تبدو المنطقة الآسيوية الممتدة ما بين الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وحتى الهند وباكستان وكأنها موضوعة على «صفيح ساخن» صفيح أزمات متواترة تهدد بانفجارات متلاحقة، ما ان تهدأ واحدة منها حتى تبدأ أخرى، وكأن المنطقة المذكورة مسكونة بعواصف ازمنة انشقاقية وعواصف ازمنة حاضرة تهدد بما هو أسوأ. حروب وانشقاقات وتكوينات سياسية جديدة يصعب رسم ملامحها المستقبلية بسبب سيطرة لغة الازمة ومفردات وأدوات الصراع، وبسبب سيادة منطق الحرب والتغيير بالقوة. فالوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة ما زال على سخونته، والعاصفة الاسرائيلية المستمرة تنذر بما هو أقسى وأشد ضد الفلسطينيين قيادة وشعبا وارضا ووجودا، وضد الدول المجاورة بذريعة السعي الى اخماد الارهاب واجتثاث الارهابيين. وشرقا وصولا الى وسط آسيا لا تزال الازمة الهندية ـ الباكستانية تنذر باندلاع الحريق الاكبر في آسيا، الى جانب الحريق المستمر في افغانستان باسم الذريعة ذاتها: الحرب ضد الارهاب والقائمين به والداعمين له، وما بينهما (فلسطين وباكستان) وحولهما تتفجر ازمات داخلية وتتدافع ضغوط وتهديدات خارجية، لترفع من حرارة اراضي وأجواء المنطقة ولتضع الجميع في مهب تطورات دراماتيكية عاصفة ومدمرة انطلاقا من العراق. تظهر الولايات المتحدة مزيدا من الاصرار والعناد وتتخذ مزيدا من الاستعدادات العسكرية من اجل انزال ضربة قاصمة بالعراق، بذريعة ضرورة اسقاط النظام العراقي كمقدمة لبناء عراق ديمقراطي متعدد الاعراق! وتبدو تركيا في خضم الحركة الاميركية واثقالها وكأنها اكثر الدول المعنية اقليميا بالأوضاع العراقية الراهنة والمستقبلية لاسباب داخلية وخارجية عديدة، الامر الذي يجعلها في مقدمة الدول التي ستتأثر سلبا على الاغلب او ايجابا كما يصور لها الاميركيون، بما يمكن ان يحل بالعراق. ويلحظ المتابع للتطورات الداخلية في تركيا لمجمل الاتصالات والتحركات الاميركية معها وبها، ان تركيا ستكون بفعل وضغط التزاماتها الاطلسية وطموحاتها الاوروبية، مكان حشد القوات والعتاد ومنطلق العدوان على العراق، الأمر الذي يستثير زوابع وأزمات وعواصف تركية محلية تارة ضد هذه الالتزامات والطموحات وتارة متوافقة معها، بشرط ان يكون الحصاد التركي من ذلك ايجابيا على مختلف الصعد. وتعكس قراءة خارطة الاحزاب التركية ومسارات التواءات مناورات قادتها، ومعها قراءة خارطة الازمات التي تعيشها تركيا وتفاعلاتها وانسداد آفاق معظمها، قلقا وخوفا تركيا من ان تكون الغارة الاميركية ضد العراق صاعقة او زلزالا اقليميا لن تسلم منه تركيا ذاتها، سواء بسبب تجاورهما أو بسبب اشتراكهما في مواجهة قضية واحدة (القضية الكردية) تهدد بزعزعة وحدتهما السياسية. وتعيش تركيا ازمات داخلية عديدة لم تقدر على حلها والتغلب عليها رغم مرور عقود على عمر بعضها، وابرز تلك الازمات. 1 ـ الازمات المالية والاقتصادية المتواترة والتي اجبرت تركيا على قبول اشتراطات صندوق النقد الدولي للمساعدة على حلها، بعد فشل الجهود التركية على هذا الصعيد. واستمرار تفاعل هذه الازمات معطوفا على الازمات السياسية يهدد بانهيارات اكبر، سواء في قيمة العملة التركية (الليرة) او في الهيئات والمؤسسات الاقتصادية الكبيرة، ويهدد بالتالي (وهذا هو الاهم) بانسداد آفاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. 2 ـ الازمات السياسية المتوارثة والمتتالية، سواء نتيجة التفسخ الحاصل في الاحزاب التركية او نتيجة الافتقار الى الرموز والقيادات السياسية القديرة، والضغوط التي تمارسها رئاسة الاركان التركية لابقاء سيطرتها على الحياة السياسية في البلاد للحيلولة دون تمكن الاحزاب الاسلامية من الوصول الى سدة السلطة، كما حدث عام 1997 عندما اجبرت نجم الدين اربكان على الاستقالة من رئاسة الحكومة ودفعت به الى السجن. 3 ـ ازمة الانتماء والهوية والتي نشأت منذ عشرينيات القرن الماضي عندما ضغطت الاتاتوركية باتجاه التحاق تركيا بالغرب على حساب انتمائها وهويتها الاسلامية والشرقية فهذه الازمة ما زالت تضغط باتجاهين معاكسين: فهي تضغط على قيادات الاحزاب السياسية بتأثيرات الاتاتوركية المستمرة لتغريب تركيا، وتضغط على الشارع التركي المتمسك باسلاميته وشرقيته. 4 ـ ازمة الطموحات والتطلعات الكبيرة لاستعادة بعض المجد العثماني السابق والقدرات المفقودة للقيام بذلك بسبب استمرار التخبط في خضم الازمات. وتواجه تركيا جملة ازمات في الجوار والمحيط لا تقل عن ازماتها الداخلية حدة ومخاطر وفي مقدمتها: 1 ـ استمرار الازمة القبرصية دون حل يرضيها، رغم مرور اكثر من ربع قرن على نزول القوات التركية على اراضي الجزء التركي من الجزيرة القبرصية وفرض تقسيمها، ورفض المجتمع الدولي قاطبة الاعتراف بالجمهورية القبرصية التركية برئاسة دنكتاش كجمهورية مستقلة (لا يعترف بها سوى تركيا) وما يزعج تركيا ويضعها حاليا امام خيارين مرين هو اشتراط الاتحاد الاوروبي على تركيا بوجوب تسوية الازمة القبرصية وانسحاب القوات التركية من هناك، للقبول بها عضوا في هذا الاتحاد، او استمرار تمسكها بسياستها حيال قبرص وبالتالي البقاء خارج الاتحاد ومن ثم خارج اوروبا. 2 ـ الازمة مع اليونان والتي تتخذ من الاختلاف على تعيين الحدود البحرية عنوانا علنيا لها والتأييد الاوروبي للطروحات اليونانية. 3 ـ الازمة المتمثلة بفشل تركيا في استقطاب دول ما يوصف بالعالم التركي (بعض دول الاتحاد السوفييتي السابق مثل تركمانستان) عبر ما اطلق عليه الجامعة التركية او غير ذلك من اطر، وتفضيل غالبية هذه الدول التعامل المباشر مع الولايات المتحدة بعيدا عن انقرة. 4 ـ الازمة الكردية النشطة في تركيا والاشتراطات الأوروبية لحلها كمقدمة لقبول عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي. 5 ـ الازمة العراقية بمختلف تشعباتها وانعكاساتها على تركيا آنيا ومستقبليا. وتبدو الازمة العراقية حاليا الازمة الاكثر اهمية وربما الاكثر خطرا بين الازمات الداخلية والخارجية المشار اليها فالولايات المتحدة ومعها دول اوروبية عدة في مقدمتها بريطانيا تمارس ضغطا شديدا على انقرة للحصول منها على موافقات غير مشروطة، على ان تكون الاراضي التركية ساحة التحشد والانطلاق للعدوان على العراق برا وجوا. وقد كشفت المصادر التركية ان تلكؤ رئيس الوزراء التركي بولند اجاويد هو الذي دفع بالولايات المتحدة الى تحريك بعض انصارها في قيادة حزبه (حزب اليسار الديمقراطي) واركان حكومته، وفي مقدمتهم وزيرا الخارجية اسماعيل جيم والاقتصاد كمال درويش للاستقالة من الحكومة وللانسحاب من الحزب، الامر الذي افقده الاغلبية في البرلمان ودفع اجاويد بالتالي الى اقرار اجراء انتخابات نيابية عامة لانتخاب مجلس نواب جديد يضم كالعادة 550 نائبا. وتتمثل بؤرة المخاوف التركية من التفجير الاميركي للازمة العراقية في ان يقود ذلك الى تفجير العراق ذاته ككيان سياسي واحد، وان تكون اولى نتائجه انشاء دولة كردية في شمال العراق معترف بها اميركيا وأوروبيا (تجري محاولة لاسترضاء تركيا واغرائها عبر الحديث المتزايد عن دور ومكانة للتركمان في شمال العراق)، الامر الذي سيهدد مستقبل تركيا باعتبار ان غالبية الشعب الكردي يعيش في الجهة المقابلة من الاراضي التركية (جنوب شرق تركيا)، ويخوضون صراعا مريرا منذ عقود ضد السلطات في انقرة للاعتراف بحقهم في العيش كشعب مستقل، الامر الذي يعني ان تفجير الازمة العراقية قد يؤدي الى تفجير الازمة الكردية في تركيا. هذه المخاوف التي تلقي بظلالها على الانتخابات النيابية المقبلة هي التي تدفع الى الاعتقاد، استنادا الى الاستنفار الدولي المعلن في الاحزاب القومية والدينية التركية، بأن نتائجها لا تأتي بما تشتهيه السفن والطائرات الاميركية خصوصا اذا ما امعنت الولايات المتحدة في ممارسة المزيد من الضغوط على تركيا، دون ان تأخذ مصالحها الراهنة والمستقبلية بعين الاعتبار. ـ كاتب سوري