تبدو المشكلة العالقة في تركيا ذات أبعاد تاريخية أعمق من الدولة العثمانية أو الاتاتوركية التي جعلت هذه البلاد تقع في صراع وجود نتيجة لعدم الوقوف على هوية ما يبدو وان ذلك يمتد عبر امتداد الدولة التركية حالياً العثمانية سابقاً. فالموقع الجغرافي فرض نمطاً من التفكير بين حضارتين، الاوروبية الغربية (الهيلينية) من جهة، والاسلامية التي أتت من الشرق والتي تطبعت بها منذ أول أمرائهم عثمان غازي بن ارطغل عام 1299. وفي الاطار التاريخي اللاحق ظهر النشاط التغريبي الذي يعتبر المشكلة الرئيسية على مستوى الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو حتى الدينية، وذلك في عهد السلطان سليم الثالث (1789 ـ 1807) الذي حاول ان يعيد صياغة البنية الأساسية، وبالمقابل سعى الى افتتاح المدارس الحربية على النموذج الغربي، وهذا يعني بالتأكيد الغاء الجيش الانكشاري لدولة امتدت اراضيها عبر ذلك الجيش لتشمل قطاعات توسعية مختلفة الثقافات وحتى الأديان. يبدو ان مسألة التغريب والبحث عن الهوية هو ما يجعل تركيا تعيش اليوم ازماتها الاقتصادية والسياسية، خاصة ان الشروط الاوروبية بدأت تلعب دوراً كبيراً في التركيبة الاجتماعية والسياسية لهذه الدولة ومنذ بدايتها مما أوجد الخلل التركيبي في بنيتها، ويؤكد ذلك ما رآه المؤرخ التركي احمد حمدي طانبنيار حين قال: «ان الخبل الناشيء عن ابتعاد المجموعة المثقفة عن ذواتهم وفشلهم في التحول الى الغرب أو عودتهم الى الذات هو بداية الأزمة الحضارية». والواضح ان هذه الاشكالية بين الحفاظ على الثقافة الأساسية والمحاولات الجاهدة لايجاد نمط غربي تتطبع فيه هذه الدولة، وضع تركيا أمام اشكالية ليس الاقتصاد عنوانها في الحياة السياسية فقط، بل وببرنامجها الذي تغلب عليه اشكالية الهوية التي أوصلت هذه الدولة الى مجموعة اشكالية حجبت قضية الصراع بين المجموعات السياسية والتي بدورها تنتمي الى مجموعات دينية واقتصادية. فالدولة التركية تحكمها الآن مجموعة من العائلات الرأسمالية التي لا تتجاوز الستين عائلة، وهذه المجموعات استطاعت ان تتدخل بشكل مباشر في الحياة السياسية وتفرض مصلحتها قبل ان تنظر الى المصلحة العامة. وهذا بالطبع هو الشكل الرئيسي لعنوان العائلات الاقتصادية في العالم أجمع. البحث عن هوية ان السياسة التركية منذ تأسيس الجمهورية في اكتوبر 1923 بقيادة مصطفى كمال أتاتورك غلبت عليها ثلاث صيغ. الأولى سيطرة رؤوس الأموال الاقتصادية، والثانية سيطرة العسكر على قطاعات الحياة، والثالثة وجود أنماط متفردة في حكم الشعب التركي. فمنذ حكم أتاتورك 1923 ثم عصمت أنينو حتى عام 1950، ارتسمت على النظام صبغة الحزب الواحد، وإن كان عصمت انينو حاول ان يقلب صيغة النظام الى الحزبي التعددي نتيجة الضغط الاميركي الشديد الذي مورس من قبل واشنطن، ومع ذلك فلم تسلم الدولة من سيطرة الحزب الواحد خاصة تلك الأحزاب التي تدعو الى التغريب وسلخ جلد الجمهورية التركية عن الدين والتمثل بالغزو الثقافي الآتي من اوروبا والذي يريد القضاء على الهوية كشرط علني للانضمام الى الاتحاد الاوروبي. لكن تاريخياً كانت مسألة التغريب متواجدة بأشكال متعددة على ساحة بني عثمان، فجمعية الاتحاد والترقي 1895 التي كانت في الأصل جمعية الاتحاد العثماني التركية 1889 قد التزمت بمفاهيم التغريب، ولكن لم يكن تغريبها للدخول في بوتقة الاستعمار الغربي الناهض بل للوقوف في وجهه، وبالمقابل الوقوف في وجه السلطان عبدالحميد، وهذا النمط التغريبي كان بداية لظهور أزمة الهوية التي كانت تنام على السطح. إن مشكلة الغربة والتغريب، أو بمعنى أدق فقدان الهوية احياناً والضياع في تراثها أحياناً اخرى وفي نمطية التجديد التي التجأت الى الغرب كمنقذ احياناً كثيرة، كانت مشكلة تناقضية عامة، ولكن الواقع يقول اليوم ان هذه المشكلة ليست فقط في نمطية التراث ورفضه، بل انتقلت الى المجتمع الواحد وحتى احياناً الى الفرد، فكثيراً ما نجد في تركيا امرأة تتمثل الثقافة الغربية في لباسها، ولكنها تقوم بالفرائض الاسلامية، ونجد احياناً أخرى رجالاً يرتدون الزي الاوروبي ويرتدون الطربوش التركي، ونجد في الإعلان نمطاً يتمثل احيانا في الدعوة الى مادة تجارية ما بطريقة غريبة وبجانبه دعوات لجمعيات أو مدارس اسلامية. وفي كل الاحوال فإن هذا التغريب لم يكن ليولد أصلاً لولا المحاولات الكثيرة من بعض الاحزاب الليبرالية الغربية في ايديولوجيتها أو المتمسكة بالغرب كشعار لها على مستوى التفكير الاجتماعي. إذن أزمة الهوية تعتبر محركاً رئيسياً، ليس للأزمة الحالية التي تعصف بالكيان التركي والمتمثلة أصلاً بمحاولات تركيا للانضمام الى الاتحاد الاوروبي، وإنما هي أزمة موغلة في مجتمعات متنوعة من الاتراك، أضف الى ذلك ان الجيش في تركيا يلعب لعبته العسكرية نتيجة سيطرة الضباط الكبار المدعومين من العائلات الاقتصادية من جهة أو من اوروبا من جهة ثانية، وحتى الولايات المتحدة التي تحاول باستمرار ان تبقي الأزمة التركية على نار هادئة تؤججها متى شاءت ومتى رغبت. وإذا كانت الانقلابات العسكرية التي توالت أعوام 1960 و1970 و1980 بواقع كل عقد انقلاب، فإن الاتراك وضعوا ايديهم على قلوبهم عام 1990 كونه العقد الرابع من الانقلابات، ولكن ذلك لم يحصل بل تدخل الجيش عام 1997 ضد حزب الرفاه الاسلامي واستطاع ان يفرض سيطرته على قطاعات الدولة حتى على رئيسها ليحل حزب الرفاه بشكل غير قانوني، كما اكد ذلك الحقوقيون الاتراك عندما قالوا ان حل الحزب انتهك أكثر من اربعين مادة قانونية، ومع كل هذه الانتهاكات فلم يتحرك أحد حتى دول العالم التي تدعي الديمقراطية أو حتى دول الاتحاد الاوروبي الذي يضع شرطاً من شروطه للانضمام اليه يتمثل بأن تمارس تركيا الديمقراطية وتحافظ على حقوق الانسان وتلغي عقوبة الاعدام، وهذه الشروط أججت ليس فقط الحكومات وإنما الشعب ايضاً، خاصة وان محادثات الانضمام الى الاتحاد الاوروبي ستجرى في اكتوبر المقبل مما جعل الأزمة التركية الأخيرة ذات المنشأ الاقتصادي تتبلور الى صراع سياسي زاد من اختناق الاقتصاد كما زاد من اختناق حكومة بولند اجاويد. تدخل.. تدخل! عندما حاول رئيس الوزراء السابق نجم الدين اربكان ان يحافظ على الهوية التركية الثقافية والاقتصادية، أو بمعنى آخر الافلات من الاملاءات الاوروبية بابتعاده عن النموذج الغربي وايجاد ايقاع هادف مع الاسلام، لم تستطع حتى اوروبا الديمقراطية ان تترك الأمور تجري كما هي عليه بل سارعت الى التدخل لايقاف مد اربكان، وبالطبع حصل هذا بالتعاون مع العائلات الرأسمالية من جهة والعسكر من جهة اخرى، وهذه التدخلات بمجملها مازالت تتنقل بين تلك الاطراف، وطبعاً معها الولايات المتحدة التي لا تكف عن تهديد تركيا بقطع المساعدات عنها إذا ما خالفت رأيها، خاصة بالمواضيع التي تشغل الادارة الاميركية وبالتحديد قضية العراق. ولنتذكر ان واشنطن التي تعتبر الملف العراقي من الاولويات، قد أرسلت وفداً خاصاً من مجلس الشيوخ لاقناع تركيا بتقديم المساعدات المطلوبة منها في حال اللجوء الى ضرب العراق، وتعتبر هذه الشخصيات من الرموز المتشددة في الملف العراقي، وقد ضمت اضافة الى لجنتي الاستخبارات والدفاع جوزيف ليبرمان مرشح منصب نائب آل جور في الانتخابات الأخيرة وجون ماكين من الحزب الجمهوري. وهذه اللجنة التي حاولت اقناع انقرة بضرورة تقديم المساعدات، لجأت بشكل مباشرالى التهديد بتجميد الدعم المالي والسياسي لتركيا. والواقع ان حكومة انقرة لا تريد ان تغضب الولايات المتحدة وبالمقابل تخشى على مصالحها الاقتصادية مع العراق، تلك المصالح التي اصبحت غالية جدا على قلب انقرة في ظل الازمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها والتي زادت من حدة التوترات في حكومة بولند اجاويد الذي كان يتمنى رغم كل شيء ان يتحقق حلم الانضمام الى الاتحاد الاوروبي في ظل وجوده، كما يتمنى ألا تكون هناك انتخابات قبل موعدها الرسمي في ابريل 2004 ولكن ما حصل ان الازمة الاقتصادية الكبيرة في هذا الوقت جعلت المسألة تبدو أكثر تعقيداً. فرئيس الوزراء لا يريد اغضاب واشنطن ولا يريد في الوقت ذاته ان تتأثر علاقته مع العراق، وهو طبعاً يخشى الاتحاد الاوروبي كما يخشى خصوم الداخل الذين يحيطون به من جميع الجهات حتى ضمن حزبه ولكن الازمة الوزارية التي عصفت بحكومته منذ الثامن من يوليو اثر انقسامات داخلة حول الاصلاحات الواجب انجازها لكي تتمكن تركيا من الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، جعلت عدد النواب المنسحبين من الحكومة يتزايد يوما بعد يوم حتى بلغ الستين نائبا واكثر، وبذلك ينخفض عدد النواب في الائتلاف الحكومي الى اقل من 250 نائباً، اي اقل من الاغلبية مما يعني ان النواب يستطيعون في ظل الوقائع الحالية ان يقضوا على رئاسة اجاويد. ومع كل ذلك فإن اجاويد الذي يرأس الحكومة منذ 1999 اثر سلسلة استقالات من حزب اليسار الديمقراطي، يؤكد ان قادة الاحزاب في الائتلاف الحكومي اتفقوا على موضوع الاصلاحات التي تطالب بها اوروبا وسيتم اقرار هذه القوانين قبل الانتخابات المبكرة. ولكن هل يمكن ان يحقق اجاويد الاصلاحات الكبيرة المطالب بها من الاتحاد الاوروبي ومن الشعب التركي الغاضب من اداء حكومته؟ بل هل يمكن ان يحقق اجاويد في فترة قياسية مجموعة من الشروط التي تعتبر بسيطة قياسا بالشروط السياسية والاقتصادية الكبيرة، وعلى سبيل المثال الاصلاحات الحساسة والغاء عقوبة الاعدام واعطاء الاكراد حقوقهم الثقافية؟ ان اجاويد المتهالك لو كان باستطاعته ان يحقق كل ذلك لفعلها منذ تسلمه رئاسة الحكومة عام 1999، ولكن لا الظروف الحالية تشفع له ولا الوقت يشفع له ولا حتى اوروبا تستطيع ان تصدق وعوده، لذلك فحقيقته يبدو انها في واقع الامر باتت الرجل المريض الجديد الذي سيخسر هذه المرة الخسارة الكبرى، في ظل كل الازمات التي تحيط به وفي ظل ازمة رئيسية تحيط بالمجتمع التركي ألا وهي ازمة الهوية، وفي ظل تدخلات الخارج الاوروبي والاميركي والداخل المتمثل في سيطرة العسكر ورؤوس الاموال التي تؤسس لذاتها مملكة عائلية تؤثر على قطاعات واسعة من الشعب والحكم والجيش، وتتدخل بشكل مباشر في الحياة السياسية. ورغم كل ذلك تعتبر التدخلات الخارجية والداخلية تتويجاً للمشكلة الأساسية التي ارتبطت وتزامنت مع نشوء الجمهورية التركية، والمتمثلة في قضة ضياع الهوية والبحث عن الجديد مع تغريب واضح في مفهوم الحادثة بعيداً عن حقيقة الهوية الاصلية، وهذا لا يعني على الاطلاق دعوة لارتداء التراث كما هو، وانما العودة الحقيقية اليه متمثلا في كيانه للدخول في قضية الدفاع عنها والتخلص من الاملاءات الاوروبية والاميركية، وهذا من الممكن ان يعيد الى الدولة تواجدها الحقيقي ومركزها الاستراتيجي الذي يتوسط جغرافيا مجموعة من المناطق التي تتنوع ثقافاتها وتتجاور جغرافيتها. ـ كاتب فلسطيني