واضح ان التطورات السياسية الداخلية التي تشهدها تركيا في الوقت الحاضر سيكون لها انعكاسات وتأثيرات على مجمل الوضع الاقليمي في الشرق الأوسط، ذلك ان تركيا وهي دولة عضو في منظمة حلف شمال الأطلسي ومتجاورة مع عدد من الدول العربية والاسلامية، تطمح لأن تلعب أدواراً مركزية على صعيد المنطقة وهو الأمر الذي يجعل أي تطور سياسي أو داخلي فيها له أبعاد وامتدادات لابد ان تمتد الى كل ارجاء الشرق الأوسط. ثم ان تركيا التي تقيم تحالفاً عسكرياً وامنياً مع اسرائيل لا تستطيع ان تعزل نفسها عن دائرة الصراع العربي الصهيوني، وبالتالي فإن ما يجري في داخلها لابد ان يؤثر ويتأثر بالوضع الاقليمي نفسه. وتزداد هذه المعادلة خطورة وتعقيداً وجاذبية عندما يكون الأمر متصلاً بالجانب السياسي المباشر، أي يعكس حالة الصراع الدائر بين مراكز القوى في داخل تركيا بالذات مثلما يحدث الآن، حيث ان التطورات الأخيرة التي تمثلت في محاولات اجبار حكومة بولند اجاويد على الاستقالة إنما جاءت على خلفية احتدام الصراع بين المؤسسة العسكرية الحاكمة من جهة والاحزاب والقوى السياسية من جهة أخرى. فهذه الحالة تدعو الى الاستنتاج بأن أي ترتيب جديد للوضع السياسي لابد أن يلقي بظلاله على دور تركيا الاقليمي من جهة وعلى علاقاتها مع دول الجوار من جهة أخرى، وهناك مخاوف مشروعة من ان تؤدي هذه التطورات الى قيام حكومة غير قادرة على تحقيق الاستقرار الداخلي، الأمر الذي سيقود بالضرورة الى قيام أنقرة بمحاولة تصدير أزمتها الداخلية الى الخارج وبالتالي الدخول في مواجهات مع الآخرين. الصراع الأساسي ولا حاجة للتأكيد ان ما جرى ويجري لابد من اخضاعه للصراع الأساسي الذي تشهده تركيا منذ بداية القرن الماضي، وهو الذي يدور حول تحديد الهوية السياسية والجغرافية بالدرجة الأولى. فقد سعت تركيا الى ان تكون دولة اوروبية منذ تسلم مصطفى أتاتورك مقاليد الحكم وسعى الى تحويل تركيا من دولة اسلامية ـ شرقية الى دولة اوروبية. وكان من الطبيعي ان تقود هذه العملية الانتقالية الى بروز سلسلة من الصراعات بين القوى الاسلامية التي ترى بأن تركيا ذات جذور شرقية، وبين القوى الجديدة التي تسعى الى «تقريب» المجتمع التركي وتحويل البلاد لجزء أو امتداد للدول الاوروبية. وبعد رحيل أتاتورك عادت المؤسسة العسكرية الى التحكم بمقدرات الأمور في البلاد واستطاعت ان تفرض على الحكومات المتعاقبة نمطاً معيناً من الممارسة السياسية، ولاتزال هذه الحالة سائدة حتى الآن، وذلك على الرغم من ان القوى والاحزاب السياسية استطاعت ان تحقق الكثير من النفوذ وان تفرض شروطها ومطالبها على الجنرالات والقادة العسكريين. وثمة من يؤكد بأن احتدام الصراع من جديد يعد تعبيرا قوياً ومباشراً عن فشل هذه القوى السياسية في جعل تركيا دولة اوروبية بالمعنى الدقيق والشامل للكلمة، فمازال الطربوش والحجاب يقفان جنباً الى جنب مع معالم الحياة المدنية المعاصرة، ولا تلوح في الأفق بوادر أية مصالحة، وذلك على الرغم من ان تركيا نجحت خلال السنوات الأخيرة في ايجاد نوع من التوازن بين هويتها الاسلامية ـ الشرقية وبين نزعتها نحو الانخراط التام في القارة الاوروبية. ويبدو ان هذا التوازن قد أطيح به الآن، بدليل ان الطريقة التي يعامل بها بولند اجاويد لاجباره على ترك الحكم والاستقالة تحمل في طياتها الكثير من المعاني والدلالات التي تقود الى الاستنتاج بأن تركيا قد دخلت في مرحلة جديدة من الصراع السياسي الداخلي. المد الاسلامي وإذا كان التيار الاسلامي قد حقق في فترة السبعينيات امتداداً واضحاً جرى التعبير عنه من خلال وصول نجم الدين أربكان الى رئاسة الحكومة، فإن ما يجري اليوم يؤكد بأن انحسار هذا التيار كان مؤقتاً ومرحلياً بالفعل. وعليه يمكن التأكيد ان تركيا ستشهد خلال الفترة المقبلة سلسلة من الصراعات التي ستعزز امتداداتها الخارجية، ولابد لهذه الحالة ان تؤثر على الوضع الاقليمي المحيط بتركيا من كل الجهات، فاسرائيل تمارس ضغوطاً قوية على المؤسسة العسكرية كي تعود الى سياسة التحالف العسكري والأمني مع تل أبيب، كما ان الولايات المتحدة تسعى بدورها الى تطبيق برنامج اقتصادي شامل بالنسبة لتركيا، وبالتالي فإن الوضع العام لابد ان يتأثر بهذا الدور الأميركي. ووسط هذه المنافسة في الأدوار يجد الشعب التركي نفسه واقعاً تحت تأثير العديد من العوامل والتجاذبات التي ستفرض شروطها على القوى الأساسية الداخلة في حلبة الصراع. وأياً تكن النتائج فإن من الأهمية بمكان التعامل مع مجمل هذه التطورات عبر اجراء تقييم دقيق لمجمل الوضع التركي، فهذا الأخير حافل بالكثير من المفاجآت التي يمكن ان تصل الى حد الوصول الى حالة من الفوضى الشاملة وعدم الاستقرار، ولابد لعملية الحسم ان تتأثر ـ الى حد بعيد ـ بتطورات الوضع الاقليمي، لأن الحكومة المقبلة في أنقرة لن تكون قادرة على ايجاد حلول جذرية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية القائمة إلا من خلال بلورة الدور التركي وتحديد خيارات تركيا لمرحلة ما بعد أجاويد، ومستقبل الأحزاب اليسارية وقوى العمل الاجتماعي. البعد الكردي ومن الضروري القاء الضوء على البعد الكردي في أزمة تركيا الراهنة، ذلك ان للأكراد في تركيا حضوراً سياسياً واجتماعياً مهماً للغاية وليس بمقدور أي حزب أو قوة تجاهل مثل هذا البعد خاصة في ظل المتغيرات الاخيرة التي حدثت على هذا الصعيد، فالقوى الكردية استطاعت ان تنظم نفسها في اطار محدد وهو الأمر الذي أدى الى تفعيل دور الأكراد في الحياة السياسية الراهنة. وقد استطاع حزب العمال الكردستاني ان يفوت الفرصة على المؤسسة العسكرية التركية في جعل الضغط السياسي والاجتماعي يركز على الأكراد، من خلال وقف عملياته ونشاطاته العسكرية وحل قضية عبدالله أوجلان. فهذه الاستراتيجية أجبرت جنرالات الجيش على اعادة النظر بسياستهم المعلنة تجاه الأكراد، حتى ان الكثير من أعضاء البرلمان التركي استطاعوا ان يجاهروا بمطالبهم وأن يجندوا قطاعات واسعة من الرأي العام التركي الى جانبهم. ويبدو ان الأزمة الحالية قد جاءت لتزيد من أهمية البعد الكردي في حل المسألة التركية. وتشير التوقعات الى انه سيكون للأكراد دور مهم للغاية في الانتخابات المقبلة، لدرجة يمكن معها التأكيد ان العديد من الأحزاب والقوى السياسية أخذت تميل الى تبني المطالب الكردية، وبالتالي فإن الافرازات السياسية لابد ان تتأثر بمجمل هذه التفاعلات التي تزداد قوة واتساعاً. ولا حاجة للتأكيد ان ثمة حلقة سياسية تعد هي الاضعف في المشهد التركي كله، وهي التي تكمن في مدى قدرة الاحزاب والقوى المتصارعة على جعل الوضع الداخلي أكثر انسجاماً وتناغماً مع الوضع الاقليمي، وإذا ما قادت التطورات الى مجيء حكومة من يسار الوسط أو من يمين المؤسسة العسكرية فإن الوضع سيزداد سوءاً وتدهوراً، لأنه في مثل هذه الحالة فإن الدورين الأميركي والاسرائيلي سيجبران أية حكومة تركية جديدة على تقديم المزيد من التنازلات لصالح الطرف الآخر، أي ان تصبح تركيا أكثر معاداة لدول الجوار. ومن هنا فإن الأوساط المراقبة تحاول منذ الآن ان تقدم اجابات محددة على التساؤلات المطروحة وكلها تدور حول نقطة محددة، وهي مدى قدرة تركيا على التوفيق بين دورها الاقليمي ووضعها الداخلي. ذلك ان أي تراجع على هذا الصعيد لابد ان يقود الى نتائج كارثية، وتزداد الحاجة بالتالي الى تحقيق المصالحة المطلوبة بين الداخل والخارج، ويمكن لأية حكومة تركية جديدة ان تفرض على الداخل والخارج معاً استحقاقات كبيرة لاتزال مؤجلة ـ حتى الآن ـ وبالتالي فإن الحديث عن تركيا القوية والموحدة يصبح نوعاً من الجدال السياسي الذي يحتاج الى براهين. ـ كاتب سوري