضوحاً، خطابها يحمل مضمون تمزيق السودان والقضاء على هويته، بدعم من قوة اقليمية ودولة معروفة. ـ عودة إلى السؤال، هل تخشون من وجود قراءتين للاتفاق، وبالتالي اجهاضه؟ ـ نحن لا نخشى من ذلك ولكن ندرك ان هذا الاتفاق يشكل تحدياً كبيراً لنا، وذلك لأننا نعرف اننا عندما نأتي مع الطرف الاخر الى التفاصيل قد نختلف معه فما جرى من اتفاق يدخل تحت مسمى الاتفاق الاطاري. ـ ولكن عبر العديد من التصريحات لمسئولين في الحركة الشعبية لتحرير السودان يظهر أن الاتفاق لم يعبر عن تطور ايجابي في العلاقة، حتى فيما يتعلق بقضية وقف اطلاق النار الذي يقول عنه هؤلاء بأنه لن يناقش في اللقاء التفاوضي المقبل المرتقب في كينيا ولن يتم البحث فيه الا بعد اقرار مباديء تقاسم السلطة والموارد، وبعد انجاز الاتفاقات الامنية وتلك التي تتناول وضع الجيشين في الشمال والجنوب؟ ـ الجديد في هذا الاتفاق انه اقرار وحدة السودان كخيار اساسي واقرار ان الحرب لن تحل هذه المشكلة وان الحل سيكون عبر الوسائل السلمية، اما النقطة الثالثة فهي التي ستناقش في الاجتماع المقبل وهي وقف اطلاق النار، وكانت الحركة في السابق تصر انها لن تناقش هذا الموضوع الا بعد الوصول إلى اتفاق نهائي. ـ ولكن مسئولي الحركة مازالوا على موقفهم من هذا الموضوع؟ ـ هم قالوا اذا وصلنا الى اتفاق مبدئي يمكن مناقشة الموضوع، ولذلك فإن اول بند في اجندة الاجتماع المقبل سيكون وقف اطلاق النار. ـ هل الحكومة السودانية مستعدة لتسجل على نفسها بأنها التي وافقت على تقسيم السودان خصوصاً في ظل معارضة باقي اقطاب المعارضة للتفاهم المبرم؟ ـ أولا انا لست مع القول بأن مضمون الاتفاق هو التقسيم فنحن لم ولن نوافق على التقسيم، ثانياً وقبل الاجابة على السؤال اود القول انه من غير المفهوم ان تقوم هذه المعارضة التي ظلت تقاتل مع جون قرنق بالتباكي على الشهداء الذين قضوا اثناء الحرب. اضافة إلى اننا لاحظنا تباكي العالم العربي على السودان في الوقت الحاضر في الوقت الذي كنا فيه نقاتل خمسين عاماً دفاعاً عن هويتنا العربية دون ان تخرج رصاصة واحدة من أي دولة عربية للتضامن معنا. ولهذا كنت منذ البداية اسأل من هي هذه المعارضة اذا كانت تلك التي تقاتل مع جون قرنق وهو القائد العسكري للتجمع، فلا توجد لها اي شرعية لتعارض. واود ايضاً التأكيد للعالم العربي بأن لدى الحكومة السودانية خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها، فنحن على سبيل المثال لا نسمح بتمزيق السودان وهذا امر قطعي يجب الاطمئنان اليه. ولذلك هؤلاء الشباب الذين استشهدوا وقاتلوا مدنيين مع الجيش السوداني لم يذهبوا هدرا. ومن هنا اقول اننا حققنا في الاتفاق مكاسب مهمة منها التأكيد على وحدة السودان وانها الخيار الاستراتيجي للطرفين، والتأكيد على ان الحرب يجب ان تقف وان الحوار هو السبيل الوحيد لعلاج أي قضية كانت. وبعد ذلك أي وضع خاص للجنوب في اطار الوحدة نحن نرحب به ولا يوجد لدينا معه أي مشكلة، اما الشيء الذي نود ان يدركه الرأي العام العربي هو ان لدينا قضيتين في الجنوب: القضية السياسية وهي مطالب سياسية يتم التحاور فيها من قبل الجانبين، وأي مطالب جنوبية هي في النهاية تصب في المصلحة القومية العليا. فمطالبة الجنوبيين في اقتسام الثروة، والمشاركة في القرار السياسي والحفاظ على الهوية الثقافية لهم وان يديروا اقاليمهم بأنفسهم، كما يحدث في اقاليم الشمال.. هذه مطالب تحتاج فقط إلى الحوار فلسنا متسلطين على أحد. ولكن المشكلة تكمن في ذات الحرب، التي لديها اجندة خاصة لا علاقة لها بالقضية السياسية، خصوصاً وان هذه الحرب وراءها اطراف اخرى غير الجنوبيين، فلدينا بين دول الاقليم اطراف لا تريد ان تجاور دولة قوية، بالاضافة إلى الاطماع التي تريد تحقيقها من السودان. فقدمت للمقاتلين. التسهيلات والامداد، بالاضافة إلى الدعم السياسي والمعنوي، وذلك من اجل استنزاف العملاق السوداني. أما الطرف الاخر في معادلة الحرب فهي عدد من الدول الاخرى البعيدة عن الحدود السودانية، فهي لذات الاسباب ارادت استنزاف السودان وعلى سبيل المثال، اللوبي الإسرائيلي في اميركا واسرائيل ذاتها تأسيساً على مبدأ ان السودان رصيد مهم جداً للامة العربية، ولذلك فهم ارادوا تحييد السودانيين واشغالهم، لضمان اضعافه وتدميره، حتى لا يستطيع الاسهام بأي شكل من الاشكال في القضية العربية. اضافة إلى ان هناك اطرافا أميركية اخرى ترى في السودان الذي يجاور تسع دول ولديه قدرة على التأثير في هذه البلدان سواء كان تأثيراً حضارياً او ثقافياً أو اقتصادياً واستراتيجياً، وما دام هذا البلد عربي فيجب تدميره وان يتم السيطرة عليه بشكل من الاشكال، ومن ثم كان العداء لهذه الحكومة بالذات لأنها حكومة قامت بالتركيز على الهوية العربية. هناك عنصر آخر في الجنوب نفسه وهم القيادات الجنوبية التي بنت قيادتها وزعامتها من خلال الحرب وليس عبر القاعدة والبرامج السياسية، ولذلك بالنسبة لهذه الحرب واستمراريتها يعني ضمان بقاء هذه الشخصيات متزعمة، وللأسف فانها تجد كل الدعم لضمان استمرار الحرب من اطراف ودول خارجية، وهذا كله يجري بعيداً عن مطالب الجنوبيين. ـ ولكنكم لم تتعاملوا ـ في الاتفاق الاخير مع هذه المعادلة وفق مستخلصاتها بمعنى ان دولا مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج كانت حاضرة في الاتفاق.. ما يعني تعرضكم لضغوط.. وذلك في مقابل غياب الأحزاب والحركات الشمالية.. كيف تفسرون ذلك؟ ـ يجب فهم ما جرى قبيل التوقيع على الاتفاق.. والاطار العام له، فالمنبر هو منبر الدول المجاورة، «الايغاد» على اعتبار تأثر هذه الدول بالحرب، فوافقنا بدورنا على وساطتهم، وبقينا نتفاوض سنين طويلة من خلال هذا المنبر، وهو واحد من هذه المنابر الا انه كان اخرها، ولم نكن في السابق نصل لشيء للأسباب التي ذكرتها فنحن كنا كلما نصل إلى حل يتضح ان البعض يريد الحرب بأي ثمن، دون اكتراث سواء وافقت الخرطوم على القضايا والمطالب السياسية أو لم توافق، فالمهم استمرار الحرب ذاتها. وكانت الادارة الأميركية السابقة تشن حملة عدائية شديدة على السودان، وبالاضافة الى دعم التمرد في الجنوب قامت بتحريض الدول المجاورة لمهاجمة السودان، وكان السودان يخوض حرباً أهلية ويخوض حرباً دولية في كل حدوده ومن جميع الاتجاهات، ونحن ونعلم ان واضع الخطوط المباشرة لهذه الحرب هي واشنطن، وانتوني ديك مستشار الأمن القومي ذكر هذا الأمر عندما قال ان حربنا مع حكومة السودان سنستخدم فيها دول الجوار، هذا بالاضافة الى الحصار الاقتصادي، والعجز الدولي والمقاطعة من مجلس الأمن، وكل الغرض هو بعثرة الجيش السوداني، واسقاط الحكومة، إلا ان ذلك لم يحدث، حتى الدول التي حاولوا تجميعها لقتالنا بدأت تحارب بعضها البعض، والحمد لله اننا قاتلنا وصمدنا. وهكذا بدأ التحول لدى مخططي السياسة الأميركية فإدارة كلينتون لم تستطع تنفيذ التحول، بل قامت في وقت من الأوقات بضربنا بصواريخ كروز، إلا ان ذلك أدى إلى عزل أميركا في الأمم المتحدة لأن الأوروبيين لم يسيروا مع واشنطن في سياستها. ولاحقاً عندما تغيرت الادارة تغيرت السياسة. وأود أن أكون واضحاً هنا أنا أقول تغيرت السياسة ولا أقول تغيرت الأهداف، مادامت الحكومة في الخرطوم تعذر اسقاطها. فبدأ التعامل معنا ولكن هذا لا يعني ان العلاقات طبيعية فمازال الحصار مفروض علينا من قبل الولايات المتحدة الأميركية، ومازلنا في القائمة الأميركية للارهاب، والعلاقة الثنائية سيئة للغاية، ولم يطرأ التحسن فيها، ما جرى فقط تغيير السياسة فبدل محاولة اسقاط النظام بدأوا بالتعامل معه، وذلك من أجل انقاذ المتمردين من السقوط، لأن علاقاتنا تحسنت مع دول الجوار، ومع العالم العربي، الذي كان مع الولايات المتحدة الأميركية ضدنا. هذا التحسن وقدرتنا على انعاش الاقتصاد مرة أخرى واستخراج البترول، دون مساعدة أميركية، جعلت الأميركيون يشعرون بأن ميزان القوى بدأ يميل لصالحنا، وبالتالي فإن حركة التمرد ستواجه مأزقاً كبيراً، فعمدت الى انقاذ هؤلاء المتمردين، بالاضافة الى محاولة البحث عن مصالح لهم في السودان وأوقفت الحرب، خاصة انهم أشعلوا الحرب في كل مكان، فارادوا أيضاً بهذا أن يظهروا على انهم ـ على الأقل في مكان واحد من العالم ـ بأنهم يقومون بالسلام. الأميركيون لم يكونوا طرفاً مباشراً لهذا الاتفاق، ولكنهم كانوا يشعرون بضعف الايغاد فقرروا من وراء الكواليس مساعدة الدول الأعضاء في ذلك، وهم أيضاً دعموا سياسياً موقف المتمردين. ـ هل شكلوا ضغطاً عليكم: ـ نعم شكلوا ضغطاً علينا: ودعماً معنوياً للمتمردين في المفاوضات، وكانوا يهدفون من المفاوضات أن يحققوا أقصى ما يمكن من مكاسب سياسية ممكنة للمتمردين، إلا ان موقفنا كان واضحاً خصوصاً في قضيتين، الأولى وحدة التراب السوداني، ووقف الحرب، بالاضافة الى حق السودانيين وضع دستور يعبد عن معتقداتهم وتقاليدهم، ولم يفلحوا في اللعب في هذه المنطقة فوافقوا على كل ذلك، وفي النهاية وافقوا على تركنا وشأننا مادمنا نحن وافقنا على اعطاء الجنوبيين في اقليمهم وضعاً خاصاً، وضمان حماية معتقداتهم. ـ على حد قول الناطق الرسمي باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان ياسر عرمان فإن من بين القضايا الشائكة في الاتفاق وضع الجيشين، لأن الحركة ترى ان الجيش الحكومي ليس جيشاً قومياً، فهل جرى حل هذا الجانب أو التطرق اليه؟ ـ هذا الملف سيجري في المرحلة المقبلة من المفاوضات ولكننا نقول في المقابل ان الذين يجري التفاوض معهم الآن هم الجنوبيون الحاملون للسلاح، وهم أكثر الأطراف تطرفاً، وليس بالضرورة انهم يعبرون عن رأي الأغلبية الجنوبية، إلا اننا عندما نناقش قضية سلام يجب الحوار مع الشخص الذي يحمل السلاح، ولذلك نحن متفائلون من المرحلة المقبلة، وكل ما في الأمر اننا نريد التفاوض مع الذي يحمل البندقية، وحينما نصل للسلام من الطبيعي أن يتم استيعاب جزء من هذا الجيش في الجيش السوداني الاتحادي، وجزء منه قد يذهب الى الشرطة أو الى وظائف مدنية، أي انه سيتم استيعابهم بصورة من الصور. ـ بهذه السهولة، أنت تتحدث عن صراع ثقافي؟ ـ ليست سهلة أبداً ولكن نحن نعمل على ذلك، ولكن المسألة ليست مستحيلة، هناك جزء مهم من الجنوبيين يقاتلون في الجيش السوداني، وميلشيات شعبية جنوبية تقاتل هؤلاء المتمردين ومنزعجين من اننا سنقوم بتسليم الجنوب، ومن المعروف ان هذه المليشيات بقيت في خندق الجيش الاتحاد تقاتل المتمردين، في أية حال الموضوع معقد، على اننا نتحدث عن فترة انتقالية هذه الفترة سيتم فيها فصل القوات، لأغراض وقف اطلاق النار، وعندما نصل الى اتفاق نهائي سيتم استيعابهم اما في الجيش السوداني أو غير ذلك. ـ قضية اقتسام الثروة وعلى رأسها البترول واعادة هيكلة السلطة، كيف وافقتم على الحدود التي طرحها قرنق خصوصا وانها تدخل النفط في الاقليم الجنوبي، خصوصاً وان هناك من يرى أو يخشى ان (الاتفاق) انفصال مؤجل لجنوب السودان؟ ـ في نظامنا الفيدرالي، الثروات القومية ثروات اتحادية، لكن الولايات التي توجد فيها هذه الثروات سواء ذهب أو معادن وغيره، سيكون لها نصيب من الثروة، فأي نظام فيدرالي هكذا، ويتضمن دستورنا الحالي هذه القضايا والحلول. على اني أريد أن أؤكد ان النفط ليس في الجنوب فقط، ونحن نعلم ان السودانيين ينامون على بحر من النفط، رغم ان تركيز الشركات في السابق كان على الجنوب، لهذا فإن الانطباع بأن النفط يوجد في الجنوب فقط غير صحيح، انما بدأ البحث فيه في تلك المنطقة. ـ ماذا عن اعادة هيكلة السلطة، وقضايا التمثيل والسلطة التشريعية؟ ـ سينعكس الاتفاق على الدستور بالتأكيد، ولكن لا أتوقع تغييراً كبيراً فالآن في السودان عشرة ولايات في الجنوب، ومن أجل اعطاء الجنوب وضعاً خاصاً شكلنا مجلس التنسيق، وهو الذي يريدونه شكلاً آخر، تحت مسمى آخر. ـ في ظل هذا الاتفاق ما هو مستقبل الأحزاب الشمالية، ولماذا تم تغييبها عن الاتفاق؟ ـ الأطراف المعنية في المشكلة الحكومة والمتمردين، فالحوار والنقاش يتم بين المتمردون والحكومة، فالحوار لا يكون بين أحزاب وخارجين عن الدولة. ـ ولكن حتى تضمنوا الاجماع؟ ـ نحن نضمن الاجماع بأننا نتشاور، ففي السودان نظام ديمقراطي ولدينا برلمان، وأحزاب وصحافة حرة وهذه القضايا مطروحة باستمرار والآن تم التشاور مع كثير من الأحزاب ولكن التفاوض الرسمي بين الدولة والخارجيين عن القانون. ـ هناك من يسأل عن «الترابي» في ظل وجود اتفاق الحكومة مع المتمردين، لماذا تم اعتقاله اذا كانت الحكومة ذاتها قد قامت بالفعل نفسه؟ ـ الفارق كبير، هو قام بتوقيع اتفاق للالتفاف على النظام، واسقاطه، واعتبر تعاوناً مع أناس خارجين عن القانون والدولة، بالاضافة الى اننا قمنا بالتفاوض معهم من أجل السلام. ـ تطرقت الى الدول العربية أكثر من مرة بكثير من المرارة حسبما فهمت؟ ـ نحن طوال الخمسين عاماً لم نعاتب العرب على شيء، ولا حتى طالبنا بالاشتراك معنا، رغم ان طوال هذه السنين كنا نحارب بسبب واحد هو لأننا عرب، وهناك صراع حضاري لجر السودان بعيداً عن هويته العربية، هذا هو حقيقة الصراع ربما تسمع الكثير من التفاصيل، أما اذا أزلت قشور كل ما يقال فإنك ستتأكد من ان الذي يجري في السودان منذ خمسين عاماً لأنه بلد عربي. أما الشيء الطبيعي أن يعتبر العرب هذه القضية قضيتهم ويقاتلوا معنا، على اننا لم نطالب بذلك ماعدا في اللحظة التي دخلت فيها جيوش الجوار في الحرب، ففي هذه اللحظة اتصلنا بعدد من الدول العربية وقلنا لها: ها هو الوضع فإذا مازلتم تريدون السودان، فيجب أن تقفوا معنا، واتصلنا بمصر على وجه الخصوص، وقلنا لهم يجب أن تهتموا بهذه القضية، ولكن للأسف جون قرنق لديه مكاتب في معظم العواصم العربية، وقدم للعرب بأن ما يجري هو صراع ضد الأصولية الدينية في السودان، مما أدى الى تحول الدول العربية الى عبء على السودان بدل أن تكون جداراً استنادياً لها، وخصوصاً بعد حرب الخليج الثانية، فقد شكلنا وفود وخاطبنا فكان الرد ان ما يجري في السودان قضية داخلية فقط، فخضنا الحرب لوحدنا، هذا مع اعتقادنا ان الدول العربية لم تكن عاجزة في الموضوع السوداني كما هي في الموضوع الفلسطيني. وبعد كل هذا، وبعد أن كان البعض يستضيف المعارضة جون قرنق والمعارضة الشمالية وبدعم أميركي واضح يأتي الآن ليقول أنتم تريدون التفريط في جنوب السودان، ليس لديهم الحق في هذا. ـ ولهذا السبب تم القفز عن الدور المصري والليبي؟ ـ لا، لا الدور الليبي والمصري كان دوراً ايجابياً، في تنسيق المبادرة المشتركة وقد قدمت المبادرة الليبية المصرية تسع نقاط وافقنا عليها دون تحفظ، لأنها لا تتضمن الخطوط الحمراء، وشكلنا وفداً وأعطينا رأينا في كل التفاصيل ولكن الطرف الآخر رفض، ونحن على اتصال مع الأخوة في مصر وليبيا، فالمصريون مثلنا كان لديهم تحفظ على تقرير المصير.