تثير الأزمة السياسية التي تعيشها تركيا في هذه الأيام العديد من التساؤلات حول أسباب هذه الأزمة والنتائج المترتبة عليها على المستوى الداخلي والخارجي، وخاصة فيما يتعلق بالخريطة السياسية الجديدة التي ستظهر في أعقاب انتهاء هذه الأزمة. وهناك العديد من الأسباب التي أدت الى تفجر هذه الأزمة، واهمها الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي تعاني منها تركيا، كالارتفاع المستمر في عجز الموازنة العامة والذي وصل عام 2001 إلى 28%، حيث ان الايرادات قد انخفضت في حين زادت النفقات العامة بالمقارنة بأرقام الميزانية التركية لعام 2000، ووصلت الزيادة في العجز الى 2.43 مليار دولار، ولقد أدى هذا الوضع الى ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض الليرة التركيا امام الدولار بصورة لم يسبق لها مثيل. وقد جاءت هذه النتائج لتقضي على الامال التي ظهرت مع تولي الدكتور كمال درويش وزارة الاقتصاد وهو الخبير الاقتصادي الدولي الذي شغل من قبل منصب نائب رئيس البنك الدولي، والذي حمل معه حزمة من السياسات التي كان يرى انها سوف تؤدي الى اصلاح أوضاع الاقتصاد التركي وهو مالم يتحقق على أرض الواقع. عوامل اساسية من ناحية اخرى تواجه الحكومة التركية معضلة الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطلوبة من جانب الاتحاد الاوروبي حتى تحصل تركيا على العضوية الكاملة والدائمة في هذا الاتحاد، وهو الحلم الذي يراود الساسة الاتراك منذ تأسيس مصطفى كمال اتاتورك للدولة التركية المعاصرة، فهناك اختلاف في الرأي بين القوى السياسية التركية حول درجة الالتزام بهذه الاصلاحات، حيث يرى البعض ضرورة الالتزام الكامل بمايطلبه الأوروبيون في هذا المجال، من أجل سرعة تحقيق هذا الحلم التركي، في حين يرى فريق اخر ضرورة الحذر من هذا الاتجاه، حيث ان بعض الاصلاحات المطلوبة سوف تكون لها اثار سلبية بعيدة المدى على الدولة التركية ذاتها، وهو الأمر الذي يتطلب وضع بعض الحدود أو القيود على هذه الاصلاحات المطلوبة. من ناحية ثالثة تبرز مشكلة الهوية الوطنية التركية من جديد في خضم هذا الاندفاع نحو الانضمام للاتحاد الاوروبي، وتتمثل هذه المشكلة بصفة أساسية حول الهوية الاسلامية للشعب التركي، ومدى تأثرها بالانضمام للاتحاد الأوروبي بعد اجراء الاصلاحات المطلوبة، والتي تشمل بعض الجوانب الثقافية ذات الصلة بالقيم الاسلامية في المجتمع التركي. كذلك تبرز في ذات الاتجاه اشكالية بناء الدور الاقليمي الجديد لتركيا في مرحلة مابعد انتهاء الحرب الباردة، حيث ان استحقاقات القيام بهذا الدور تفرض على صانع القرار التركي اتخاذ اجراءات تضر بمصالح تركيا في المنطقة العربية وفي العالم الاسلامي، ولقد وضح ثقل هذه الاستحقاقات ابان الاجتياح الاسرائيلي لاراضي السلطة الوطنية الفلسطينية وأعمال القمع والارهاب والاعتداء على المقدسات الاسلامية والمسيحية، الأمر الذي دفع رئيس وزراء تركيا اجاويد الى توجيه انتقادات حادة لإسرائيل. يضاف الى ذلك طبيعة الحكومة الائتلافية التي تتشكل في أعقاب انتخابات لا يحصل فيها اي حزب على الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة تحظى بثقة البرلمان، فالحكومات الائتلافية تعاني عادة من حالة عدم الاستقرار، نظرا لمحاولة كل طرف من أطراف الائتلاف تعظيم مكاسبه على حساب الاطراف الاخرى من الائتلاف أملا في الحصول على أغلبية مريحة في الانتخابات التالية. ومن ثم فإن كل هذه الاسباب مجتمعة أدت في تفاعلها الى تفجر هذه الأزمة السياسية، الا انه من الواضح من سياق الأحداث ان الجانب المتعلق بالإصلاحات المطلوبة للانضمام للاتحاد الاوروبي كان العامل الأكثر بروزا في تفجر هذه الأزمة، يؤكد هذا استقالة اسماعيل جم وزير الخارجية التركي السابق، والمعروف بأنه صديق الأوروبيين والذي يرى ضرورة القيام بتنفيذ كل ماهو مطلوب للانضمام الى الاتحاد الاوروبي، وقيامه بتشكيل حزب جديد من أجل تحقيق هذا الهدف. مسار الأزمة تفجرت الازمة مع مرض رئيس الوزراء ومطالبة البعض باستقالته بدعوى ان ظروفه الصحية لا تؤهله للقيام بواجبات منصبه، وعندما رفض اجاويد الاستقالة، توالت استقالات الوزراء والنواب التي وصلت الى استقالة سبع وزراء منهم وزيرا الخارجية والاقتصاد وحوالي 60 نائبا الأمر الذي افقد حزب اليسار الديموقراطي أكبر الاحزاب في البرلمان موقعه المتقدم بين الاحزاب الممثلة في البرلمان، ليصل الى المرتبة الرابعة بـ 68 عضوا، وراء حزب العمل القومي 127 عضوا وحزب الطريق القويم 85 نائبا، حزب الوطن الأم 79 نائبا، واصبح من الممكن اسقاط حكومة اجاويد اذا ماطلبت أحزاب المعارضة سحب الثقة، الا ان هذه الأحزاب منقسمة في هذا الصدد، خاصة بعد الاعلان عن اجراء انتخابات مبكرة في شهر نوفمبر المقبل. وقد ترددت بعض الانباء عن سيناريو معين تم اعداده يقضي باسقاط الحكومة وتولي حكومة انتخابات أو حكومة انتقالية تتولى اجراء الانتخابات الا ان هذه الحكومة يمكن ان تمرر كافة الاصلاحات الأوروبية المطلوبة خلال فترة حكمها، وبذلك يتم تجنب المعارضة المتوقعة لهذه الاصلاحات في البرلمان، ولقد أدى هذا الى قيام رئيس الوزراء التركي بولنت اجاويد بتقديم اقتراح بطرح الاصلاحات المقترحة من الاتحاد الاوروبي امام البرلمان قبل اجراء الانتخابات، ولقد وافق على هذا الاقتراح حزب الطريق القويم وحزب الوطن الأم بينما عارضه حزب العمل القومي، الا ان تأييد الحزبين السابقين اضافة الى حزب اليسار الديموقراطي الذي ينتمي اليه اجاويد سوف يساعد على تحرير هذه الاصلاحات في البرلمان التركي حيث تتوافر الاغلبية البرلمانية المطلوبة لذلك. وقد أوضح اجاويد بعض هذه الاصلاحات التي ستعرض على البرلمان التركي في جلسة استثنائية تعقد لهذه الغرض في تصريحات صحفية، اشار فيها الى انه سيتم تسوية أكثر هذه الاصلاحات حساسية وهي الغاء عقوبة الاعدام، ومنح الافراد وغيرهم من الاقليات حقوقهم الثقافية، ومنها اعتماد اللغات المحلية واستخدامها في التعليم بمختلف مراحله وفي وسائل الاعلام. والجدير بالذكر أنه توجد في تركيا أكثر من ثلاثين لغة مستعملة داخليا، تبعا للأصول العرقية للشعب التركي، منها العربية، اليونانية، الكردية، الأرمينية، الشيشانية والألبانية وغيرها، ويرى بعض المراقبين أن هذه الاصلاحات قد تحمل بعض المخاطر على كيان الدولة التركية، ويرى حزب العمل القومي ان الاصلاحات التي يطلبها الاتحاد الأوروبي تعمق من الانشطة الانفصالية في البلاد. النتائج المترتبة يمكن القول بأن أبرز النتائج المترتبة على هذه الأزمة السياسية تتمثل في بروز أحزاب جديدة، مثل الحزب الذي شكله اسماعيل جم وزير الخارجية المستقيل والذي يدعو الى تعميق الاتصالات مع أوروبا وتنفيذ كافة الاصلاحات المطلوبة للانضمام للاتحاد الأوروبي، وهذا الحزب يتوافق في توجهاته العامة المعلنة من جانب اسماعيل جم مع توجهات العسكريين الاتراك الذين يلعبون دورا هاما في السياسة التركية من وراء الستار بوصفهم حراس الدولة العلمانية، كما انه ينال تأييد قطاع من الشباب التركي، اما الحزب الثاني فهو الحزب التركي الديموقراطي الذي يرأسه محمد علي بايار، وهو في مرحلة النضج والشباب اذ يبلغ من العمر 42 سنة، ويرى بعض المحللين انه يمثل جيل الشباب الجديد في السياسة التركية، والحزب الجديد الثالث هو حزب العدالة والتنمية الذي يدعو الى تحقيق العدالة في كافة المجالات، والى العمل على تنمية المجتمع تنمية حقيقية، ويرى ان توجه تركيا نحو أوروبا لا يعني التخلي عن روابطها الشرقية والاسلامية، فالانضمام للاتحاد الاوروبي يجب ان يتواكب معه تعميق علاقات تركيا بالدول العربية والاسلامية، ومن ثم يرى البعض من المعنيين بالشئون التركية ان هذا الحزب يمثل الاعتدال والوسطية بين القوى السياسية التركية، وبالرغم من هذا الطرح المعتدل من جانب حزب العدالة والتنمية، الا انه يواجه خطر الحظر من جانب المحكمة الدستورية، التي ستصدر حكمها في هذا الشأن في أكتوبر المقبل. ومن ثم فيمكن القول بأن النتيجة الثانية للأزمة هي ابعاد القوى الاسلامية المعتدلة عن اطار العمل السياسي في تركيا، هذا بالاضافة الى اضعاف تأثير حزب العمل القومي الرافض للامتثال للمطالب الأوروبية. والنتيجة الثالثة على المستوى الداخلي تتمثل في ظهور جيل جديد من السياسيين في نطاق النخبة السياسية التركية. واخيرا فان هذه الأزمة وفقا للسيناريو المطروح لانهائها ربما تؤدي الى ازالة الكثير من العقبات التي حالت دون انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي بصورة نهائية. ويبقى السؤال عن دور المؤسسة العسكرية من هذه الأزمة وعدم قيامها بدور بارز، والاجابة تتلخص في أن المؤسسة العسكرية التركية وبحكم قراءتها للواقع المعاصر صارت تفضل العمل من خلف الستار، خاصة وان التطورات التي تشهدها تركيا على المستوى السياسي تتوافق مع توجهاتها ومن ثم فلا توجد ضرورة موضوعية للظهور. ويبقى ان نشير الى ان البنك الدولي وافق على منح تركيا قرضا تصل قيمته الى 300 مليون دولار لتمويل مشروع تطوير النظام التعليمي والتربوي، وهو مايعني استمرار التركيز الغربي على الجانب المتعلق بالهوية الثقافية لتركيا واعادة تشكيلها من جديد بما يتوافق والرؤى الغربية والمصالح الغربية. ـ كاتب مصري